ياسر بركات يكتب عن : عصر الكراهية الأمريكانى

مصريون فى قبضة المباحث الفيدرالية
- آدم عبدالشافى.. حاصروه وأجبروه على الانضمام لداعش
- الشناوى.. اتهموه بتلقى 8700 دولار للقيام بعمليات انتحارية
- توقيف أطفال وفتيات وانتهاكات يومية للمسلمين والأفارقة والعالم يتفرج؟!
- مسئول أمنى رفيع يطالب الأمريكان بإشهار الأسلحة فى وجه المهاجرين!.. و186 ألف مواطن أمريكى يتقدمون بطلبات لشراء أسلحة فى يوم واحد!!
- ترامب.. قصة عدو الإسلام الجديد فى أمريكا
لو كان والد آدم عبدالشافى يعرف أن إبلاغه السفارة الأمريكية باختطاف الشرطة المصرية لابنه سيكون سبباً فى اعتقاله بعد شهور فى الولايات المتحدة، لما فعل ذلك!
ليست هذه نكتة، لكن هذا هو ما حدث بالضبط!
ففى أغسطس 2014 وخلال زيارته لعائلته فى مصر، توجه عبدالشافى إلى السفارة الأمريكية بالقاهرة وقال إن نجله اختفى معتقداً أن الشرطة المصرية قامت باعتقاله ربما لأنه كان يتواصل مع عدد من المتطرفين إلكترونياً.
بعد عدة أيام، عاد آدم إلى عائلته، فأبلغ والده السفارة بأن ابنه عاد وأنه كان فى رحلة مع أصدقائه إلى تركيا لم يبلغه عنها، وبعدها عادت الأسرة إلى الولايات المتحدة.
ارتياب السفارة الأمريكية بالقاهرة فى قصة اختفاء آدم وذهابه إلى تركيا دون أن يخبر والده، جعلها تبلغ المباحث الفيدرالية الأمريكية (FBI) التى وضعته تحت رقابة مشددة، بعدما استكملت معلومات بشأنه وعرفت أنه وصديق له سافرا إلى تركيا، التى تعد نقطة عبور المقاتلين الأجانب إلى سوريا.
الرقابة المشددة على آدم جعلت المباحث الفيدرالية تراقب تليفونه وحساباته على شبكات التواصل الاجتماعى وبريده الإلكترونى ورصدت بين ما رصدته مكالمات تليفونية مع أصدقائه أعرب فيها عن حبه لزعيم جبهة النصرة، وقال إنه يتمنى الانضمام.
وفى 30 يونيو الماضى وبينما كان آدم فى مطار سان فرانسيسكو الدولى ويستعد لركوب طائرة متجهة إلى تركيا، استوقفه عملاء المباحث الفيدرالية فقال لهم إنه كان يعمل مطور شبكات ولم يعد يرغب فى أن يعيش فى الولايات المتحدة، وأنه قرر الانتقال للإقامة فى تركيا.
وبسؤاله عما إذا كان يعتزم الدخول إلى سوريا والانضمام إلى تنظيم جبهة النصرة الإرهابى، نفى ذلك، لكن السلطات الأمريكية لم تقتنع بالنفى وقامت باعتقاله، ومن يومها وآدم عبدالشافى الذى لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره معتقل فى الولايات المتحدة، ولم يتم توجيه اتهامات إليه إلا قبل أيام.
تحت يدى الآن نسخة من مذكرة التحريات التى قدمها عميل المباحث الفيدرالية الأمريكية، وهى فى ذاتها تحتاج قراءة متأنية، وتحتاج التوقف أمام كل تفصيلة فيها، لنعرف كيف تقوم السلطات الأمريكية بمراقبة المشتبه فيهم وكيف تتبعهم، وكيف تقوم بتفسير أى فعل أو رد فعل يقومون به، وهذا ليس هدفنا الآن، لكن هدفنا هو توضيح أن حالة آدم واحدة من مئات بل آلاف الحالات التى لا تعرف عنها وسائل الإعلام شيئاً، وكذا المنظمات الحقوقية الدولية أو المحلية التى أصبح واضحا تماما أنها لا تبحث عن حقوق الإنسان المهدرة إلا عندنا نحن فقط، أو عند الدول التى تستهدفها الولايات المتحدة!!.. وحالة آدم عبدالشافى مجرد واحدة من آلاف الحالات كما قلنا، وما يعنينا منها هو أن بينها مصريين ربما تتعرف على أسمائهم وأوضاعهم أو الاتهامات الموجهة إليهم للمرة الأولى، ولا يجدون للأسف من يقومون بتسويق قضاياهم للرأى العام المحلى أو العالمى!
