ملف الرئيس في المخابرات الأمريكية


يقول «بوب وودورد» مدير المخابرات المركزية الأمريكية الأسبق إنه منذ تولي الرئيس مبارك للسلطة حاولت وكالة الأمن القومي الأمريكي والمخابرات الأمريكية بداية من عام 1982 اقناع مصر بالعمل المشترك ضد ليبيا.. ولعل أهم تلك المحاولات التخطيط لما يسمي بعملية «الزهرة» في عام 1984 فحسب الرواية الأمريكية زار مصر جون بواند كستر مستشار الأمن القومي الأمريكي والتقي مع الرئيس مبارك لاقناعه بشن هجوم علي ليبيا فما كان من الرئيس إلا أن قال له: «انظر ايها الأميرال عندما تقرر أن تهاجم ليبيا سيكون ذلك قرارنا وفي الوقت الذي نحدده».

ولم يكن الرئيس مبارك هو الوحيد الذي جاء في تقارير المخابرات الأمريكية بل ذكر أيضاً أنور السادات حيث ذكر بوب وود في كتاب «الحجاب» أن السادات جعل من مصر حليفاً رئيسياً للولايات المتحدة وقامت هي في المقابل بتزويده بمعدات الكترونية متطورة وامكانيات بشرية لكشف محاولات الانقلاب وركبت أجهزة تصنت في العديد من الأماكن الحساسة وقد دعمت برامج حماية الرئيس المصري بقوة بعد قيام الثورة الإيرانية.

وأكد بوب وود أن السادات كان يعامل رجال المخابرات الأمريكية كما لو أنهم رجاله في بعض الأحيان.. وقال وليم كولبي مدير المخابرات المركزية الأمريكية الأسبق «إن السادات كان بالنسبة لنا ثمينا للغاية ليس من النوع الذي تدفع له الوكالة لتسيطر عليه ولكنه فتح بلاده ونفسه للمخابرات المركزية وللمصالح المشتركة وفي الوقت نفسه خطر جداً يشبه شارع باتجاهين يمكن أن يصيب أحداً علي جانبيه».. وبلغ التعاون ذروته عندما بدأ الغزو السوفيتي لأفغانستان وقتها ساعدت مصر في إرسال أسلحة للأفغان وكذلك ساعد السادات أمريكا في معركتها ضد القذافي ورغم ذلك فشلت المخابرات الأمريكية في اقناعه بتوقيع اتفاقية لتحويل رأس بناس إلي قاعدة عسكرية كما أنه منع مصادرها من التغلغل في الجيش ورفض اقتراحاتها بأن تراقب له كبار الضباط وتتصنت علي مكالماتهم.

أما جمال عبدالناصر فقد رحب بالاتصال بالأمريكان ليضمن وقوفهم بجانبه في مواجهة بريطانيا.. ولهذا فانه أرسل بعض الضباط ليلتقوا برجال المخابرات الأمريكية وكان علي رأس هؤلاء زكريا محيي الدين وحسن التهامي الذي سافر فيما بعد إلي الولايات المتحدة وعاد يحمل لعبد الناصر مساعدات عديدة في مجال الأمن.

وكان عبدالناصر صاحب رؤية خاصة في تحديد تلك العلاقة مع المخابرات الأمريكية مفادها: يمكن أن تحصل أمريكا علي صداقتنا وتأييدنا لها إذا ناصرت حقوقنا وعادت لمبادئها السابقة وكان يعتبر أن المفاوضات السرية لا تنفصل عن الضغوط السياسية العلنية لكن الطريف أنه كان يلتقي برجال المخابرات في السر ويهاجم الولايات المتحدة في العلن.

ولكن رجل المخابرات الأمريكية «مايلز كوبلاند» قال في كتابه «اللاعب واللعبة» إن المخابرات الأمريكية هي التي كانت تعد خطابات جمال عبدالناصر الأشد عداء لأمريكا حيث قال: هل تعلمون من كان يعد الكثير من تصريحات عبدالناصر ودعايته المعادية للولايات المتحدة التي تتدفق يوميا من إذاعة القاهرة- أقوي وسائل الدعاية في الشرق الأوسط التي أزعجت موظفي وزارة خارجيتنا- انهم نحن.. كنا نعد هذا لأننا مثل عبدالناصر كنا ندرك أن قبضته علي البلاد تتوقف علي عدائه لأمريكا بشكل مقنع وانه ليس في مقدور جمال عبدالناصر أن يخاطر بابداء مواقف عقلانية من سياستنا في الشرق الأوسط».

