ياسر بركات يكتب عن : تركيع «السيسى»!

- هيرتزيليا.. كماشة الدولار فى تل أبيب
- تأسيس مراكز تجميع العملة الصعبة فى لندن والكويت وقطر
- ضغوط أباطرة تسقيع الأراضى فى عهد مبارك
يستطيع كل من له عينان أن يرى بوضوح أن مصر تتعرض لمؤامرة اقتصادية خططت لها وتديرها دول وجهات خارجية ويشارك فى تنفيذها، داخلياً، شخصيات وكيانات وجهات متعددة.
ويمكن لكل ذى عقل أن يربط بسهولة بين تفجير العديد من الأزمات الداخلية وإظهارها على السطح، وبين المخطط الذى يستهدف حصار مصر اقتصادياً، بل وتدمير الاقتصاد وتخريبه.
آليات تنفيذ المخطط لها عدة مستويات والمشاركون فيه لهم أدواتهم الخاصة ولديهم وسائل إعلام تعمل من الداخل والخارج وينفقون عليها ملايين الدولارات.. وبينهم أيضاً رجال أعمال وشركات تعمل فى السوق المصرى، وعدد من كبار تجار العملة والمسيطرون على سوق الصرف السوداء.
أحد مستويات هذا المخطط بدأ بسحب الدولار من السوق المحلى، ومع زيادة فاتورة الاستيراد والتزام مصر بسداد التزاماتها الدولية، وتراجع عائدات السياحة وانخفاض تحويلات المصريين فى الخارج، كان من الطبيعى أن يسجل سعر صرف الدولار مقابل الجنيه المصرى ارتفاعات قياسية، وهو ما سبقه عدد من الأحداث التى استهدفت ضرب السياحة، بدءاً من حادث الطائرة الروسية وليس انتهاء بمقتل الطالب الإيطالى جوليو ريجينى.
وبالتزامن، تم تهريب سلع إلى السوق المحلى عبر شركات تعمل فى التهريب، لتفريغ السوق من العملة الصعبة، ودفع المواطنين إلى عدم الإنفاق والحفاظ على السيولة، بدعوى أن الأيام المقبلة سوف تشهد مزيداً من الأزمات، وهو ما يهدف إلى إصابة السوق بالركود واغتيال قطاع التجزئة.
أضف إلى ذلك الإنفاق ببذخ على وسائل إعلام عالمية لإبعاد المستثمرين عن مصر بدعوى سوء الأحوال الأمنية، وضرب السياحة الوافدة إلى مصر باعتبارها أحد الموارد الاقتصادية المهمة فى البلاد.
والمخطط لا يحكمه فقط عملية سياسية، بل هناك جهات وأشخاص انتهزوا الفرصة ووجدوها فرصه للإثراء السريع باستغلال الأزمات الاقتصادية وعلى رأسهم كل المتربحين من الأنظمة السابقة.
المتآمرون على مصر وجدوا فى الجانب اﻻقتصادى بيئة خصبة لممارسة الضغوط وانضم إليهم رجال أعمال مصريون وعرب وأجانب، اعتقدوا أن الفرصة جاءتهم على طبق من ذهب ليقوموا بالضغط على الرئيس كى يخضع لمطالبهم ويحصلوا على المزايا والامتيازات التى كانوا يحصلون عليها قبل ذلك. ونشير هنا إلى أن حجم أعمال بعضهم كان قد تجاوز 70% من إجمالى مشروعات التنمية فى الدولة.. وأن تلك النسبة انخفضت إلى أقل من 30% فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى!
والإشارة هنا واجبة إلى أن الاستعانة بالمؤسسة العسكرية فى مواجهة الأزمة الاقتصادية، كانت ضرورية أو حتمية، نظراً لطبيعة السوق المصرية واختفاء دور القطاعين العام والتعاونى لحساب القطاع الخاص، الأمر الذى فرض قيام المؤسسة العسكرية بدور «الموازن» فى السوق.
هذا الدور الذى كان له، دون شك، عائد إيجابى على الدولة وعلى المواطنين.. وأغضب عدداً من رجال الأعمال ورأوا فيه تهديداً لممارساتهم الاقتصادية القائمة فى غالبيتها على الاحتكارية!