الشناوى.. فى المكتب الفيدرالى
مثلاً، ذكرت جريدة «نيويورك تايمز» أن شاباً مصرياً آخر من ولاية ميريلاند، متهم بتلقى نحو 8700 دولار من عملاء تابعين لتنظيم داعش والتخطيط لاستخدام الأموال فى شن هجوم داخل الولايات المتحدة، وأوضحت الجريدة الأمريكية، أن السلطات الأمريكية اعتقلت محمد الشناوى، الذى يبلغ من العمر 30 عاماًً، وولد فى مصر، وذلك بعد خمسة أشهر من تحقيقات يجريها مكتب التحقيقات الفيدرالى تضمنت تتبع حركاته المالية واتصالاته على الإنترنت.
وبينما قال مسئولون إنهم لم يكشفوا عن خطط محددة من قبل الشناوى لشن هجوم، فإن القضية تبدو واحدة من الأكثر خطورة بسبب حجم اتصالاته مع متطرفين فى أنحاء العالم، وبعد مواجهته فى التحقيقات هذا الصيف، أقر الشناوى أمام محققى الـFBI، بالحصول على ألف دولار من مصدر تابع لداعش فى مصر، لكنه قال إنه كان يهدف للحصول على بعض الأموال من التنظيم دون شن هجوم كنوع من الاحتيال للحصول على المال، ذلك بحسب وثائق التحقيق، غير أن السلطات الأمريكية أشارت إلى أن الكثير من الأموال تم إنفاقها على أدوات اتصال بما فى ذلك هواتف خلوية وكروت اتصال وكمبيوتر محمول.
وبحسب مسئولين فإن الشناوى قال لمكتب التحقيقات الفيدرالى، إنه ينبغى الإشادة بعمله ومنحه وظيفة فى جهود مكافحة تمويل الإرهاب، غير أن السلطات الأمريكية لا تصدق رواية الشاب.
وقال جون كارلين، مسئول الأمن القومى بوزارة العدل الأمريكية، إن الشناوى كان يخطط لشن هجوم على الأراضى الأمريكية بهذه الأموال التى حصل عليها من داعش.
وأشار مسئولون إلى أن الشناوى حاول بشدة إخفاء اتصالاته الواسعة على الإنترنت مع عملاء يشتبه فى صلتهم بتنظيم داعش، خارج الولايات المتحدة.
وأضاف مسئول أمريكى إلى وجود شخص آخر مهم فى القضية وهو صديق الطفولة للشناوى، من مصر، والذى فر إلى سوريا بعد تورطه فى قضية تتعلق بالإرهاب.
وكشفت السلطات الأمريكية عن أن كلا الشابين أجريا العديد من المحادثات بالعربية، عبر الإنترنت، حيث أعربا عن دعمهما لتنظيم داعش، وأن الشناوى طلب من صديقه، الذى لم يتم كشف اسمه فى وثائق المحكمة، لإبلاغ دعمه لعناصر التنظيم. وبحسب إحدى وثائق الـFBI، فإن الشناوى وصف نفسه «جندى الدولة»، وقال إن روحه وقلبه مع الجهاديين، وإنه يبتسم فى كل مرة يرى فيها الأخبار الخاصة بهم، وقد قام صديق الشناوى فيما بعد بإيصاله بقيادى تابع لداعش، الذى بدأ بعد ذلك فى إرسال الأموال له عبر خدمة PayPal وويستيرن يونيون وغيرها من السبل، وأبلغ الشناوى صديقه، أنه يفكر فى «أهداف عديدة»، لكنه يحتاج إلى استغراق وقت كافٍ وأن يكون حذراً قبل التحرك، وفى محادثات أخرى تحدث الشابان حول طرق صنع قنبلة، وأبلغ الشناوى شقيقه، الذى يعيش خارج الولايات المتحدة، أنه يخطط للذهاب إلى سوريا أو العراق مع زوجته للانضمام لداعش. وبحسب الوثيقة فإن الشناوى أعرب عن رغبته العيش مع داعش، وأنه يعتقد أن الإسلام سوف يسيطر على العالم قريبا.. وخضع الشناوى للتحقيق أول مرة فى يوليو الماضى، بعد أقل من 3 أسابيع من تتبع مكتب التحقيقات الفيدرالى تحويلاً مالياً له عبر شركة «ويستيرن يونيون» بقيمة 1000 دولار من مصر، وذلك بحسب مسئولين أمريكيين. وفى البداية قال الشاب إنه حصل على هذه الأموال من والدته فى مصر، لكنه غير أقواله بعد مواجهته خلال التحقيقات، وأخيرا قال الشناوى إنه تقاضى هذه الأموال من عناصر تابعة لداعش لكنه كان ينوى خداعهم.
معتقلو «جوانتانامو».. أزمة بين الشرطة والمباحث الفيدرالية.
