ياسر بركات يكتب عن صفقة اللاعب نيمار التى كشفت سموم الأفعى من الدوحة إلى باريس.. أسرار الفضيحة القطرية فى قصر الشانزلزيه!

باريس على صفيح ساخن.. واستدعاء عاجل للرئيس الأسبق ساركوزى

شبهات جديدة فى ملف تنظيم قطر لكأس العالم.. واتهامات للرئيس الأسبق بتلقى رشاوى

الدوحة دفعت نصف مليار يورو لبرشلونة و90 مليون ريال قطرى للخزانة الإسرائيلية!

القصة الكاملة للسمسار الإسرائيلى فى صفقة سان جيرمان مع برشلونة

«بينى زهافى» قام بدور الوسيط وحصل على 170 مليون ريال

الحكومة الإسرائيلية تستقطع 90 مليون ريال وتثير الغضب فى المسجد الأقصى من جديد

ـ منظمة التجارة العالمية تستنكر تصرفات قطر وترفض التماسات العفو المقدمة إليها

ـ جنيف تعرض تفاصيل صفقة انتقال اللاعب للنادى المملوك لهيئة قطر الاستثمارية.. وتتساءل: كيف نصدق حكومة تزعم الحصار الاقتصادى.. وتدفع هذه المليارات فى لاعب كرة قدم؟!

بالتزامن مع اعتراف رسمى بتراجع الاقتصاد القطرى حيث شهد يونيو تراجعاً فى احتياطات النقد الأجنبى فى مصرف الدوحة المركزى بنحو 10 مليارات و400 مليون دولار، أى بمقدار الثلث وذلك فى شهر واحد فقط منذ اندلاع الأزمة. وفى الوقت الذى تترنح فيه الدوحة بسبب العقوبات الاقتصادية التى تفرضها عليها الدول المكافحة للإرهاب، تواصل الدويلة الصغيرة بعثرة وتبديد مليارات الدولارات.

صفقات طائرات مع الولايات المتحدة، وشراء سفن من إيطاليا، ومناورات عسكرية واستئجار جنود من تركيا. وزاد الأمر على كل حدود المعقول واللا معقول بدفعها أكثر من نصف مليار يورو لمجرد انتقال اللاعب البرازيلى نيمار من صفوف برشلونة إلى نادى «باريس سان جيرمان» المملوك لهيئة قطر للاستثمارات الرياضية!

الصفقة أحدثت تأثيرا يشبه الزلزال داخل العاصمة الفرنسية خاصة أنها تزامنت مع خضوع الرئيس الفرنسى الأسبق نيكولا ساركوزى للتحقيق، بشأن اتهامه بتقديم دعم مشبوه لدويلة قطر لتمكينها من استضافة مونديال 2022، طبقاً لما نشرته جريدة «الديلى ميل» البريطانية، التى نقلت عن متحدث باسم الادعاء العام المالى فى باريس، أن هناك شكوكا فى أن يكون الرئيس الفرنسى الأسبق قد قدم دعما كبيرا لملف استضافة قطر كأس العالم لكرة القدم، ومن المحتمل أن يكون ساركوزى قد حصل على أموال من الصفقات التى أجريت بين بلاده وقطر على هامش عرض ملف قطر لاستضافة مونديال 2022، بما فى ذلك بيع نادى باريس سان جيرمان.

تعددت مجالات إنفاق الدوحة والهدف واحد: إبراز اسم قطر عالمياً لعل ذلك يخفف من الضغوط عليها. فبالإضافة إلى المبلغ الضخم الذى دفع فى صفقة نيمار دفعت قطر المليارات فى صفقات أسلحة مع الولايات المتحدة وتركيا وإيطاليا. كما دفعت مبالغ أخرى فى تعاقدات مع شركات قانونية وشركات ضغط لتحسين صورتها فى واشنطن. كما تم تدشين حملات إعلامية مدفوعة كتلك اللافتات التى حملتها سيارات أجرة فى لندن والتى قال الإعلام القطرى عليها إنها حملة تضامن من السائقين مع قطر.

يحدث ذلك، فى الوقت الذى أكدت فيه منظمة التجارة العالمية، يوم الجمعة، أن قطر تقدمت بشكاوى ضد دول الخليج الثلاث السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين بسبب قرار مقاطعة الدوحة اقتصاديا ودبلوماسيا. وذكرت المنظمة، ومقرها فى مدينة جنيف السويسرية على موقعها الإلكترونى، أن «قطر طلبت من منظمة التجارة العالمية عقد مشاورات لتسوية النزاع مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين والسعودية بشأن الإجراءات التى تبنتها الدول الثلاث والتى يقال إنها تحد من حركة السلع والخدمات من قطر وكذلك معاملات تجارية مرتبطة بحقوق الملكية الفكرية». واتهمت قطر فى شكواها الدول الثلاث بتبنى إجراءات تمثل «محاولات قسرية لفرض عزلة اقتصادية».

إنه جنون ما بعده جنون أن تقوم دولة تدعى ذلك بدفع ما يزيد على نصف مليار يورو لمجرد ضم لاعب إلى ناد تمتلكه، فمن أجل التعاقد مع نيمار، دفع باريس سان جرمان قيمة الشرط الجزائى لكى يتمكن من فسخ تعاقد المهاجم البرازيلى مع برشلونة الإسبانى، الذى يبلغ 222 مليون يورو (263 مليون دولار). وتبلغ قيمة هذا الانتقال أكثر من ضعف الصفقة القياسية التى شهدت انتقال الفرنسى بول بوجبا من يوفنتوس الإيطالى إلى مانشستر يونايتد الإنجليزى الصيف الماضى، مقابل 105ملايين يورو.