وما من شك فى أن الدول والجهات ورجال الأعمال الذين يتآمرون على مصر، وأعلنوا الحرب عليها طيلة الفترة الماضية، نجحوا فى دراسة الوضع اﻻقتصادى بدقة، وتبين لهم أن البيئة اﻻقتصادية خصبة وتتميز بالضعف العام واستغلوا توقف المساعدات والدعم العربى لمصر، بسبب الحروب الإقليمية وانخفاض أسعار النفط عالمياً. كما استغلوا تراجع اﻻحتياطى النقدى من الدوﻻر الأمريكى، بسبب نقص الإيرادات العامة وتراجع عائدات السياحة وانخفاض تحويلات المصريين فى الخارج، مقابل ارتفاع فاتورة استيراد السلع الضرورية، وكذلك استحقاق أقساط ديون سندات دولية بقمية 1.52 مليار دوﻻر أمريكى، وبدأوا المضاربة عليه فى السوق السوداء والمتاجرة فى سوق الصرف والضغط على الدولة بعد تراجع احتياطى النقد الأجنبى إلى مستوى 16 مليار دوﻻر.
ولا يخفى على أحد أن عدداً من رجال الأعمال تعمدوا الإضرار بالاقتصاد المصرى من خلال قيامهم بسحب استثماراتهم ومشروعاتهم من مصر وتهريب أموالهم إلى الخارج، فى محاولة منهم لعرقلة النظام الحاكم بعد الإطاحة بالرئيس المعزول وجماعته من سدة الحكم، إضافة إلى استغلال بعض ضعاف الأنفس الأزمات الاقتصادية لصالحهم.
ومما يؤسف له هو أن هناك رجال أعمال وشركات تعمل لصالح قطر التى لا تزال تقاتل من أجل تنظيم الإخوان، بل وهناك مستثمرون يعملون فى مصر بمنتهى الوضوح لحساب (وبأموال) قطر وتركيا! ولم يكن هؤلاء سوى واجهة تنفذ المخططات القطرية والتركية فى مصر، وبالتالى كان القرار من هذه الدول بسحب هذه الاستثمارات بهدف ممارسة الضغوط على الاقتصاد المصرى.
كما أن مؤسسات وجهات التصنيف الدولية، ليست بعيدة عن المشاركة فى مخطط ضرب الاقتصاد المصرى، فبمجرد أن يصدر تقرير إيجابى فى الصباح، سرعان ما تصدر نفس الوكالة تقريراً آخر سلبياً فى المساء!
مع الوضع فى الاعتبار أن غالبية وكالات التصنيف الائتمانى لا تستند إلى معايير عادلة فى تقييمها تجاه مصر، وبعض هذه الوكالات على وشك إعلان إفلاس مصر، رغم أن الواقع والنظريات الاقتصادية، تؤكد أن الأوضاع فى مصر تتجه إلى الاستقرار والتحسن بشهادة البنك الدولى وصندوق النقد الدولى!
وعلينا أن نضع عشرات الخطوط الحمراء تحت ذلك الاجتماع الذى انعقد فى العاصمة الإسرائيلية «تل أبيب» وناقش الأوضاع الاقتصادية التى تمر بها مصر وسوريا وليبيا والمنطقة العربية بأكملها وما تشهده من تدهور فى الأوضاع الاقتصادية والأمنية والمستجدات التى طرأت على المنطقة بعد 30 يونيو وإسقاط نظام الإخوان فى مصر، وهو الاجتماع الذى تولى تنظيمه مركز «هيرتزيليا»، وهو مركز إسرائيلى أوروبى للدراسات السياسية والاستراتيجية والاقتصادية.
وأبرز ما يلفت النظر أن رجال الأعمال الذين حضروا الاجتماع يمتلكون رءوس أموال ضخمة ويسيطرون على الشركات والمشاريع الاقتصادية فى عدد من الدول العربية ودول حوض النيل، وكلهم تقريباً يحملون جنسيات أخرى غير الجنسية الأصلية، أما رجال الأعمال الأوروبيون والإسرائيليون والأمريكيون، فمن كبار القيادات الاقتصادية المعروفة باهتمامها بالاقتصاد العربى وغالبيتهم لهم استثمارات فى المنطقة، سواء بشكل مباشر أو عبر وسطاء.