وتلك رسالة مُوجهة إلى الرئيس الأمريكى باراك أوباما، كشفت أنّ مكتب التحقيقات الفيدرالية (إف.بى.آى) يحقق حالياً مع نحو ألف حالة اشتباه داخل الولايات المتحدة لأشخاص، يعتقد المكتب أنّهم من الموالين لتنظيم «داعش».
الرسالة وقعها فى التاسع من الشهر الماضى نحو أربعين ضابط شرطة من مختلف مقاطعات كولورادو، أعربوا فيها عن معارضتهم الشديدة لمشروع نقل معتقلى «جوانتانامو» إلى منشآت اعتقال فيدرالية فى ولاية كولورادو.
واعتبر ضبّاط الشرطة الموقعون على الرسالة، أنّه من السذاجة نقل معتقلين خطرين من معتقل عسكرى إلى سجون مدنية فى ظل وجود ألف ملف تحقيق مفتوح حالياً لدى «إف.بى.آى» بشأن عناصر يشتبه بموالاتها لـ«داعش» داخل الأراضى الأمريكية، وأشار رجال الشرطة إلى أن السجون المدنية مجهزة لاحتجاز مجرمين قد يحاولون الهرب بقدرات محدودة، بينما معتقلو «جوانتانامو» سيكونون قادرين على استقطاب مساعدة قوية من خارج السجون المدنية لتحريرهم منها بالقوة.
كذلك أكد ضباط الشرطة عن قلقهم البالغ من أن المواقع، التى قالوا إن البنتاجون اختارها لنقل معتقلى «جوانتانامو» إليها، لا تبعد كثيراًً عن مدن آهلة بالسكان، وعن قواعد عسكرية تابعة لسلاح الجو الأمريكى فى ولاية كولورادو.
*****************
رقابة مواقع التواصل.. فى دولة الحرية!!
المدهش أيضاً هو أن مراقبة مواقع التواصل الاجتماعى أصبحت جزءا من استراتيجية مكافحة الإرهاب فى المملكة المتحدة وأمريكا!!.. بما يعنى أن مكافحة الإرهاب من خلال متابعة مواقع التواصل الاجتماعى أصبحت أمرا حتميا خاصة بعدما ظهر دور هذه الوسائل واضحا فى نشر الأفكار المتطرفة وتجنيد الجهاديين، إلا أن كل دولة تحارب التطرف الإلكترونى بطريقتها الخاصة.
وقد ذكر موقع «جلوبال بوست» الإخبارى أن التفاعل وإظهار التعاطف لصفحة خاصة بجماعة تم وضعها على قائمة الإرهاب مثل الدولة الإسلامية «داعش»، فى الولايات المتحدة يمكن أن يدل الشرطة على وجود مؤامرة أو جريمة، وهو ما حدث عندما اعتقلت الشرطة رجلاً من ولاية أوهايو يدعى كريستوفر لى كورنيل بتهمة التخطيط لهجوم على واشنطن.
ولكن فى المملكة المتحدة، يعتبر مجرد الإعجاب بهذه الصفحات فى حد ذاته جريمة، وهو ما أدركه العديد من البريطانيين مؤخراً، ألقت الشرطة البريطانية، القبض على رجل يبلغ من العمر 29 عاماً فى منزله فى مدينة ستوك أون ترينت، بتهمة التشجيع على الإرهاب والاشتراك فى منظمة محظورة.
وقالت شرطة ميدلاندز الغربية إن الاعتقال تم بتهمة الاشتباه فى نشر الرسائل التى تبثها داعش على صفحتها على موقع «فيس بوك» مضيفاً أنه لا يوجد تهديد مباشر للسلامة العامة.
وكان هذا الرجل هو رابع حالة اعتقال فى بريطانيا خلال يومين، فى حملة استهدفت القبض على الأشخاص المتهمين بالتعاطف مع الجماعات الإرهابية أو بالتخطيط لهجوم إرهابى. وفى الحالتين، كانت الرسائل التى نشروها على صفحاتهم جزءاً من الجريمة المزعومة.
أيضاً تم القبض على طفل يبلغ من العمر 16 عاماً وفتاة من قبل وكلاء مكافحة الإرهاب للاشتباه فى تآمرهم لشن هجوم فى إحدى ضواحى مانشستر، والمراهقون الذين لم يكن لديهم أفكار تتعلق بالتطرف الإسلامى، يجرى التحقيق معهم الآن نتيجة لنشاطهم على الإنترنت.
كما ذكرت هيئة الإذاعة البريطانية «بى.بى.سى» أن شرطة لندن احتجزت رجلاً يبلغ من العمر 32 عاماً يشتبه فى كونه عضوا بتنظيم داعش ومهمته جمع المعلومات التى يمكن أن تكون مفيدة فى تنظيم عمل إرهابى.
