ياسر بركات يكتب عن : عائلة «موزة» تشترى كرسى العرش بفلوس القطريين

فضيحة باريس أمام برشلونة
تكشف أخطر صفقات قطر فى أوروبا

العائلة الملكية تدفع رشاوى قيمتها 335 مليار دولار لتثبيت حكمها وغض الطرف عن استعبادها للشعب القطرى
* ناصر الخليفى دفع 80 مليون يورو لشراء «باريس سان جيرمان» الفرنسى
* رئيس الوزراء الأسبق حمد بن جاسم اشترى أكبر سلسلة متاجر فى إسبانيا.. وضخ 1.75 مليار يورو فى بنك دويتشه الألمانى
* «بى إن سبورت» الرياضية القطرية استحوذت على شركة ميراماكس للإنتاج السينمائى فى كاليفورنيا
* «الديلى ميل» تفضح الحكومة البريطانية وتنشر تفاصيل صفقة القرية الأوليمبية مع قطر
* استوديوهات فى هوليوود، ومكاتب فى نيويورك، وعقارات سكنية فى لندن، وشراء نادى كرة قدم فى إيطاليا.. كل ذلك بأموال الشعب القطرى!!
لاتزال توابع زلزال خسارة نادى باريس سان جيرمان الفرنسى الساحقة أمام برشلونة، مستمرة.
ومازالت الصحف الفرنسية تستخدم مفردات «إذلال» و«عار» و«غرق»، لوصف خسارته التاريخية 1-6 وإقصائه من الدور ثمن النهائى لدورى أبطال أوروبا.
وبين كل الانتقادات التى وجهتها الصحف الفرنسية، يعنينا تناول صحيفة «ليبيراسيون» التى توقفت عند المالكين القطريين للنادى، وقالت: «لا نتخيل أن ما حدث سيمر مرور الكرام فى الدوحة، فهذه الدولة استثمرت مئات الملايين فى النادى لإحراز دورى أبطال أوروبا»، فى إشارة إلى انتقال ملكية النادى سنة 2011 إلى «جهاز قطر للاستثمارات الرياضية».
وكان الجهاز قد اشترى 70٪ من أسهم النادى الباريسى مقابل 50 مليون يورو، قبل أن يشترى الـ30٪ المتبقية من الأسهم مقابل 30 مليون يورو.
يعنينا أن الفريق الكتالونى أحبط الجهاز القطرى، الذى كان يطمح إلى الفوز بلقب دورى الأبطال أو المنافسة عليه على أقل تقدير بحلول سنة 2017. ففى تصريحات سابقة، قال رئيس النادى، القطرى ناصر الخليفى سنة 2012 «نطمح إلى بلوغ دورى أبطال أوروبا فى كل عام ابتداء من هذا العام وحتى 2015، بعد ذلك نريد أن نلعب دوراً بارزاً فى البطولة الفرنسية».
وأضاف الخليفى حينها «بالطبع الجميع يحلم بالفوز بلقب البطولة المحلية لكن الأولوية بالنسبة لنا ستكون دورى أبطال أوروبا ابتداء من الموسم المقبل، وهذا يعنى أن نحتل أحد المراكز الثلاثة الأولى».
ورغم أن الإدارة القطرية أنقذت الفريق من الغرق مالياً، بعد أن بلغت خسائره 37 مليون دولار قبل موسم واحد من شرائها للنادى، إلا أن الفريق لم ينجح فى تحقيق أى نجاح طيلة المواسم السابقة، إذ كانت أفضل مرحلة بلغها هى الدور ربع النهائى.
وقبل النسخة الحالية، قام النادى الفرنسى باستقطاب المدرب الإسبانى أوناى إيمرى الفائز بثلاثة ألقاب متتالية لبطولة الدورى الأوروبى مع إشبيلية الإسبانى من أجل تحقيق لقب دورى الأبطال. كما أبرم الفريق الباريسى العديد من الصفقات المؤثرة وأنفق مبالغ طائلة، ونجح بالفعل بهزيمة برشلونة فى مباراة الذهاب بأربعة أهداف نظيفة لأول مرة فى تاريخه، ليصبح السؤال المطروح، هل أطلق برشلونة رصاصة الرحمة على المخططات القطرية فى باريس.