وبين العناوين المهمة التى تناولها الاجتماع، المخاطر التى تواجه إسرائيل، بعد سقوط عدد من الجماعات والتنظيمات الحليفة، وصعود أنظمة حاكمة لا تروق للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.
تناول الاجتماع بشكل تفصيلى الأزمات الاقتصادية التى تمر بها مصر، وكيفية استغلال سوء الأوضاع الاقتصادية والسياسية للضغط على مصر حتى تستجيب للسياسات المتفق عليها بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وتركيا وقطر، وشدد المجتمعون على ضرورة شراء احتياطى مصر من البترول والغاز الطبيعى، والتعاقد مع الشركات التى سبق أن وقعت عقوداً مع مصر والدخول معها فى مفاوضات وتحالفات تستهدف دفع تلك الشركات إلى عدم تنفيذ التزاماتها تجاه مصر. وبالفعل، تم الاتفاق على عدد من الصفقات والتحالفات الاقتصادية مع رجال أعمال أفارقة يعملون فى دول شرق إفريقيا ودول حوض النيل كالسودان وإثيوبيا وأوغندا لعرقلة الخطوات الإصلاحية التى تقوم بها مصر. كما اتفق المشاركون فى ذلك الاجتماع على التوسع فى الاستثمار بدول الخليج العربى كالإمارات والكويت والسعودية، حتى تتمكن فيما بعد من السيطرة على دعمها لمصر!
************************
2
قرض الصندوق
فى ذلك الوقت، كانت الدولة تبحث عن مصدر آخر لدعم اﻻحتياطى من الدولار، بالحصول على قرض من صندوق النقد الدولى الذى تبلغ مساهمة مصر فيه 5.2 مليار دوﻻر، ويحق لها الحصول على قرض فى حدود تلك القيمة، لكن الصندوق كانت له بعض الشروط منها مرونة سعر صرف الجنيه مقابل الدوﻻر والقضاء على السوق السوداء، والإلغاء التدريجى لدعم الطاقة، وهنا وجد المتآمرون أنه الوقت الأنسب لضرب الاقتصاد المصرى، فكانت بداية المستوى الذى أشرنا إليه وهو المضاربة على الدوﻻر ليرتفع أمام الجنيه لأرقام لم يصل إليها من قبل، كان الهدف منها ارتفاع أسعار جميع السلع بما فيها السلع اليومية الضرورية، لتحدث موجة كبيرة من ارتفاع الأسعار وتتأجج الناس وتتهيأ للإثارة أو لثورة جياع، وهو المخطط الذى تم اللجوء إليه بعد أن نجحنا فى إفشال مخططات التخريب. وضع فى اعتبارك أننا نستورد كل شىء تقريباً، بما يعنى أن ارتفاع الدولار أمام الجنية قد يُحدث كارثة فى الأسعار.