والغريب والمثير للدهشة أنه فى حين تتجه أغلب الولايات الأمريكية إلى إغلاق حدودها فى وجه اللاجئين، أفادت الدراسات الأخيرة أن 55 من أصل 68 أمريكياً تم إلقاء القبض عليهم فى أمريكا للاشتباه بعلاقتهم بتنظيم داعش هم أمريكيون، مولودون فى الولايات المتحدة.
****************
كيف تربى تنظيم داعش.. فى حضن الولايات المتحدة الأمريكية؟!
وطبقا لتقرير نشرته جريدة الـ«جارديان» البريطانية، فإن القضاء الأمريكى لم يصدر حكماً حتى الآن على أى مهاجر له علاقة يتنظيم داعش، بل إن أغلبية المشتبه بهم والمحكوم عليهم هم أمريكيون بالولادة.
وفى تفاصيل التقرير نجد أنه من بين 68 مشتبهاً بهم، أدين 18 وحكم عليهم بالسجن لمدد تتراوح بين 3 أشهر و10 أعوام، نقلاً عن مركز الأمن القومى فى جامعة فوردهام.
وتأتى هذه الدراسة لتكشف زيف المزاعم التى يطلقها عدد من السياسيين والمسئولين فى الولايات المتحدة، لأن الدراسة تعنى بالتالى أن 55 شخصاً، أو 80.9% من الذين اشتبه بهم هم أمريكيون، 44 منهم ولدوا على الأراضى الأمريكية، أما الأشخاص الـ6 المتبقين ولدوا فى البوسنة، 4 فى أوزبكستان، 3 فى الصومال، 2 فى السودان، 58 رجلاً و10 نساء، أما معدل الأعمار فهو 26 فيما حوالى ثلثهم لم يبلغوا سن الـ21.
ويرى التقرير الذى نشرته الـ«جارديان» أن النموذج المتبع حالياً من تنظيم داعش هو تمسكه بالقتال فى خارج الولايات المتحدة بدلاً من التخطيط لضرب الداخل.
هل يعنى ما سبق أن الولايات المتحدة تحارب داعش فعلا أو تخاف من المنتمين إليه؟!
أصبح من الواضح تماما أن الصعود السريع لداعش لم يتم بين ليلة وضحاها. فهذا الصعود لم يكن فقط نتيجة الاستراتيجية المتواصلة التى تعتمدها الولايات المتحدة فى حربها بالوكالة التى شنتها على عدد من دول المنطقة، بل كان أيضاًً نتيجة تخطيط تم إعداده بعناية وجرى توثيقه. وهو التخطيط الذى شارك فيه حلفاؤها بالأمس، وهكذا وجدت الولايات المتحدة نفسها مضطرة لتفسير وجود داعش بالزعم بأنه كان مختبئاً بين المقاتلين «المعتدلين» الذين تدعمهم واشنطن بكل قوة، فقد كانت الولايات المتحدة قد حاولت إشاعة الاعتقاد بأن داعش قد بنت نفسها بنفسها بفضل «الهبات» وبيع النفط فى السوق السوداء والفديات التى حصلت عليها من خطف الرهائن، ولكن، إذا كان من الممكن تشكيل قوة إرهابية دولية بكل هذه السهولة، فإن من الممكن أن نتخيل أن سوريا وإيران والعراق يمكنها أيضاًً أن تشكل جيوشاً جرارة من المرتزقة وأن تسحق داعش خلال ساعات قليلة.
ثم إن عاقلاً لن يستطيع أن يفهم أو يستوعب كيف قامت الولايات المتحدة وشركاؤها المحليون بتزويد «المعتدلين» بمليارات الدولارات إلا إذا كان الهدف هو تمكين داعش من النمو ومن إزاحة هؤلاء «المعتدلين» المزعومين، إلا إذا فهمنا الأمر التالى: لم يكن هنالك مطلقاً وجود لمقاتلين يمكن وصفهم بالـ«معتدلين»، والولايات المتحدة قامت بشكل مقصود، بتسليح وتمويل الإرهابيين بهدف تشكيل جيش من المرتزقة الذين «يتبنون رؤية قتالية للإسلام» ويتعاطفون مع تنظيم القاعدة الذى كان عبارة عن جيش مصغر من المرتزقة الذين يعملون فى خدمة الإمبراطورية ولكنه لم يعد كافياً، وعليه فإن داعش هى القاعدة ولكن بالكثير من الهرمونات والمنشطات!
