في حوار السيناريوهات المنتظرة الدكتور هاني رسلان: إسرائيل موجودة بقوة في السودان.. والانفصال سيضع مصر داخل صندوق

الأسوأ لم يأت بعد.. هذه هي المحصلة النهائية التي يؤكدها الحوار الذي أجرته «الموجز» مع الدكتور هاني رسلان الخبير في الشئون السودانية والإفريقية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية حول سيناريو الاوضاع المقبلة الذي يشهده السودان والمنطقة بعدما سيسفر عنه استفتاء انفصال الجنوب في يناير المقبل.. حيث يري رسلان ان الانفصال قادم لا محالة وان السودان قد يتحول الي اكثر من دويلة بعد تنفيذ مخطط تفككه برعاية امريكية واسرائيلية.. ويؤكد ان هذا الانفصال سيؤثر علي الأمن القومي لمصر سواء علي الصعيد السياسي أو المائي..

> في يناير المقبل سيتحدد مصير جنوب السودان إما بالانفصال أو الوحدة مع السودان.. كيف تري الأمر من وجهة نظرك؟
>> في عام 2005 وقعت اتفاقية نيفاشا بين الحكومة السودانية وحركة التحرير الشعبية حيث اعطت للجنوب الحق في تقرير مصيره وبالتالي الاختيار بين الاستمرار مع السودان أو الانفصال في كيان جديد.. وتضمنت الاتفاقية ان يعمل الطرفان علي ان تكون الوحدة جاذبة وذلك علي مستوي صياغة السياسات والتوجهات الاعلامية وغيرها.. الا ان المواقف الرسمية المعلنة تقول ان جنوب السودان يتجه الي الانفصال لتكوين دولة جديدة وبالتالي فإن السودان الذي عرفناها طيلة 50 عاماً الماضية باعتباره دولة واحدة سيحل محله دولتان منفصلتان هما السودان الشمالي والسودان الجنوبي الذي لم يتم الاعلان رسمياً عن اسمهما المستقبلي حتي هذه اللحظة.. ومع مرور الوقت قد يصبح السودان اكثر من دولتين في ظل الاوضاع الكثيرة المأزومة.
> وهل الجنوب السوداني قادر علي إقامة دولة؟!
>> أوضاع الجنوب متأزمة جداً إلي حد يجعله غير مؤهل لان تكون دولة مستقلة لكثير من الاسباب اهمها يتعلق بتكوين الجنوب الذي يتكون من مجموعة قبائل كل منها لها لغتها ودياناتها الخاصة.. كما ان عددا كبيرا من هذه القبائل متشابك مع بعضه البعض علي مدار عقود طويلة ماضية بسبب المراعي وبالتالي فإن الولاء النهائي للسوداني لقبيلته قبل الانتماء الوطني وهذا ما يتجلي في الصراع الدموي بين القبائل وهذا أمر من شأنه اعاقة بناء دولة قوة في الجنوب. وربما كانت اكثر الأمثلة الدالة علي هذا ذلك الصراع الذي شهده عام 1992 عندما حدث تمرد القبائل ضد الحركة الشعبية لتحرير السودان والتي كان يقودها في ذلك الوقت جون جارانج الذي ينتمي لقبيلة الدنكا وقد قاد هذا التمرد في ذلك الوقت شخصيتان تابعتان لقبيلتي الشلك والنوير ووصلت خسائر الجنوبيين حسب جميع التقارير الغربية الي اكثر من مائة ألف قتيل نتيجة المذابح والمعارك الكثيرة التي شهدها هذا العام.. وهذه الخسائر تفوق اجمالي حرب الجنوب الاهلية مع الشمال.