ونشير هنا إلى أن الأجهزة الرقابية رصدت 83 مليار جنيه من أرصدة الإخوان بالخارج، بعد اعتبارها منظمة إرهابية، وأن لجنة حصر وإدارة أموال الجماعة تمكنت من التحفظ على 154 مليوناً و758.000 فقط، الأمر الذى يفسر إنفاقهم ببذخ على سيناريوهات الفوضى، وجعل مؤامرات الإخوان ضد الوطن تمضى فى طريقها، وعلى رأسها إشعال أزمة الدولار، من خلال المراهنة على العملة المصرية وإضعاف قيمتها إلى مستويات غير مسبوقة بالسيطرة على تحويلات المصريين فى الخارج، من خلال تأسيس عدة مراكز لتجميع الدولار فى لندن والكويت والإمارات إضافة إلى مركز قطر الذى يمكن اعتباره المركز الرئيسى، الذى يعتمد عليه التنظيم الإرهابى فى شراء العملة الصعبة من المصريين فى دول الخليج التى يوجد بها أكبر عدد من المصريين، وهو ما يتم عبر إقناعهم بعدم التحويل عبر الوسائل الرسمية التى تخضع لرقابة البنك المركزى، وشراء العملات بأسعار تفوق قيمتها الحقيقية والاتصال بوسطائهم وإعطائهم رقم حساب العميل فى القاهرة بالجنيه المصرى لإيداع المبلغ المعادل لقيمة ما تحصل عليه من العملة الأجنبية، وعقب وضع المبلغ ضمن حسابه البنكى، يتسلم مندوب التنظيم العملة الأجنبية الصعبة. وهكذا فقدنا نسبة كبيرة من الـ20 مليار دولار التى كان يتم تحويلها سنوياً من خلال المصريين فى الخارج، الذين بلغ حجم تحويلاتهم بالخارج من العملة الصعبة نحو 20 مليار دولار نهاية العام المالى الماضى 2014-2015، خاصة أن التنظيم يستهدف من المضاربة على قيمة الجنيه الوصول بسعر الدولار فى السوق السوداء إلى ما يعادل 15 جنيهاً مصرياً خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، وخلق موجة تضخم كبيرة على مستوى الأسعار، خاصة أسعار السلع الغذائية والدوائية، بما يدفع إلى حالة من السخط العام. وهو الهدف الذى يسعى التنظيم جاهداً لتحقيقه بتوسيع شبكات المضاربة فى عدة عواصم عربية وأوروبية، من أجل رفع الطلب على الدولار، بما يفوق الحاجة الفعلية له، وبالتالى رفع سعر صرفه، بهدف ضرب الاقتصاد وإشاعة الفوضى.
وقد لا نكشف سراً لو قلنا إن أطراف المؤامرة نجحوا فى إنشاء جهاز إعلامى يروج ويشارك فى تنفيذ مشروعهم ومخططهم لضرب الاقتصاد المصرى، مستغلاً فى ذلك 10 أزمات موجودة بالفعل منذ عشرات السنين، أبرزها الفقر وأزمة السكن وتكلفة الزواج والفواتير الشهرية، وارتفاع الأسعار وتكلفة الدروس الخصوصية وتكلفة العلاج وارتفاع تكلفة المواصلات والانتقالات وانتشار البلطجة وعدم الاستقرار وقضية هيكلة الدعم، والقائمة تضم الكثير من الأدوات الإعلامية التى تشارك فى تأجيج الشارع المصرى، وتستغل عدم ثقافة المواطن البسيط وتوجهه إلى الأزمات التى هى بالفعل موجودة ولم تكن وليدة اليوم أو تظهر فجأة، وهو ما يعنى أن تناولها ليلاً ونهاراً فى بعض وسائل الإعلام، يؤكد أن هناك نوايا سيئة من الحديث المستمر عنها، خصوصاً أن من يشاركون فى التآمر على مصر يستغلون عدم ثقافة الشارع المصرى ويقدمون له أكاذيب على أنها حقائق لا تقبل المناقشة.
وسائل الإعلام المشبوهة لا تتحدث فقط عن أزمة عجز الموازنة. لكنها تتطرق دائماً إلى الحديث عن أزمة الدولار وارتفاع الأسعار وتحميل الحكومة مسئولية ذلك بشكل مباشر، دون الحديث عن الأسباب التى أدت إلى ذلك ودون التطرق إلى الإجراءات التى تتخذها الحكومة لضبط الأسعار أو سوق الصرف.
ولا نبالغ لو قلنا إن الإعلام إحدى أهم أدوات ضرب السياحة المصرية، والجهاز الإعلامى الذى يستخدمه المعارضون لمصر قوى فى الخارج، ويحاولون إظهار مصر على أنها دولة غير مستقرة وغير آمنة والاستثمار فيها يعنى مغامرة غير محسوبة. أضف إلى ذلك أن عدم ثقافة المواطنين البسطاء وعدم درايتهم بالأمور دراية كاملة تسبب فى تفاقم الأزمات، حيث إن عدم معرفتهم بمعنى عجز الموازنة والتضخم وغيرها من الأزمات، يجعل المتربصين ينجحون فى إقناعهم وتهويل الأمر أمامهم بأن هناك كوارث وشيكة سوف تحدث، والنغمة الاقتصادية هى المصطلح الأكثر استخداماً فى استغلال الأزمات.