غير أن الرياح لا تسير دائماً كما تشتهى السفن، وطبيعى وضرورى أن ينقلب السحر على الساحر وأن يكون لدعم الإرهاب أو صنعه عواقب جانبية وخيمة غير مقصودة من قبل صناعه، ومنها ما حدث من عمليات إرهابية فى أوربا وداخل الولايات المتحدة نفسها، بعد نزوح مئات الألوف من اللاجئين إلى الغرب، ولذلك سارعت أمريكا ومعها الدول الغربية بالتظاهر بشن حملة إدانة ضد المنظمات الإرهابية، وقامت بتشكيل تحالف من ستين دولة لمحاربتها، ولكن لأكثر من عام تأكد لنا أن أمريكا ليست جادة فى محاربة الإرهاب، وإنما هذه الضربات الخفيفة، لم تكن إلا لأغراض دعائية لتبرئة ساحتها من دعم الإرهاب، لذلك فما إن تدخلت روسيا وبدأت بتوجيه الضربات الحقيقية ضد عصابات داعش حتى جن جنون الإدارة الأمريكية وحلفائها فى الناتو والدول الخليجية، ومعها وسائل إعلامها فى شن حملة إعلامية هستيرية ضد الضربات الروسية، مدعية أن روسيا لا تضرب القوات الإرهابية (داعش وجبهة النصرة وأحرار الشام)، بل تقتل المدنيين السوريين الأبرياء، والمعارضة المعتدلة، لإدامة حكم بشار الأسد، بينما الحقيقة تؤكد، وباعتراف القلة المنصفة من الإعلام الغربى قبل العربى، هو أنه لا توجد فى سوريا معارضة معتدلة.
***************
دونالد ترمب.. عدو الإسلام الجديد فى الحزب الجمهورى
وبالتدريج، أفلتت الأمور من أيديهم.. وانقلب سحرهم إليهم، فتم ضخ دماء جديدة فى الخطاب العنصرى المتجذر أصلا فى المجتمع الأمريكى، وتجددت عدوانيته ضد العرب المسلمين كما تجددت أيضاً ضد السود ذوى الأصول الإفريقية، وضد اللاجئين والناجين من الحروب الأمريكية فى أمريكا اللاتينية، ومع تلك الداء الجديدة بدأت أحدث وأشمل حملات الإقصاء والتشويه. ولا تصدق ما يردده بعض المسئولين الرسميين، عن استيائهم ورفضهم للتصريحات العنصرية المتسارعة على لسان عدد من المرشحين للانتخابات الرئاسية. وبغير الارتياب لا يمكن التعامل مع تحذير أوباما (أو غيره) من التمادى فى الخطاب المناهض للمسلمين والدين الإسلامى ونزعات التعميم الضارة.
تابع، مثلاً، ردود الأفعال على تصريحات دونالد ترمب، أبرز مرشحى الحزب الجمهورى، فى كل وسائل الإعلام التى طالب فيها الحكومة الأمريكية بـ«فرض حظر فورى على سفر وهجرة المسلمين للأراضى الأمريكية،» وبـ«إعداد قوائم وبيانات تخص المسلمين المقيمين فى أمريكا تمهيدا لاحتجازهم وترحيلهم»، إضافة إلى مطالبته الدائمة بعمل المثل ضد المهاجرين واللاجئين القادمين من دول أمريكا اللاتينية.
مسئولو الأمن المحليون، فى المدن والريف الأمريكى المتعددة، حثوا مواطنيهم على التسلح وإشهار الأسلحة فى الأماكن العامة، مما أدى إلى ارتفاع حاد فى مبيعات الأسلحة الشخصية فى عموم الولايات الأمريكية، ولم يجد ترمب من يطالب بإقصائه عن الانتخابات أو منعه من الترشح، كما لن تجد من يتخذ مواقف واضحة ضد مواقفه وآرائه العنصرية، وكلهم اكتفوا ببضع تصريحات بعضها عالى النبرة والحدة، مثل ليندسى جراهام الذى طالبه بالذهاب إلى الجحيم، بينما أشارت استطلاعات متعددة للرأى ثبات نسبة مؤيديه بين صفوف الحزب الجمهورى، بل ارتفعت. وفى أحدث استطلاع تم إجراؤه فى ولاية كاليفورنيا أعربت الأغلبية عن تأييدها ترمب بنسبة 52% مقابل 48% يعارضونه، ولايزال ترمب ينتشى ويزهو بين صفوف الناخبين فى طول وعرض الولايات المتحدة، ويستنهض الكامن من مشاعر الحقد والكراهية ويفرضها على الخطاب السياسى العام.
واللافت للنظر والأكثر أهمية فى الاستطلاع المذكور هو أن ولاية كاليفورنيا تعد من أبرز الولايات اعتدالاً وسوية، وعادة ما تعطى أصواتها لمرشح الحزب الديمقراطى، وعند احتساب مشاعر الريبة والخوف بين صفوف الأقليات، فقد ترتفع نسبة تأييد ترمب إلى 59% مقابل 43% يعتبرون الديانة الإسلامية تحرض على العنف.