> وماذا عن الأسباب الآخري التي تعوق اقامة دولة في الجنوب؟
>> الجنوب لا توجد به بنية تحتية سواء فيما يتعلق بالطرق أو الكهرباء والمياه أو المدارس.. كما لا يوجد ايضا كادر اداري نظراً لوجود نخبة قليلة من المتعلمين لا تستطيع ان تقود الجنوب بمشاكله المختلفة ولا تستطيع ان تسيطر علي الأوضاع وحفظ الأمن وهذه نقطة اخري تواجه حكومة الجنوب وعلي اثرها اتجه سيلفا كير زعيم الحركة الشعبية لتنفيذ سياسة أمنية تقوم علي جمع السلاح من الأفراد وتوجهه للحكومة لحفظ الأمن الا ان هذه السياسة وجهت برفض تام من القبائل تطور الي حد المواجهة العسكرية مع حكومة الجنوب مما ادي الي سقوط اكثر من 3 آلاف قتيل اضافة الي ترك اكثر من 300 الف نازح أماكنهم فالقبائل كانت تتصور ان هذا السلاح لن تجمعه الحركة لتخزين في مخازن الجيش ولكنه سيذهب الي قبيلة الدنكا التي ستهاجم به القبائل الأخري والتي ستكون في هذه الحالة معزولة السلاح وبالتالي من الوارد ان تتعرض للإبادة الجماعية.

أمريكا واسرائيل

> اذا كانت هذه معطيات الجنوب.. فعلي اي اساس ستقوم الدولة؟
>> الدولة في الجنوب ستحتاج الي أموال ومعاونة أمنية وادارية وهذا غير موجود حتي هذه اللحظة وبالتالي ستحتاج الي معونة خارجية بشكل شامل والطوف الرئيسي الذي سيقدم هذه المعونة هو الولايات المتحدة الامريكية التي اقرت خطة اسناد بقيمة ملياري دولار امريكي لاقامة البنية التحتية للجنوب.. والامر الثاني الذي يتعلق بهذه النقطة وهو مايمثل خطورة علي مصر والسودان هو وجود اسرائيل في الجنوب في صور مختلفة عسكرية واقتصادية واستخباراتية.. وبالتالي استمر الحال علي ماهو عليه وانفصال الجنوب سيحوله بصورتها الحالية الي قاعدة للولايات المتحدة واسرائيل لممارسة تهديداتهما المستمرة للسودان الشمالي ومصر وبالتالي التأثير سلباً علي قضية منابع النيل.
> كيف تتصور العلاقات بين شمال السودان وجنوبه بعد الانفصال؟!
>> هناك مجموعة كبيرة من المشاكل العالقة بين البلدين علي اعتبار ماسيكون.. أولها يتعلق بالحدود التي ستثير مشاكل بين الطرفين ويكون مدخلاً للحرب بينهما لأن الامر متعلق هنا بالسيادة وابار النفط التي توجه في المناطق الفاصلة بين الجنوب والشمال.. وهناك مشكلة أخري ترتبط بالجنسية فأعداد كبيرة من الجنوبيين تصل إلي مليوني شخص مقيمين في الشمال وهو أمر سيثير إشكاليات عديدة في حالة انفصال الجنوب بمعني.. هل سيطلب منهم مغادرة الشمال والعودة للجنوب أم سيمنحون حق الاقامة والعمل والحصول علي الجنسية؟
>> مع العلم انه اذا تم ترحيلهم للجنوب فانهم سيتسببون في مشكلة جديدة حيث لايوجد لهم مأوي أو اماكن يقيمون بها والدولة الجنوبية ستكون غير قادرة علي ايجاد مأوي لهذه الاعداد.. وهناك مشكلة ثالثة ترتبط بالديون بمعني هل سيشترك الجنوب مع الشمال في سدادها ام لا؟!.. اضافة الي مشكلة الاصول من منشآت وموانئ وغيرها والتي يريد الجنوب الحصول علي نصفها بينما يطالبون بعدم تقسيم الديون.. وهناك مشكلة اخري خطيرة ستواجهها المنطقة في حالة انفصال الجنوب وهي ان مناطق جنوب النيل الازرق ومنطقة جبال النوبة ستكون منطقة للحرب بالوكالة أو الحرب المباشرة بين الجنوب والشمال لأن هذه المناطق مكونة من قبائل تنتمي عرقياً وثقافياً إلي الجنوب إلا أنها تقع جغرافياً في الشمال.. وإذا اضفنا مثل هذه المشاكل مشكلة تقسيم المياه بين الدولتين فإن العلاقة بين الدولتين مرشحة لأن تكون صراعية مع الأخذ في الاعتبار أن الدولة الجنوبية قد تلجأ إلي تصعيد الحرب مع الشمال حتي تستطيع ان تتغلب علي مشاكل الداخلية التي ستواجهها بعد الانفصال خاصة فيما يتعلق بالصراع بين القبائل الجنوبية حيث ستلجأ الدولة إلي اصطناع عدو خارجي تستطيع من خلاله توجيه هذه القبائل.
