حسام مغازى.. خطايا الوزير الفاشل فى سد النهضة

>> ضلل الرئيس بمعلومات مغلوطة.. وتحول لـ"دمية" فى يد الإثيوبيين.. وساهم بفشله فى بناء 50% من السد
>> عقد 9 اجتماعات خلال عام ونصف مع المسئولين السودانيين والإثيوبيين والنتيجة "صفر"
>> تفرغ لـ"الشو الإعلامي" وقاضى الخبراء الوطنيين بسبب انتقاد أدائه الهزيل فى المفاوضات
>> رضخ لمطالب "أديس أبابا" وأضاع الوقت فى نقاط فرعية وتجاهل التفاوض على تأثيرات السد

9 اجتماعات للجنة الوطنية لسد النهضة فى أقل من عام ونصف والنتيجة صفر.. هذه هى المحصلة النهائية للمفاوضات الثلاثية بين مصر والسودان وإثيوبيا حول سد النهضة منذ تولى الدكتور حسام مغازى وزير الموارد المائية منصبه وحتى الآن ، وهى مفاوضات لم تسفر عن أى تقدم أو أمل يشرح صدور المصريين أو حتى يرسم داخلهم ولو بادرة تفاؤل.

ونتيجة لفشل وزير الري فى المفاوضات الثلاثية بات من المؤكد اتجاه مصر للمسار السياسي والدبلوماسي لحل الأزمة بعد أن وصل المسار الفني بين الدول الثلاث إلى طريق مسدود نتيجة الخلافات بين المكتبين الاستشاريين الفرنسى والهولندى، والتى فشلت الدول الثلاث فى حلها، بينما يستمر بناء السد بمعدلات متسارعة.

وقد أرجع خبراء المياه سبب فشل المفاوضات إلى ضعف خبرات وإمكانيات الدكتور حسام مغازى وزير الري فى إدارة ملف السد، مؤكدين أن هناك العديد من الأخطاء التى ارتكبها الوزير وأدت إلى تصاعد الأزمة ، ومنحت الجانب الإثيوبى الأفضلية، مما تسبب فى عودة المفاوضات إلى نقطة الصفر فى الوقت الذى يتم فيه الانتهاء من إنشاء 50% من جسم السد .

وقال الخبراء إن الوزير تفرغ لـ"الشو الإعلامى" وإصدار تصريحات مغلوطة ساهمت فى خداع الرأى العام، لافتين إلى ضعف التنسيق بين الجهات المعنية لاسيما وزارتى الخارجية ، والتعاون الدولى.
وفى هذا الصدد يقول الدكتور محمد نصر الدين علام وزير الموارد المائية والرى الأسبق ، إن وزير الرى ارتكب ستة أخطاء كانت كفيلة بإفشال الملف بالكامل.. مشيراً إلى أن الخطأ الأول تمثل فى الاستجابة للجانب الإثيوبى فيما يتعلق بالتنازل عن مشاركة الخبراء الدوليين - الذين حافظ على وجودهم وزراء الرى السابقين - والاكتفاء باللجنة الوطنية من الثلاث دول ، مما تسبب فى صراع بين هذه الدول ووجود حالة من العناد ، وخسارة الرأى المحايد للخبراء الأجانب .

وأوضح أن الخطأ الثاني تمثل في إضعاف أوراق الضغط المصرية من خلال الرضوخ للضغط الإثيوبى ، فى أول اجتماع فى مايو 2013 بالخرطوم ، وذلك بعدم تنفيذ توصيات اللجنة الدولية بإجراء دراسات متعلقة بإنشاءات السلامة للسد وتأثيرها على دولتى المصب "مصر والسودان "، علمًا بأن هذه الدراسة كانت بمثابة ورقة ضغط لمصر في المفاوضات ، خاصة مع احتمالية انهيار السد ووقوع أضرار على الخرطوم وعلى السد العالى .
أما الخطأ الثالث الذى وقع فيه "مغازي" – كما يقول علام- فهو الذهاب إلى موقع سد النهضة والتقاط الصور والفيديوهات ، مما سمح لإثيوبيا باستغلال تلك الزيارة وتسويقها للرأى العام العالمى على أن مصر تقبل بل وتشارك إثيوبيا فى بناء السد .

ولفت إلى الخطأ الرابع والمتمثل في عدم الإصرار على مطالبة إثيوبيا بتقديم دراستها المتعلقة بإنشاء 5 سدود أخرى ، على النيل الازرق ونهرعطبره ونهر أومو وهى مخالفة جديدة لقواعد الاتفاقيات التاريخية لدول حوض النيل ، وتشجع لإثيوبيا على المضى قدمًا فى تنفيذ مخططها فى إقامة السدود، وهذا ما تم فعليًا .