كذلك أظهر استبيان أجرته وكالة أسوشيتد برس مؤخراً ارتفاع مشاعر الكراهية ضد عموم المهاجرين من منطقة الشرق الأوسط، وفق التصنيفات المعتمدة، قبل تصريحات ترمب، إذ أعرب نحو 54% من الأمريكيين الذين تم استطلاع آرائهم عن ضيقهم من سياسة الحكومة الأمريكية واستقبالها لأعداد متزايدة من مواطنى مناطق ساخنة، والنسبة ارتفعت إلى نحو70% بين صفوف مناصرى الحزب الجمهورى؛ ونحو 30% من مؤيدى الحزب الديمقراطى. الأمر الذى أجبر النائب العام الأمريكى لوريتا لينش على التحذير من «ارتفاع مقلق جدا فى الخطاب المعادى للمسلمين».
«لينش» أرادت تهدئة وطمأنة «الجالية الإسلامية» فى حفل عشاء استضافته بعض الوجوه الإسلامية البارزة مشددة على أن «رسالتنا ليست موجهة للجالية الإسلامية فحسب، بل لكافة صفوف الشعب الأمريكى بأنه لا ينبغى علينا الاستسلام والإذعان لمشاعر الفزع والذعر» الناجمة عن أعمال العنف، وطمأنت الحضور بثبات التزام الحكومة الأمريكية بحقوق الأفراد فى ممارسة شعائرهم ومعتقداتهم الدينية، كما نصت عليه مادة التعديل الأولى من الدستور الأمريكى، وأن ما يجرى من ممارسات وتصريحات إقصائية «لا يمثل القيم الأمريكية».
ودعك من كون المفردات التى يرددها أو يكررها ترمب تثير الاضطرابات وتمهد للفتنة والانقسام، وركز أو توقف عند أن ما يفكر فيه وهو يقولها إنه يخدم حملته الانتخابية؛ ولاحظ كذلك بروز اليمين المتشدد فى فرنسا الذى يمكن اعتباره تتويجا أو ذروة لمناخ الكراهية ضد المسلمين والمهاجرين.
ترمب دافع بجرأة قاربت الوقاحة عن أفكاره بالاستناد إلى إجراءات «مماثلة» أقدم عليها عدد من الرؤساء الأمريكيين وقت احتدام الصراعات الدولية، وعقد مقارنات بين موقفه وموقف الرئيس فرانكلين روزفلت خلال الحرب العالمية الثانية والذى فتح معسكرات الاعتقال للمواطنين الأمريكيين من أصول يابانية وآخرين من أصول ألمانية وإيطالية.
والإشارة هنا مهمة إلى إجراءات مماثلة اتخذها الرئيس الأسبق جيمى كارتر عقب احتجاز رهائن من الدبلوماسيين الأمريكيين فى طهران، منع بموجبها دخول أى فرد من أصول إيرانية إلى الولايات المتحدة إلا إذا أثبت معارضته لنظام الخمينى آنذاك أو لضرورات إنسانية قصوى!
برر ترمب تصريحاته بقوله لشبكة (سى.إن.إن) إن سياسته المقترحة سببها معالجة أوضاع مؤقتة ولن تستمر بعد توصل ممثلى البلاد إلى حل لما هم فيه وللجحيم الذى قد يعيشون فيه محذراً من أن الفشل فى التوصل إلى حلول مُرضية سيكون ثمنه «مزيد من الهجمات المماثلة لما حدث فى الحادى عشر من سبتمبر، ربما تفوق بشاعة الهجمات على ما حدث لبرجى مركز التجارة العالمى».
اللافت أيضاً، هو أن ترمب بتصريحاته استطاع استقطاب غالبية وسائل الإعلام، الرئيسية والهامشية على السواء، وكلها وفرت له مجانا الفرصة لمخاطبة قطاعات واسعة من مؤيديه ومريديه، الذين يميلون بالفطرة لانتهاج وسائل وردود فعل متشددة.
كما استطاع ترمب بخطابه ومفرداته المباشرة البعيدة تماما عن الدبلوماسية استغلال مخاوف العامة والسياسيين من تفاقم فشل سياسة الرئيس أوباما، بعضهم من الحزب الديمقراطى، وكذلك النفخ باتجاه إرسال مزيد من القوات العسكرية الأمريكية للقتال مباشرة فى سوريا، إذ أشار استطلاع حديث لشبكة (سى.إن.إن) إلى أن 53% من الأمريكيين يؤيدون الانخراط العسكرى فى سوريا، بينما أوضح الاستطلاع أن نحو 68% من الأمريكيين يعارضون سياسة الرئيس أوباما فى مكافحة الإرهاب واعتبروها «ليست عدوانية بما فيه الكفاية»!