قائمة المنتفعين من الداخل يأتى على رأسها كما قلنا أسماء بعض رجال أعمال النظام الأسبق، الذين فقدوا كثيراً من الامتيازات التى كانوا يحصلون عليها، ونضيف إليهم جهات وشركات تعمل لحساب دول أخرى فى المنطقة أو خارجها، وتمولها هذه الدول، وتعمل على زيادة الأزمات، فى إطار تنفيذ المخطط الهادف إلى تركيع مصر اقتصادياً.
رجال الأعمال الذين نهبوا أموال وثروات الشعب يعتقدون أنهم قادرون على إحراج النظام الحالى باستخدام تلك الأموال وبما لديهم من وسائل يمكنها إحداث بلبلة فى الشارع، كالصحف والقنوات التليفزيونية المملوكة لهم وكذا شبكات المصالح السياسية والمالية، المرتبطة بهم!
ولعلنا نلاحظ أن نظام الرئيس السيسى يتعامل مع رجال الأعمال باعتبارهم أمراً واقعاً يجب الاستفادة منه بأى شكل أو على الأقل تقليل الأضرار التى قد تنتج عنهم إلى أقل درجة ممكنة، خاصة أن أمام الرئيس تلالاً من الأولويات، تجعل ملف رجال الأعمال يتراجع أو يتم تأجيل البت فيه!
أما الاختبار الحقيقى للنظام، فهو قدرته على تنفيذ القانون.
صحيح أنه لا توجد عصا سحرية يمكنها أن تقوم بتفعيل القانون بسبب التجريف الذى حدث طوال 40 سنة على الأقل لكن تنفيذ القانون، سيتحقق عندما تكون هناك شفافية ويصبح لدينا معايير للأداء فى كل مؤسسات الدولة.
والحذر أيضاً واجب من تزاوج السياسة بالاقتصاد وعودة نفوذ رجال الأعمال وتزايد تأثيرهم على القرار السياسى، خاصة مع الانتخابات البرلمانية التى كان قد أعلن عدد من رجال الأعمال مشاركتهم فيها سواء بشكل مباشر أو بدفع ممثلين عنهم بصيغ مختلفة.
وعلينا الحذر أيضاً من أن تفادى تزاوج السلطة بالمال لن يتحقق إلا بالوعى والإعلام.. وبالتالى لك أن تتخيل حجم الكارثة لو ظلت وسائل الإعلام تحت سيطرة رجال أعمال بعينهم!
*************************
3
حرب رجال الأعمال
المعارك بين مؤسسة الرئاسة وكتلة رجال الأعمال، كانت متوقّعة منذ البداية. وظهرت لعبة عض الأصابع أو حالة الشد والجذب بين الجانبين فى مناسبات عديدة، ويستطيع المتابع بسهولة أن يرصد دخول عدد من وسائل الإعلام على خط المواجهة بين الجانبين، وليس صعباً الوصول أو معرفة قدر تشابكات مصالح عدد من تلك الوسائل مع كلا الجانبين. وغير الحفاظ على المشروعات والاستثمارات، يحاول رجال الأعمال أيضاً مساومة النظام السياسى على تحقيق مطالبهم وغالباً ما تصطدم هذه المطالب بتردى الأوضاع الاقتصادية.
إن عدداً كبيراً لم تكن مشروعاته ستحقق أى نجاح إلا بالمشاركة مع نظام فاسد ضرب الفساد كل مؤسساته، فحصلوا على تسهيلات من كل مؤسسات الدولة، وتهربوا من الضرائب وحققوا أرباحاً خرافية نقلتهم سريعاً من نادى المليونيرات إلى نادى المليارديرات!
وهاهم يحاولون الآن أن يلعبوا دوراً داخل النظام السياسى الحالى، أو يحاولون التعايش مستخدمين وسائل إعلام ومنابر السياسة، يستخدمونها أحياناً للضغط على النظام مرة بغمزة خفيفة ومرة بتلميحات برفع السقف وأحياناً بما يشبه التهديد!