وأوضح "علام" أن الخطأ الخامس لوزير الرى فى إدارة أزمة سد النهضة ظهر فى التصريح بتصريحات مغلوطة ومضللة للرأى العام وللمسئولين فى الدولة ، مما ساعد على ضياع الوقت وعدم إعطاء مصر الفرصة لوضع حلول بديلة للمفاوضات الفنية .

وأضاف "علام" أن وزير الرى أخطأ بمشاركته فى إعداد وثيقة المبادئ التى صدرت والتى تم التوقيع عليها من قبل رؤساء الدول الثلاث ، وخلى نصها من ذكر الحقوق التاريخية لمصر فى مياه النيل ، ومدى تأثير السد على مصر وهذا هو الخطأ السادس.
وأوضح "علام" أن محدودية قدرات "مغازى" وعدم قدرته على التنسيق مع الوزارات المعنية ساهم بشكل كبير فى فشل المفاوضات ، مشيرًا إلى أن المعلومات التى قام بتقديمها لمؤسسة الرئاسة غير دقيقة .

مشكلة سياسية
وقال الدكتور مغاوري شحاتة خبير المياه ورئيس جامعة المنوفية الأسبق، إن المسئولين فى وزارة الري ساهموا فى تحويل أزمة سد النهضة إلى مشكلة سياسية واقتصادية بعد فشل المفاوضات الفنية.. مشيراً إلى أنه لابد وأن نتعامل مع الأزمة بهذا المفهوم.

وأكد أن الوقت ينفذ ويُداهم مصر بسبب عدم الوصول لحل لازمة السد.. موضحاً أن مصر تأخرت كثيراً في إجراءات تقديم اعتراض قانوني أو تسجيل موقف تجاه إثيوبيا، التى راوغت من اجل إضاعة الوقت .

وأوضح شحاتة أن الأزمة أصبحت أكبر من قدرات وخبرات وزير الرى، الذى تفرغ لمشكلة فرعية وهى اختيار مكتب استشارى أو اختيار مكتبين ، ومن ثم ادى ذلك إلى رفض مكتب ما وغضب مكتب آخر ومن ثم دخلنا فى دوامة صنعها الجانب الاثيوبى ووُضع فيها الوزير المصرى لتصبح النتيجة بعد عام ونصف من المفاوضات "صفر" .

وطالب شحاته مؤسسة الرئاسة بسحب الملف من وزارة الرى ، والتفاوض سياسيًا واقتصاديًا ، مقترحًا أن تقوم مصر بتقديم طلب رسمى رئاسى بوقف العمل فى السد حتى تنتهى المفاوضات ، على أن تقوم بتعويض إثيوبيا عن الكهرباء المنتظر إنتاجها من المرحلة الأولى لإنشاء السد ، ومن ثم نستطيع وضع إثيوبيا فى مواجه حقيقية ، وكشف الحقيقة وما إن كان الهدف من السد هو توليد الطاقة أم لا .

تضليل الرئيس
ويقول نادر نور الدين أستاذ الاراضى والموارد المائية بكلية الزراعة جامعة القاهرة ، إن وزير الرى لعب دوراً كبيراً فى فشل مفاوضات سد النهضة ، وإهدار حقوق مصر فى الحفاظ على مكتسباتها من مياه النيل ، مشيرًا إلى أن تحويل مفاوضات سد النهضة من فنية إلى سياسية ، تأخر كثيرًا وكان ينبغى على الوزير الاعتراف بفشل المفاوضات الفنية والحاجة إلى دعم سياسي، خاصة أن الدبلوماسيين عادة ما يصلون إلى حلول وسط تضمن الحقوق لجميع الأطراف .

وأضاف نور الدين أن مصر على المستوى السياسى ترى أن الهدف من السد هو تحقيق إثيوبيا لريادة سياسية وإقليمية وزعامة دول شرق أفريقيا، وأن المشروع مجرد "محبس" على النيل من أجل غلق المياه عن مصر في الوقت الذى تريده، وهذا ما لم يستطع وزير الرى تفهمه حيث ترك الساحة لإثيوبيا تلعب به كما تشاء .

وقال نور الدين إن تصريحات الوزير فى هذا الملف كانت تحمل معلومات مغلوطة ، وأدت إلى تضليل الرئيس فى المقام الأول ، والرأى العام فى المقام الثاني ، مؤكدًا أن الوزير لم يستمع لرأى الخبراء الوطنيين وتفرغ لمقاضاتهم على أرائهم الفنية ، والتى تراعى مصلحة مصر الوطنية .