وحسب ما قاله «كوبلاند» أن وزير الخارجية في ذلك الوقت «جون فوستر دلاس» كان عنيداً وأحمق وكذلك كان الكونجرس ومن هنا بدأ الخلاف حول حجم المعونة والامداد العسكري وتمويل بناء السد العالي ثم تم تأميم قناة السويس وحرب 1956 والقضايا الأخري التي جعلت الصراع بين البلدين في ذروته سراً وعلناً.. وهنا نشطت جهود المخابرات الأمريكية علي الرئيس المصري والدولة.

ويضيف كوبلاند العلاقة في ذلك الوقت كانت اشبه بشجار بين ولدين، كلاهما يري أن الآخر هو بدأ الشجار وأنه كان يرد لكمته الأولي.. فعبدالناصر يقول: إن حصوله علي صفقة الأسلحة السوفيتية عام 1955 كان رداً علي رفض أمريكا امداده بها.. وأمريكا تري أن الصفقة كانت هي البداية من جانب عبدالناصر ولهذا رفضت امداده بتمويل السد العالي.. وقبل هذا الخلاف كانت تقارير المخابرات الأمريكية تتضمن عبارات ثناء ومديح لجمال عبدالناصر أما بعدها فقد لقب «بالديك الرومي».. ولذلك حاربت المخابرات الأمريكية عبدالناصر في اليمن وضغطت لقطع القمح عن مصر وساعدت السعودية ضده.. وهكذا استمرت مواقف عدم الثقة التي لم تفلح في اصلاحها محاولة المخابرات الأمريكية رشوة جمال عبدالناصر بثلاثة ملايين دولار والتي استخدمها في بناء برج القاهرة.

أساليب التجسس

يذكر أن المخابرات الأمريكية استخدمت علماء النفس واخصائيين نفسيين لتحليل المعلومات الخام وتحليلها لمعرفة الحالة النفسية لرؤساء العرب الذي كان من بينهم العقيد معمر القذافي الذي كانت حالته النفسية اهم ما يشغل المخابرات الأمريكية خاصة اثناء توتر العلاقات الليبية الأمريكية وهو ما يعرف في اوساط المخابرات باسم التجسس الفرويدي، وقد توصلت المخابرات الي ان القذافي امتص بشكل مبالغ فيه الخصائص البدوية كالتعصب الديني والاحساس الحاد بالكرامة والتقشف وكراهية الأجانب والحساسية تجاه الاهانات بسبب الظروف التي تعرض لها في بداية حياته خلال سنوات دراسته الأولي من اضطهاد اهل المدينة التي خلقت لديه نوعاً من النفور من النخبة ولعل معرفة الحالة النفسية والصحية ليس جديداً علي عمل المخابرات الأمريكية فقد كان رجل المخابرات (مايلزكوبلاند) منوطاً بجمع المعلومات عن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، وذلك بتكليف من الأطباء النفسيين والعاديين التابعين للمخابرات الأمريكية ويذكر (كوبلاند) في احد تقاريره في بداية الستينيات ان عبد الناصر مازال يتمتع بكامل قواه العقلية، كما ان شخصيته مازالت قوية بالدرجة التي تجعله يتحمل ضغط التملق والمراهنة والولاء المزيف وقد وصف احد تقارير«س. اي. ايه» السادات بأنه يصاب بنوبات من القلق العصبي الشديد، وسواء كانت المعلومات الصحية والنفسية صحيحة ام لا الا انها كانت تلعب دوراً كبيراً في رسم سياسة الولايات المتحدة حيث يذكر «كوبلاند» في كتابه (لعبة الأمم) انه بعد وصول المعلومات الي رجال المخابرات يتقمص كل شخص منهم شخصية احد الرؤساء وفقا لتقارير الحالتين النفسية والصحية، ويبدأ في التفكير بدلا منه، وقد كان كوبلاند يتقمص شخصية الزعيم الراحل جمال عبد الناصر في اجتماعات المخابرات المعروفة باسم (لعبة الأمم) من 1955 الي 1957 إلا انه فشل في التنبؤ بقيام عبدالناصر بتأميم قناة السويس في حالة امتناع البنك الدولي بتمويل السد العالي .