> وكيف تري تأثير الانفصال علي المنطقة؟
>> تقسيم السودان سيكون له أثر سلبي علي كل المنطقة من عدة جوانب أهمها تغيير البئية والمعطيات الاستراتيجية للحدود المصرية الجنوبية التي ستكون مرشحة لاثارة الصراعات اضافة إلي أن استقلال الجنوب قد يعطي نموذجاً سلبياً في مشكلة دارفور وقد يمتد الأمر للمطالبة بحق تقرير المصير كما أن الاستقلال يعني أن دول حوض النيل اصبحت 11 دولة باضافة دولة الجنوب التي ستتماس حدودها مع اقليمين مهمين لمصر هما اقليم البحيرات العظمي من الغرب واقليم الغرب الإفريقي من الشرق وبالتالي فإن نشوء دولة جديدة في هذه المنطقة سيؤدي إلي ارباك الأوضاع الإفريقية والحدود لاسيما أن عدداً كبيراً من الاثنيات قد يطالب بنفس الحق وبالتالي قد تنشأ خلخلة في منطقة القرن الإفريقي والبحيرات العظمي وهذا أمر سيترتب عليه الانتقال إلي توازن قوي جديد سيكون برعاية أمريكية إسرائيلية.

مصير غامض

> ماذا عن مصير المشروعات المشتركة بين مصر والسودان والتي كان من المزمع اقامتها في الجنوب؟
>> منطقة جنوب السودان كانت مرشحة منذ الستينيات لاقامة مشروعات مائية كبري بين مصر والسودان لتوفير قدر كبير من المياه المصدرة في هذه المنطقة التي تحولت إلي مستنقعات ضخمة وكان من المفترض أن توفر هذه المشروعات ما بين 20 إلي 30 مليار متر مكعب علي أن تقسم مناصفة بين البلدين إلا أن الأمر سيختلف بعد انفصال الجنوب حيث سيكون هناك دولة جديدة قد تقبل باقامة هذه المشروعات أو لا تقبل وفي حالة قبولها سيتم تقسيم المياه علي ثلاث دول بدلاً من دولتين.. والأمر لن يتوقف عند هذا الحد بل إن وجود هذه الدولة سيوجد تأثير سياسي سيكون أقرب لتولي وجهة نظر دول المنبع ضد دولتي المصب.
اختناق مصر
> ما هي انعكاسات انفصال الجنوب علي الأمن القومي المصري؟
>> مجمل الأوضاع السالف ذكرها سيؤثر حتماً علي أمن البحر الأحمر وأمن قناة السويس وهو ما يهيء لحصار مصر من الجنوب إن لم يكن اختناقها فعندما ننظر إلي ابعاد الحركة السياسية سنجد أن المشرق العربي يتجه نحو الاهتمام بالملف النووي الايراني اضافة إلي الوجود الأمريكي في العراق فضلاً عن الصراع العربي الإسرائيلي وبالتالي بدأت مصر تفقد دورها في الشرق والشمال الشرقي وبالتالي لا يوجد أمام مصر إلا العودة إلي اصولها في الجنوب وإفريقيا الأمر الذي يعني أن اقامة دولة في جنوب السودان سيسد هذا المنفذ المتاح أمام مصر وستحبس داخل صندوق بعد حصارها من جميع الجهات.
> وماذا عن تأثير الانفصال عن اتفاقية 1959 الموقعة مع السودان؟
>> اتفاقية 59 هي اتفاقية ثنائية بين مصر والسودان وستلتزم بها دولة الجنوب انطلاقا من مبدأ التوارث للمعاهدات الدولية في حالة الانفصال إلا أن الخطورة تكمن في جوهر الاتفاقية فيما يتعلق بتوزيع كمية المياه خلف السد العالي خاصة أن السودان لم يكن يستوعب حصته كاملة في الماضي لعدم وجود مشروعات تنموية أما الآن سيستوعبها كاملة وبالتالي فمن الممكن أن ترفض دولة الجنوب هذه الكميات وتطالب بإعادة توزيعها مرة أخري علي الدول الثلاث.