تداعيات سلبية

يذكر أن المجموعة الوطنية لحوض النيل كانت قد تقدمت بتقرير إلى رئيس الجمهورية الأسبوع الماضي يتضمن تقديرها للموقف الحالى لمباحثات سد النهضة ، ورؤيتها حول بدائل التحرك القانونى والسياسى .

وأضح التقرير أن تداعيات سد النهضة لا تنحصر فقط على سنوات الملئ الأولى للخزان بل ممتدة ما دام السد قائمًا ، مما يؤدى إلى نقص دائم فى حصة مصر المائية وهو ما قد يسبب بوارًا لمساحات كبيرة من الاراضى الزراعية وانخفاض منسوب المياه الجوفية فى الوادى والدلتا وزيادة تداخل مياه البحر فى الدلتا مع تملح أراضيها ، إضافة إلى زيادة تلوث مياه النهر والترع والمصارف والبحيرات الشمالية وتهديد الثروة السمكية .

وأشار التقرير إلى عدم صحة ما يشاع حول أن الترشيد والتحلية هما الحل للتعامل مع تداعيات السد نظرًا لأنهما يحتاجان وقتًا طويلاً لتنفيذ برامجهما ونظرًا لمحدودية عائدهم المائى مقارنة بالعجز المتوقع فى حصة المائية للبلاد .

ونوه التقرير إلى أن فشل مصر فى معالجة سد النهضة سيشجع بقية دول حوض النيل على تنفيذ مشاريع السدود الكبرى والمتوسطة ، ويشجع إثيوبيا على إنشاء بقية سدودها الكبرى على النيل الأزرق ، ويشجع أيضاً السودان على التوسع فى الزراعات المرورية على مياه النيل الأزرق وهو ما يخفض من حصة مصر المائية .

وحذر التقرير من أن السودان تتخذ موقفًا واضحًا مساندًا لإثيوبيا فى قضية السد ، وذلك لمصالح عديدة مشتركة بين البلدين ، موضحاً أن السودان تتخلى عن التزاميها الاستراتيجية التى تنص عليها اتفاقية 1959 من ضرورة أن يكون لها نفس الموقف المصرى فى الدفاع عن الحقوق المائية للدولتين مما يعطى انطباعًا أن هناك مخططًا سودانياً للتنصل من هذه الاتفاقية.

وتناول التقرير تطور المباحثات الفنية حول سد النهضة وتحليل للاتفاقيات السياسية التى تم توقيعها مثلما جاء فى بيان ملابو فى يونيو من العام الماضى ، وفى إعلان المبادئ فى مارس من العام الجارى ، ونجاح إثيوبيا فى حصر مباحثات السد فى الإطار الفنى بعيدًا عن أى مجال للتفاوض السياسى حول السد وتداعياته ، وتوضح المذكرة انه كان هناك ثغرات سياسية فى إعلان المبادئ أهمها وأخطرها انه لم يتعرض لسعة السد التخزينية رغم أنها مصدر خطورة السد على مصر ، وتجاهل الإعلان أيضا حقوق مصر المائية وجميع الاتفاقيات التاريخية السابقة .
وأكد التقرير أن مبدأ عدم الإضرار الذى شمله الإعلان لا توجد له مرجعية للتطبيق مما يجرده من أى معنى أو مضمون.

وتطرقت المذكرة إلى الأخطاء التفاوضية التى ارتكبت أثناء المباحثات والتى كان لها أثراً مباشرًا على فشل هذا المسار وعدم تحقيقه لأهدافه ، وكانت أكثر هذه الأخطاء تأثيرا التنازلات التى قدمها الجانب المصرى فى اجتماع الخرطوم العام الماضى وتحديدًا الممثلة فى الموافقة المصرية على طلب الإثيوبي المتعنت بعدم إشراك خبراء دوليين فى اللجنة الثلاثية ومن ثم تحولت بعدها اللجنة إلى صراعات فى غياب قوة محايدة .

واخُتتم التقرير بطرح بدائل التحرك القانونى والسياسى والتنسيق بينهما لتحقيق تحرك مصرى فعال على الصعيدين الاقليمى والدولى ، مع تحرك دبلوماسى مكثف لشرح مخاوف مصر من تداعيات سد النهضة مدعوما بالأسانيد القانونية والحقوق المائية التاريخية والدراسات المصرية والدولية لتداعيات سد النهضة ، إضافة إلى تقرير اللجنة الثلاثية الدولية المؤرخ فى 31 مايو 2013 والذى يؤكد ركاكة الدراسات الإثيوبية ومخاطر السد على كل من مصر والسودان .


موضوعات ذات صله

التعليقات