ترمب فى نظر المعجبين والمؤيدين والصامتين يعبر عن طموحاتهم ومشاعرهم لسياسة الولايات المتحدة وينفرد بين جميع أقرانه ومنافسيه ببلورة معالم السياسة المرجوّة. إضافة إلى أنه لا يكف عن استغلال رغبة مؤكدة بأن القتال والحروب يجب أن يتم خوضها بعيدا عن الأراضى الأمريكية. ولا نبالغ لو قلنا إن الأمريكيين بشكل عام يضعون ثقتهم فى السياسة التى يروج لها ترمب فى هذا الصدد، ولا يضيرهم تكثيف الجهود والموارد العسكرية لخوض المعارك العسكرية فى كل دول منطقة الشرق الأوسط وغيرها شريطة ألا يطال الشارع الأمريكى نصيب منها!
واستعاد الصراع ذروته للحد من انتشار الأسلحة بين القوى الليبرالية والاجتماعية المهمشة، من جهة، والشركات والكيانات الاقتصادية الكبرى من جهة أخرى، خاصة العاملة منها فى صناعة الأسلحة، والتى استندت إلى الدستور الأمريكى ومادة تعديله الثانية التى تتيح للأفراد اقتناء السلاح الشخصى للدفاع عن النفس، كما لجأت القوى الاجتماعية الصاعدة والمعادية للحروب الأمريكية إلى اقتناء السلاح «المسموح به دستوريا» للدفاع عن النفس، ضد تغول الأجهزة الأمنية والشرطة تحديدا التى لا تزال تضطهد وتقتحم الأحياء الشعبية والمهمشة اقتصاديا، بحجة فرض الأمن!
الأسلحة الأمريكية فى الشوارع
وأصبح الصراع فى اللحظة الراهنة يدور بين صفوف القوى المتنفذة فى المؤسسة الحاكمة، والتى تجتهد لإبعاد مصطلح «الإرهاب» عن أى عمل معاد مصدره عنصر «أبيض»، ولم يعد مستساغاً فى الزمن الحالى أن تستخدم تعبيرات من عينة اليمين واليسار، فكان الحل هو التصنيف على أساس آخر وأعدت الأجهزة الأمنية، خاصة مكتب التحقيقات الفيدرالى، قوائم بالمعارضين السياسيين وشددت الرقابة عليهم وتتبعت تحركاتهم ونشاطاتهم بدقة وكثافة، ووفرت الفرص لاغتيال البعض منهم منعاً لتكرار تجارب مؤلمة فى التاريخ القريب، بما أفرزته من تشققات اجتماعية واقتصادية واسعة، وعمقت الهوة بين شريحة الأغنياء والطبقة الوسطى المتحالفة مع شريحة المهمشين، وهكذا، علت نبرة الخطاب الإقصائى وتعالت المطالب الرسمية «بتحديث» قوائم وبيانات الأفراد والشخصيات الخاضعين للمراقبة والمدرجين على قوائم «الممنوعين من السفر» بالطائرة، داخلياً وخارجياً.
وكانت أبرز ملامح ذلك هو ما جاء على لسان الرئيس أوباما نفسه فى خطاب طالب فيه السلطة التشريعية، بمجلسيها فى الكونجرس، باستصدار قرار جديد يحرم كل من هو مدرج على لائحة الممنوعين من السفر من شراء الأسلحة الشخصية.
ولعل التدقيق فيما هو متوفر من معلومات بالأسماء المدرجة على القائمة التى تزداد طولا وكثافة، منذ بدأت فى عهد الرئيس السابق جورج بوش الابن، تثير السخرية والغضب فى آن واحد، لأنك ستجد بعض من تم إدراج أسمائهم كانوا أعضاء فى مجلس الشيوخ الأمريكى ومن معارضى سياسات الإدارة الأمريكية، مثل السيناتور إدوارد كنيدى، ومن باب السخرية أيضاً ضمت القائمة أطفالاً لا تتعدى أعمارهم بضعة أشهر.
وبهذا الشكل، أصبح مكتب التحقيقات الفيدرالى هو الهيئة الرسمية المعنية بإجراءات التحقق من أحقية صاحب الطلب فى اقتناء السلاح، والغريب أن سجلات الجهاز شهدت ازدياداً هائلاً على طلبات اقتناء السلاح تجاوزت المليونين خلال شهر نوفمبر وحده، وفى يوم 27 نوفمبر مثلا تلقى مكتب التحقيقات الفيدرالى 185.345 طلباً ووصل معدل بيع الأسلحة إلى قطعتين فى كل ثانية، وهو ما تقول الإحصائيات إنه أعلى مستوى فى تاريخ سجلات المكتب منذ إنشائه!