وكنت قبل أيام قرأت تقريراً فى «بلومبيرج» عن حجم الاستثمارات القطرية فى مختلف أنحاء العالم، بالتزامن مع استعادة الدويلة الصغيرة لشهيتها فى الاستثمار وعقد الصفقات من جديد، وقيام جهاز قطر للاستثمار بالمشاركة فى أكبر شركة لإنتاج الدواجن فى تركيا، وعملاقة النفط الروسية Rosneft PJSC، بالإضافة إلى شركة الغاز الوطنية فى بريطانيا.
وقد تصاب بقدر من الصدمة لو عرفت أن لتلك الدويلة أصولاً قيمتها 335 مليار دولار بمختلف دول العالم، وأن ممتلكات هيئة الاستثمار القطرية ومستثمرين قطريين آخرين، تتضمن ستوديوهات فى هوليوود، ومكاتب فى نيويورك، وعقارات سكنية فى لندن، وصولاً لمجال الأزياء وشراء نادى كرة قدم فى إيطاليا.
وتعد هيئة الاستثمار أيضاً هى أكبر مستثمر فى البورصة القطرية، وتملك أغلبية أسهم بنك قطر الوطنى، والذى يعد أكبر بنوك مجلس التعاون الخليجى، كما تستثمر الهيئة أيضاً فى شركة الاتصالات الكبرى أوريدو، والتى تعمل فى 12 دولة مختلفة، ويشغل منصب رئيس مجلس إدارتها عبدالله بن محمد بن سعود آل ثانى، والذى يشغل منصب الرئيس التنفيذى لجهاز قطر للاستثمار أيضاً.
وبحسب تقرير بلومبيرج، فدائماً ما كانت أوروبا مقصداً مهماً للأموال القطرية، إذ تستثمر الدويلة مليارات الدولارات فى مناطق مختلفة، من بينها صناعة السيارات فى ألمانيا، وصناعة الموضة، وأندية كرة القدم فى إيطاليا.
ودخلت قطر باستثمارات كبرى فى بنكى باركليز، وكريدى سويس خلال فترة الأزمة الاقتصادية العالمية فى 2008، كما ضخ رئيس الوزراء السابق حامد بن جاسم آل ثانى 1.75 مليار يورو فى بنك دويتشه الألمانى عام 2014، عندما اتجه البنك لبيع نسبة من أسهمه لحصد دعم مالى.
ويشير التقرير أيضاً إلى أن جهاز قطر للاستثمار هو أكبر مساهم فى شركة فولكس فاجن الألمانية الكبرى لصناعة السيارات، إلى جانب صفقة استحواذ كبرى لشركة جلينكور على شركة إكستراتا عام 2012، وهى الصفقة التى بلغت قيمتها 29 مليار دولار.
ويضاف إلى ذلك استثمارات فى علامة Valentino الإيطالية للموضة، والتى استحوذت عليها Mayhoola للاستثمارات المدعومة من مستثمرين قطريين، فى صفقة تجاوزت 700 مليون يورو. أشار التقرير أيضاً إلى شراء رئيس الوزراء الأسبق حمد بن جاسم لـ10% من شركة إل كورت أنجلوس، والتى تعد أكبر سلسلة متاجر فى إسبانيا.