كان شاه ايران ايضاً من بين الرؤساء المتجسس علي حالتهم الصحية بعد قدومه الي الولايات المتحدة الأمريكية للعلاج بعد اندلاع الثورة الايرانية، وقبل بدء عملية احتجاز الرهائن الايرانيين في طهران ضمن السياسة الأمريكية (التجسس علي الأصدقاء) حيث طلب البيت الأبيض من المخابرات الأمريكية وضع اجهزة تنصت في غرفة الشاه المصاب بالسرطان فاعترضت المخابرات علي أساس تمتعه بنفس حقوق المواطن الأمريكي، فأصدر الرئيس الأمريكي قراراً كتابياً بالتجسس، وتم زرع اجهزة الكترونية داخل جناح الشاه في احد مستشفيات نيويورك، ويبدو انه بناءً علي نتائج التجسس قامت الادارة بطرد الصديق الشاه والبحث عن طريق آخر للتعامل مع الثورة الإيرانية .

البحث العلمي

وللتجسس الامريكي باب خلفي هو البحث العلمي ففي مصر 40 مؤسسة بحثية امريكية توغلت في المجتمع المصري وعملها الظاهر الابحاث العلمية والحقيقي جمع معلومات مهمة عن المجتمع المصري بهدف تشريحه سياسياً واقتصاديا واجتماعيا لمعرفة نقاط القوة والضعف واستغلال ذلك لمصالحهم كترويج افكار معينة او تغيير سلوكيات وتقاليد، وهذا يحدث في الدول العربية . ومن الأمثلة الفاضحة ان نتيجة للبحوث الدقيقة التي اجرتها امريكا عن انتاج واستهلاك القمح بمصر استطاعت وبضغوط سياسية ان توقف تنفيذ خطة مصرية سودانية لزراعة مليوني فدان من اراضي الجزيرة بالسودان قمحاً بتمويل خليجي وكان الهدف من هذه الخطة تحقيق الاكتفاء الذاتي بين البلدين والتصدير للدول العربية ومن امثلة مراكز البحوث الامريكية القابعة في قفص الاتهام مؤسسات فورد، وفورد فونديش، وهيئة a.d ومؤسسة ebik بالاضافة الي عدد من المؤسسات الموجودة بالولايات المتحدة، وتقوم بتمويل المؤسسات في الوضع العربي كالوكالة الامريكية للتنمية التي تتبع الكونجرس الامريكي وتنفق 10 ملايين دولار سنوياً علي برنامج مبادرة الديمقراطية لتمويل وكالات استشارية وحلقات دراسية وأوراق بحثية لجمع معلومات عن الاحزاب والانتخابات والاتحادات والنقابات العمالية، بجانب الهيئة القبطية الانجيلية والمسجلة في مقدمة المستحقين للمعونات الامريكية.. وتمارس هذه المؤسسات عملها عن طريق توظيف القيادات البيروقراطية لتكون اداة طيعة في يدها، بجانب استغلال الجماعات وبعض الوزارات والمراكز السياسية والاستراتيجية المعروفة بميولها الغربية الي جانب القيادات الإعلامية والصحفية لتأثيرها الكبير في الرأي العام.

الجدير بالذكر أيضاً أن صحيفة "كوريير ديلا سيرا" الإيطالية كشفت عن عمليات تجسس قامت بها وكالة الاستخبارات الأمريكية «CIA» والمخابرات الإسرائيلية "الموساد" للتجسس علي رؤساء عرب من بينهم الرئيسان الراحلان جمال عبد الناصر وأنور السادات، رغم ما كانا يحظيان به من إجراءات أمنية مشددة، أو هكذا كانا يتخيلان.

ففي تقرير لها تحت عنوان "التجسس علي رؤساء الدول العربية"، ذكرت الصحيفة أن الحالة النفسية للرؤساء العرب ظلت تشغل دومًا بال لـ «CIA» و"الموساد".

وأكدت الصحيفة أن المخابرات الأمريكية قامت بالتجسس علي الرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات ورصدت فيها حالتهما النفسية وأعدت عن ذلك تقارير مختلفة.