ومع زيادة الطلب، زادت أيضاً معدلات التسجيل فى دورات تدريبية على استخدام السلاح، بما يشير إلى انضمام أفراد لأول مرة لفئة المسلحين؛ وهو ما تأكد أيضاً بتصريحات بعض رجال الأمن المحلى الداعية إلى أن يحمل المواطنون سلاحهم فى العلن!
****************
تجنيد الإعلام لتركيع العالم تحت قدمى أمريكا
صراع الإرادات بين الأجهزة المخابراتية والأمنية وصناع القرار السياسى ليس وليد اللحظة بل يعود إلى وقت سابق، وفقا للنظام السياسى الأمريكى وضوابطه المتعارف عليها.
ومن غير المرجح أن يطرأ أى تعديل جوهرى على التوجه الراهن، فيما يخص «الحرب على الإرهاب،» وإلى أن ينتهى موسم الانتخابات الرئاسية، خاصة أن المرشحة الأقوى عن الحزب الديمقراطى، هيلارى كلينتون، مرتبطة عضويا بسياسات الرئيس أوباما فى الشرق الأوسط، وتسعى إلى تفادى أى انتقادات تمس جوهر السياسة خلال السباق الرئاسى.
وفى العرف الأمريكى، ما تكاد انتقادات الأجهزة المخابراتية والأمنية تظهر حتى تتلاشى وتختفى سريعاً لـ«اعتبارات الأمن القومى»، وعليه، فمن المستبعد السماح لمرشحى الرئاسة من الحزبين بالتطاول على المؤسسة بكافة ألوانها، خاصة القيادة المركزية، التى تتلقى الأوامر مباشرة من البيت الأبيض، وبالتالى يكون مستبعداً أن تلقى أى اعتراضات آذاناً صاغية حتى تختفى!
واللافت أيضاً، هو أن وسائل الإعلام لا تتوقف كثيراً، بل قل إنها تتوقف نادراً أمام انتهاكات الشرطة الأمريكية وتدخل الإدارة المركزية بشكل مباشرة لإخماد أية احتجاجات أو مظاهرات متعددة فى مدن كبرى مختلفة، بينها ولايات متشيجان وفلوريدا وكاليفورنيا، إلى جانب مراكز الصراع المتواصل مع أجهزة الشرطة، وأعرب عدد من القيادات الشابة بين المتظاهرين عن قلقهم من استغلال الدولة أجواء الاحتقان ذريعة للتدخل العسكرى المباشر بحجة إجراء التدريب والمناورات.
وقد لا أحتاج إلى تذكيرك بأننا ذكرنا فى مقالات سابقة، أن هناك دراسات موثقة، ومن داخل المؤسسات البحثية الأمريكية، تؤكد أن العالم دخل مرحلة جديدة فى شن الحروب وإخضاع الحكومات إلى النفوذ الأمريكى، وذلك عن طريق الإرهاب والإعلام والحرب النفسية، وأننا نشهد عصراً جديداً من الحروب يجرى فيها استخدام الإرهاب والإعلام، ونشر الإشاعات والعمل على تدمير النسيج الاجتماعى وثقافة وقيم المجتمع الذى يراد إخضاعه، وهى حرب تقوم على تكتيكين رئيسيين، الأول: الدقة فى تقسيم الأدوار؛ فهناك من يدعو إلى العنف ولا يتحمل مسئوليته، وهناك من ينفذ العنف، وطرف ثالث يبرر العنف، وآخر يدّعى الحياد ويمارس المراوغة إلى حين، ثم يمارس الانحياز الذى يمثله، وهناك نخب فكرية وحقوقية وحسابات إلكترونية تصطنع العقلانية والاتزان وتتاجر بالشعارات والمثاليات وتناقش الجزئيات والهوامش على حساب الجوهر والمتن، وكل طابور يؤدى دوراً مدروساً بعناية، ويتحرك فى توقيت دقيق، وهدفهم الحقيقى خدمة الطرف الذى يعمل لحسابه وإمداده بغطاء شرعى وتشتيت الرأى العام وتفريق الإجماع الوطنى من أجل حصد أكبر قدر من المكاسب، أما التكتيك الثانى، فهو نشر (الفوضى) بكل صورها فى مجريات الأحداث داخل هذه الدول؛ لإفقاد المواطن الثقة بأجهزة الدولة والتشكيك فى مصادر معلوماتها وإجراءاتها، وهذه هى الخطوة الأولى والفاعلة (لتفكيك الدولة) لأنها تحقق الهزيمة النفسية للشعوب وتقود إلى باقى الهزائم.


التعليقات