وطبقاً للتقرير، قُدِرت الاستثمارات القطرية فى المملكة المتحدة بما لا يقل عن 35 مليار دولار عام 2014، وفقاً لتقارير إعلامية محلية، إذ تملك البلاد عقارات سكنية ومتاجر وفنادق فى أرقى أحياء لندن، أبرزها استثمارات فى كنارى وارف، وحصص من فندق سافوى، وناطحة السحاب شارد، ومتاجر هارودز، والقرية الأوليمبية، وبرج HSBC، كما تحول ديار -وحدة الاستثمار العقارى التابعة لجهاز الاستثمار- مبنى السفارة الأمريكية القديم بساحة جروسفينور إلى فندق فخم، كما تبنى منازل جديدة فيما كان يعرف بثكنات تشيلسى.
ولا تقتصر الاستثمارات القطرية فى المملكة المتحدة على العقارات فحسب، إذ تملك هيئة الاستثمارات 22% من مجموعة جيه سينزبيرى، وتعد أكبر المساهمين فيها. وفى عام 2012، اشترى الصندوق السيادى للبلاد حصة 20% من مطار هيثرو الدولى، فيما رفعت الخطوط الجوية القطرية حصتها فى الشركة المالكة للخطوط الجوية البريطانية IAG SA إلى 20% العام الماضى.
وتستثمر قطر فى السوق الروسى بصفقة كبرى بلغت 11 مليار دولار، بالتعاون مع شركة جلينكور فى ديسمبر الماضى من خلال شراء حصة من شركة روسنفت الروسية، كما اشترت البلاد 24.9% من مطار سانت بطرسبرغ فى يوليو الماضى، إلى جانب استثمار مباشر بقيمة مليارى دولار تديره الدولة الروسية عام 2014.
وعلى الرغم من أن أكبر الاستثمارات القطرية هى بالأساس فى أوروبا، توجه البلاد أنظارها حالياً نحو الولايات المتحدة، إذ افتتحت هيئة الاستثمار مكتباً فى نيويورك عام 2015، ووضعت خططاً لاستثمار 35 مليار دولار فى الولايات المتحدة بحلول عام 2020 لتنويع مصادر اقتصادها.
وبحسب التقرير، استحوذت مجموعة بى إن سبورت الرياضية القطرية العام الماضى على شركة ميراماكس للإنتاج السينمائى والواقعة فى كاليفورنيا، وفى 2016، كان جهاز قطر للاستثمار رابع أكبر مستثمر فى المساحات المكتبية فى الولايات المتحدة، وتتركز أغلب الاستثمارات فى نيويورك ولوس أنجلوس، بحسب شركة Real Capital Analytics للإحصاءات. استحوذت الهيئة أيضاً على 10% من شركة Empire State Realty Trust المالكة لمبنى إمباير ستيت الشهير، كما عقدت شراكة مع شركة Brookfield Property Partners فى مشروع بنيويورك بلغت قيمته 8.6 مليار دولار.
وكان للغاز القطرى الذى يُصدر لآسيا أثرٌ كبيرٌ فى خلق استثمارات قطرية جديدة فى هونج كونج، واليابان، وكوريا الجنوبية وتايوان. تستوعب الأسواق الآسيوية نصف إنتاج قطر من الغاز المسال فى 2015، إلا أنها فشلت فى جذب استثمارات كبرى من هذه الدول حتى الآن.
وتسعى قطر لزيادة استثماراتها فى آسيا بشكل عام، إذ أعلن جهاز قطر للاستثمار فى 2014 عن نيته لاستثمار 20 مليار دولار فى آسيا على مدار 6 سنوات، والتوسع فى بكين ونيودلهى. فى يونيو الماضى، أكمل جهاز الاستثمار صفقة شراء برج سكوير فى سنغافورة من شركة BlackRock فى صفقة بلغت 2.5 مليار دولار، بالإضافة لصفقات كبرى متعددة فى هونج كونج. يشير التقرير أيضاً إلى تطلع قطر لاستثمارات مستقبلية فى الصين بقيمة 10 مليارات دولار.
ولعل أهم ما يلفت النظر فى هذه الصفقات، هو أن كثيراً منها يأتى على سبيل الفواتير أو الرشاوى التى تقدمها العائلة الملكية القطرية لتثبيت حكمها ولجعل العالم يغض بصره عن الجرائم التى ترتكبها تلك الأسرة.