ولم يعد خافياً على أحد أن رجال أعمال «بعينهم» قلقون، من خطوات السيسى أو مشروعه الإصلاحى،، وبعضهم يشكون بوضوح من أنهم لم يعد بإمكانهم التأثير على السياسات الحكومية على خلاف ما كان عليه الحال فى الماضى.
وكلنا نتذكر بالطبع أن صفقات كثيرة، تمت فى عهد مبارك من تخصيص أراض وخصخصة شركات وكلها تمت بشكل مريب وبعيد كل البعد عن الشفافية ويخالف القانون أو بقوانين تم تفصيلها.
غير أن تحريك الدعاوى القضائية ضد بعض هذه الصفقات بعد 25 يناير، أثّر سلباً على الاستثمار لفترة، بشكل جعل من أداروا البلاد يعيدون النظر، وبدأ المجلس الأعلى للقوات المسلحة وقتها فى وضع إطار للتصالح مع رجال الأعمال وأصدر قراراً رقم 4 فى يناير 2012، الذى ركز على فكرة رد الأموال، وانقضاء الدعوى الجنائية بعد إتمام التصالح! وهو الوضع الذى أبقاه مجلس شعب الإخوان كما هو عليه.. بل وسعى للتصالح مع رجال أعمال عهد مبارك!
ولابد من النظر بكثير من الحرص والقلق إلى خطوة التصالح مع رجال الأعمال، والتى نراها محاولة لتقديم ضمانات وتطمينات حتى يعود رأس المال على حساب القانون وتعطيل الرقابة، غير أننا فى الوقت نفسه لابد من أن نضع نصب أعيننا أن هؤلاء يمتلكون قدراً كبيراً من الشبكات التى يدخل من خلالها رأس المال الأجنبى، مثل شركتى هيرمس ومجموعة القلعة والتى تضم صناديقها أموالاً من دول عربية عديدة!
ونخطئ لو تجاهلنا أن عدداً كبيراً من رجال الأعمال، كان لهم تأثير على القرار السياسى ومقربين من نظام مبارك، وأنهم حققوا مكاسب فلكية بسبب حصولهم بدون وجه حق على أراض كثيرة ولم ينفذوا المشروعات التى كان يجب أن يتم تنفيذها.
ونخطئ، أيضاً، لو اعتقدنا أن كل تلك الخطوط والخيوط لا تقود فى النهاية إلى الولايات المتحدة. تحديداً، إلى الوحدة المختصة بالشأن المصرى فى المخابرات المركزية الأمريكية، التى لا تعدم الخطط البديلة، والتى بدا وكأنها كانت مستعدة للتعامل مع فشل خطة السيطرة عبر الإخوان، بسيناريو بديل، يعتمد على إنتاج حالة من الارتباك السياسى تمكنها من إعادة طرح صيغة جديدة لفكرة الدولة الدينية بالصيغة نفسها التى نجحت فى تركيا، فى مرحلة ما بعد سقوط مشروع نجم الدين أربكان!
والبديل هذه المرة، هو تشكيل تحالف من أحزاب مدنية وحزب النور تسمح بأن تحتضن بداخلها عناصر الصف الثالث والرابع من قيادات تنظيم الإخوان، ومن خلال هذا التحالف يتم إعادة طرح مشروع الإسلام السياسى.. وهو بالضبط السيناريو الذى نجح فى تركيا بإنتاج «حزب العدالة والتنمية» بعد فشل مشروع «حزب الرفاة»!
وبالطبع ليست صدفة، أن يتزامن ذلك مع قيام البنك الدولى بإصدار دراسة زعم فيها أن «الربيع العربى» لم يحقق التغيير الذى طمح الناس إليه، وأن كثيراً من العوامل التى أثارت سخطهم، مازال الكثير منها قائماً، وعلى رأسها كما تزعم الدراسة شعور المواطنين بتراجع مستويات معيشتهم، والنقص فى الوظائف المتوافرة فى القطاع الرسمى، وجودة الخدمات العامة، وقابلية الحكومات للمساءلة.
الدراسة التى صدرت تحت عنوان «عدم المساواة، والثورات، والصراع فى العالم العربى» قالت إن المواطنين العاديين شعروا بالسخط، لكن الإحباط الأكبر كان من نصيب أبناء الطبقة المتوسطة.