وأضافت أن رجل المخابرات الأمريكية "مايلز كوبلاند" كان المنوط بجمع المعلومات وتسجيل الملاحظات حول صحة الرئيس عبد الناصر، حيث كان يقيم بالقاهرة كمدير لفرع إحدي الشركات الأمريكية في حقبة الستينيات، وكان يذهب باستمرار إلي مكتب عبد الناصر ومنزله كأحد رجال الأعمال الأمريكيين، الساعين لتقوية العلاقات الصناعية بين مصر والولايات المتحدة، وكان يقوم فور إنهاء زيارته بإبلاغ جميع الملاحظات التي يراها علي الرئيس الراحل للأطباء النفسيين التابعين لـ «CIA».

وأشارت الصحيفة إلي أحد تقارير المخابرات الأمريكية التي أفادت أن عبد الناصر كان يتمتع بحالة نفسية قوية رغم الضغوط الداخلية والخارجية عليه، كما أنه لا يزال يتمتع بكاريزما قوية تجذب إليه الشعب المصري.

ونقلت جريدة "الآن" الكويتية الالكترونية عن الصحيفة الايطالية قولها: "أن الـ«CIA» قام بالتجسس علي الرئيس السادات بعد قيام الثورة الإيرانية خوفًا من إبرامه أي معاهدة مع قائد الثورة الإسلامية الخميني، مشيرة إلي أن السادات كان يصاب دائما بنوبات من القلق العصبي الشديد في الليل كما أنه كان يدخن بشراهة في الأوقات العصيبة، استنادًا لتقارير المخابرات الأمريكية".

وذكرت الصحيفة نفسها أن الـ«CIA» قامت بالتجسس علي الزعيم الليبي معمر القذافي في فترة الثمانينيات ورصدت حالته النفسية في ذلك الوقت، حيث قال أحد تقارير المخابرات الأمريكية عنه، إنه بسبب ظروف خاصة تعرض لها في طفولته، فإنه امتص بشكل مبالغ فيه.

وأضاف تقرير الصحيفة الإيطالية أن القذافي واجه اضطهادا من أهل المدينة خلال سنوات دراسته الأولي مما أدي إلي خلق نوع من النفور الحاد من النخبة المستقرة والتزام صارم بأشكال الحياة البدوية ومناصرة المقهورين والمضطرين.

وكان السفير محمد بسيوني سفير مصر السابق في إسرائيل والسفير أحمس حسن صبحي السفير السابق بالخارجية المصرية قد فجرا قنبلة كبيرة في الأوساط السياسية العربية بالإعلان بداية هذا العام عن قيام الموساد بالتجسس علي الرؤساء العرب من خلال زوجاتهم.

البريد الاليكتروني

وكشفا أن هناك شكوي من بعض الرؤساء العرب مقدمة إلي بعض قادة أوروبا من اختراق جهاز الموساد الإسرائيلي لصناديق البريد الالكتروني الخاص بزوجاتهم، وأن المخابرات الإسرائيلية تعمل علي إنشاء ملفات عن شخصيات القادة العرب، وذلك من خلال التجسس علي المراسلات الخاصة بزوجاتهم والتي تضمنت بعض الرسائل من الرؤساء أنفسهم.

واعتمدت المخابرات الإسرائيلية، بحسب بسيوني وصبحي، في ذلك علي البرنامج الالكتروني المعروفtorgan Mors وهو برنامج قادر علي اختراق البريد الاليكتروني وتسجيل جميع عمليات الطباعة علي الجهاز المستهدف وكذلك سرقة كل الوثائق التي يحتويها وطباعة نسخ منها وإرسالها إلي Server مسجل في لندن.

وأشار بسيوني إلي أن الموساد يري في الرؤساء العرب وزوجاتهم أهدافا سهلة للتجسس بعد أن اكتشفوا أنهم مدمنون علي الألعاب الموجودة علي الكمبيوترات الشخصية لهم.

ونقل السفير عن مصدر مسئول في المخابرات العسكرية الإسرائيلية، لم يسمه، قوله: إن المراسلات الشخصية لزوجات الرؤساء العرب ليست بتلك الأهمية الكبيرة ولكن اختراقها والاطلاع عليها يساعد في مراقبة أفكار الرؤساء الذين مازالوا يشكلون ألغازا محيرة للإسرائيليين.