ومن الفواتير أو الرشاوى التى قدمتها قطر لبريطانيا، نتوقف مثلا عند صفقة القرية الأوليمبية التى مازالت تتصدر اهتمام الصحف البريطانية ومنها صحيفة دايلى ميل التى كشفت فى تقرير لها عن ضراوة الاستثمار القطرى فى لندن وبريطانيا بشكل عام، وتزايد الامتعاض منه بشكل متزايد، مع تأكيدات بأن الاستثمارات القطرية ليست لهدف اقتصادى بل سياسية بالدرجة الأولى.
فى البداية كان مقرّراً أن تكون القرية الأوليمبية استثماراً خاصاً لا يكلف دافعى الضرائب شيئاً، لكن الأزمة المالية فى 2008 حتمت على الحكومة البريطانية الدخول فى المشروع عن طريق هيئات حكومية للقيام بأعمال البناء والإنشاء.
وبعد سنتين طرحت الحكومة البريطانية نصف القرية الأوليمبية للمنافسة على الشركات العالمية والبريطانية، لكن التقارير الإعلامية البريطانية تركز بشكل خاص على العرض القطرى، مع قناعة شبه راسخة بأن العطاء لن يفلت من يد شركة «ديار» التى عرضت أعلى الأسعار.
وكان نصف القرية وقع بين يدى إحدى الشركات القطرية التى اشترت 1400 شقة فى القرية الأوليمبية فى أوج الأزمة المالية التى عصفت بأسعار العقارات فى لندن بـ557 مليون يورو.
ومن المنتظر أن تسمح الصفقة الجديدة للحكومة البريطانية بالتخارج من كامل القرية الأوليمبية التى احتضنت 23 ألف رياضى ومسئول بمناسبة الألعاب الأوليمبية والبار-أولمبية التى احتضنتها لندن فى 2012.
وبقدر ما يثير الاستثمار القطرى ارتياح بعض المسئولين فى العاصمة البريطانية، إلا أنه يثير أيضاً تساؤلات كثيرة وشكوكاً حول هذه «الشراهة» أو الاستثمار المكثف بين الدوائر المعنية، خاصة فى ظلّ الارتفاع الكبير فى أسعار العقارات وتزايد الخوف من فقاعة عقارية جديدة، قد يكون لقطر دور كبير فيها.
كما يطرح «النهم» القطرى والاستثمار المكثف فى العقار البريطانى، أسئلة أكبر وأخطر، ذلك أن هذه الاستثمارات فى العاصمة البريطانية التى بلغت حسب بعض التقارير ما يعادل 13 مليار جنيه إسترلينى حتى منتصف 2013 (حوالى 21.4 مليار دولار) ليست سوى جزء بسيط من كمية ضخمة من التوظيفات المالية التى تكرسها الدوحة للفوز ببعض الـ«جوائز» الكبرى التى لا علاقة لها بالعمليات الاستثمارية الحقيقية.
وفى تقرير نشرته مجلة «لابدو» LHebdo الفرنسية فى 2012، تقول جولى زاوج إن «الغزارة التى تدفقت بها الأموال القطرية على لندن حرفت العاصمة البريطانية من اسمها لندن إلى اللقب المتداول بين المضاربين والمستثمرين لند-دوحة».
هذه الاستثمارات الكبرى مملوكة فى الواقع لصناديق وشركات وهمية مختلفة للأمير الوالد وابنه وزوجة الأمير السابق وكبار المسئولين فى قطر، وعبر شركتى ديار وديلانسى وفروعهما فى لندن وخاصة فى لوكسمبورج، تقوم بأنشطة مريبة لا تختلف كثيراً عن الطرق المستعملة فى تهريب الأموال القذرة أو غسيلها وإعادة توزيع أرباحها.


التعليقات