وتناولت دراسة «البنك الدولى» أسباب نزول المواطنين إلى الشوارع فى عدد من الدول العربية للمطالبة بالتغيير، رغم أن الأداء الاقتصادى لبلادهم، بحسب ما تظهره الأرقام، كان يبدو «مشرقاً»!!.. وأضافت: «من منظور البيانات الاقتصادية وحدها، ما كان ينبغى أبداً أن تحدث ثورات الربيع العربى»، حيث حققت المنطقة تقدماً مطرداً نحو القضاء على الفقر المدقع، وزيادة معدلات الالتحاق بالتعليم، وخفض أعداد الجوعى ووفيات الأطفال، ومعدلات النمو الاقتصادى كانت معتدلة. إلا أن هناك اختلافا بين إدراك المواطنين لمستوى الرفاهية الذى يتمتعون به وبين ما تعكسه الأرقام والمؤشرات الاقتصادية.
فى عام 2000 تضيف الدراسة كان كثير من المصريين يرون مستوى معيشتهم أفضل مما تعكسه المؤشرات، بينما انقلب هذا الوضع فى 2008 رغم أن البيانات كانت تشير إلى أنهم صاروا أكثر رفاهية، فقد رأى كثيرون منهم أن أوضاعهم المعيشية تتراجع.. وبنهاية العقد الأول من الألفية كانت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا «الوحيدة فى العالم» التى شهدت تراجعاً حاداً فى الشعور بالرفاهية (الرضا عن مستوى المعيشة وجودة الحياة)، وكان التراجع أكثر قوة فى الدول التى شهدت لاحقاً الربيع العربى، خاصة مصر وتونس والعراق واليمن وسوريا.
وبين كل الدول التى أشارت إليها الدراسة، اختارت «مصر» بالذات، لتجعلها مثالاً أو نموذجاً، فذكرت أنها الدولة التى تراجع فيها تقييم الناس لمستوى معيشتهم من 5.5 على مقياس الرفاهية الشخصى فى عام 2007، إلى 4.4 فى عام 2010، وهو ما يعتبر تراجعاً كبيراً بالنظر إلى ما أظهرته الإحصاءات فى تلك الفترة من تحسن فى المؤشرات الاقتصادية الاجتماعية وفى متوسط دخل الفرد.
وكانت أكثر العوامل التى تساهم فى شعور الناس بعدم الرضا طبقاً لما قالت الدراسة أنه استطلاع لعينة ممثّلة هى عدم الرضا عن مستوى المعيشة أو «جودة الحياة»، والبطالة، و«الواسطة» التى عرفها التقرير بأنها عدم القدرة على التقدم فى العمل بدون علاقات. كما ظهر أيضا،ً تضيف دراسة البنك الدولى، عدم الرضا عن جودة الخدمات الحكومية، وزادت بدرجة كبيرة نسبة المعترضين على عدم توافر سكن بتكلفة يمكن تحملها، كما ارتفعت أيضاً نسب غير الراضين عن المواصلات العامة، وجودة الرعاية الصحية، وتوافر الوظائف الجيدة.
وأشار البنك الدولى فى دراسته إلى أن هذه العوامل نفسها هى التى أثرت وبشكل واضح على رضا الناس عن حياتهم فى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فى الفترة التالية لثورات الربيع العربى، زاعمة أن سخط المواطنين على أوضاعهم انعكس على علاقتهم بالدولة، والتى كان يحكمها فيما سبق عقد اجتماعى يقوم على توزيع جزء من الموارد العامة عليهم فى مقابل عدم تعبيرهم عن رأيهم فى السياسات العامة، وأن العمل بهذا العقد الاجتماعى القديم قد توقف بالنسبة للطبقات المتوسطة، التى أصبحت تريد التعبير عن رأيها والحصول أيضاً على فرص حقيقية.
هل ظهور هذه الدراسة فى هذا التوقيت صدفة؟!
أم يمكن النظر إليها باعتبارها حلقة أو خطوة فى خطة أكبر؟! أترك لكم محاولة الإجابة، حتى نحاول نحن فى العدد القادم.


التعليقات