> كيف تري التحرك المصري من قضية جنوب السودان؟
>> مصر كان لها موقف تاريخي يتحفظ علي منح جنوب السودان حق تقرير المصير في ظل التداعيات البالغة التي قد تترتب علي ذلك لكن القوي السياسية السودانية اتفقت علي اعطاء الجنوب الحق في تقريره مصيره ووقعت الاتفاقيات عام 2002 ولم تستطع مصر التدخل والاعتراض عليه لأنه حظي بموافقة القوي السياسية هناك.. وأمام هذه الأوضاع طرأت تعديلات علي السياسة المصرية تجاه هذه القضية وذلك في إطار بذل جهود لكي تصبح الوحدة جاذبة بين الجنوب والشمال خاصة أن مصر لا تستطيع ايقاف الجنوبيين عن الانفصال كما أنها ترتبط بعلاقات تاريخية منذ السبعينيات مع الجنوب وفقاً لاتفاقية أديس أبابا كما أنها ترعي وتقدم منحا لابنائه في التعليم والصحة لذا اتجهت مصر إلي تدعيم سبل التعاون مع الجنوب من خلال تقديم الدعم الفني واللوجيستي وكان آخر ما قدمته 30 مليون دولار وذلك بهدف ايجاد علاقة تعاونية مع جنوب السودان ولتحقيق هدفين الأول أن مصر لها مصالح في هذه المنطقة وبالتالي لا يمكن تركها مسرحاً خالياً للنفوذ والعربدة الأمريكية والإسرائيلية.. الثاني أن العلاقة الايجابية مع جنوب السودان في مصلحة السودان كلل حيث تستطيع مصر من خلال هذه العلاقة احتواء المشاكل المتوقعة بين الطرفين في حالة الانفصال.
> بين الحين والآخر تثار قضية حلايب وشلاتين ما تفسيرك؟
>> حلايب منطقة مصرية طبقاً لاتفاقية 1898 التي رسمت الحدود المصرية السودانية بخط عرض 22 شمال خط الاستواء.. ومع ذلك فإن هناك خلافاً في وجهات نظر البلدين حيث تقول مصر إن المنطقة مصرية وهذا واضح ولا يحتاج إلي نقاش بينما يقول السودان إن المنطقة سودانية لأنها كانت تدار إداريا من قبل السودانيين في الماضي وهذا الخلاف قد يختفي إلا أنه يثار بين الحين والحين من قبل بعض الأطراف السياسية السودانية نظراً لوجود صراع بين أبناء المركز وأبناء الهامش مثل دارفور وشرق السودان وجنوبه والذين يرون أن استقرار العلاقات المصرية السودانية يعني تدعيم قوة المركز والوسط علي حساب الهامش أو الأطراف وبالتالي يسعي أبناؤه إلي تعكير صفو العلاقات بين الدولتين من خلال اثارة قضية حلايب التي قد تستخدم أيضاً لاحراج الحزب الحاكم من قبل أحزاب المعارضة التي تقول إن مصر أخذت مثلث حلايب وشلاتين بالقوة فيلجأ الرئيس عمر البشير إلي الادعاء بأن حلايب وشلاتين سودانية وأنهم لن يتركوها.. وقد كانت هناك اتفاقية مشتركة في عهد الرئيسين نميري والسادات بإقامة مشروعات تنموية مشتركة بين الدولتين في هذه المنطقة إلا أن السودان ألغاها من جانب واحد عام 1991 عندما منحت مصر امتيازا لإحدي الشركات للتنقيب عن البترول في المياه الإقليمية لحلايب دون الرجوع للحكومة السودانية.
> وكيف تري الحل الجذري لهذه القضية؟
>> لا يجب التركيز كثيراً علي مشكلة حلايب لانها تستخدم كذريعة لتحقيق بعض الأهدف الخاصة لعدد من القوي السياسية بهدف تعكير صفو العلاقات المصرية السودانية وإذا كنا نتكلم عن اقامة علاقة مصرية سودانية تقوم علي أساسيين أمني واقتصادي لتوفير الرفاهية والتقدم للشعبين فما قيمة مثلث حلايب وشلاتين الصحراوي من هذه التطلعات فمن الممكن أن يكون هذا المثلث منطقة مشتركة أو منطقة جمركية أو أي شكل آخر ولكن بشرط تجاوز هذه القضية من أجل حماية شمال السودان من المزيد من التفكك والتحرش من الجنوب أو من التدخلات الخارجية فالسودان عمق اقتصادي واستراتيجي لمصر ومصر هي الظهير للسودان.