بالإضافة إلى رقم الـ222 مليون يورو، فإن نيمار سيحصل على راتب أسبوعى قدره 550 ألف يورو، ما يعنى أن راتبه فى سنوات العقد الخمس سيصل إلى 150 مليون يورو خالصة الضرائب. كما تتضمن الصفقة أيضا عمولات بعشرات الملايين لوالد نيمار، الذى يعمل أيضا مديرا لأعماله، فضلا عن مكافآت وحوافز أخرى للاعب، تقرب إجمالى تكلفة الصفقة من 500 مليون يورو.

وبحسب موقع «فينانتسن 100» فإن القانون الإسبانى ينص على وجود شرط جزائى فى عقود اللاعبين، وتقوم الأندية هناك بوضع مبالغ فلكية فى عقود كبار النجوم من أجل «تطفيش» الراغبين فى التعاقد معهم، ويقال إن عقد ليونيل ميسى به شرط جزائى بقيمة مليار يورو. أما النص القانونى فى عقد نيمار، فيقول إن مبلغ 222 مليون يورو يدفعه اللاعب نفسه وليس النادى الذى يشتريه،. لكن فى الواقع فإن النادى يدفع المبلغ للاعب، ثم يقوم اللاعب بتسديده، وهنا تأتى مشكلة أخرى: فوفقاً للقواعد المالية للعب النظيف الخاصة بالاتحاد الأوروبى لكرة القدم «يويفا» فإنه يجب على النادى ألا ينفق أكثر من دخله، «وناد مثل سان جيرمان لا يمكنه أن يكسب 222 مليون يورو»، يقول الموقع الألمانى.

ويقول موقع «فينانتسن 100» إن القطريين سيدفعون لنيمار 300 مليون يورو، نظير تعيينه سفيراً لمونديال الدوحة. ويفترض أن يقوم نيمار بتسديد قيمة الشرط الجزائى منها، أما الباقى، 78 مليون يورو، فيحتفظ به لنفسه.

لكن الأمر لا يتوقف عند ذلك فقط، فالشرط الجزائى تضاف إليه أيضاً ضريبة القيمة المضافة، التى تبلغ فى إسبانيا 21 فى المائة، ما يعنى أن المبلغ الذى سيدفعه نيمار هو 268 وليس 222 مليون يورو. ثم نأتى الآن إلى راتب نيمار، الذى سيبلغ صافيه فى العام 30 مليون يورو، يضاف إليه 69 فى المائة من قيمته تدفع كضرائب دخل على أصحاب الدخول الأعلى فى فرنسا، وهناك أيضاً مبالغ أخرى مختلفة تتعلق بمساهمات التأمين الاجتماعى.

كذلك، ذكرت مجلة «11 فروينده» الرياضية الألمانية إن نيمار سيكلف باريس 90 مليون يورو فى العام الواحد. ولأنه من المنتظر أن يكون عقده لمدة خمس سنوات فبذلك يكون إجمالى راتبه 450 مليون يورو. فإذا أضيف إليه مبلغ الشرط الجزائى شاملاً الضرائب يصبح الإجمالى 718 مليون يورو.

2

وما يثير الأسف أو القرف هو أن الفضل فى إتمام تلك الصفقة يعود إلى مجهودات وسيط التعاقدات الإسرائيلى بينى زهافى، فى مساعدة الحكومة القطرية على إتمام صفقة انتقال البرازيلى نيمار إلى باريس سان جيرمان، وبات زهافى «عرّاب» الصفقة الحقيقى بعدما تصدى للمهمة مقابل الحصول على نحو 170 مليون ريال قطرى. وكانت فكرة انتقال نيمار إلى باريس سان جيرمان من تل أبيب، حيث مكتب وكيل الأعمال الإسرائيلى الذى ساهم فى تسهيل مهمة ناصر الخليفى رئيس النادى الباريسى، وتمكن زهافى من خلال علاقات مكتبه من اختراق نادى برشلونة الإسبانى حيث يلعب نيمار، قبل أن يجرى مفاوضات سرية انتهت بموافقة اللاعب البرازيلى على ترك برشلونة.

ولن يتمكن زهافى من الحصول على المبلغ كاملاً، إذ سيفقد نحو 90 مليون ريال قطرى لمصلحة الحكومة الإسرائيلية، وبحسب قانون ضريبة الدخل فى إسرائيل ستحصل خزانة الدولة العبرية على نصيبها من صفقة نيمار. وهو ما يعنى استفزازاً لمشاعر سكان القدس، على خلفية الأحداث الأخيرة فى المسجد الأقصى وما صاحبها من عنف مارسته السلطات ضد الفلسطينيين. وسط احتياج فلسطين وقطر قبلها للصرف على تطوير البنية التحتية ومعالجة منغصات يومية، كالزحام بسبب عدم وجود طرق كافية داخل الدوحة، فضلا عن المناطق العشوائية المنتشرة فى قطر، ومطالبات المواطنين ببناء مساجد فى المناطق الجديدة.

صفقة نيمار أثارت الجدل أيضا فى أوروبا بداعى عدم احترام قطر للأنظمة والقوانين، فضلا عن كسر مبدأ اللعب النظيف، وأكد رئيس رابطة الدورى الإسبانى، خافيير تيباس، أن قطر تنتهك قواعد اللعب المالى النظيف، بينما اعتبر ميشيل أولاس، رئيس نادى ليون الفرنسى، الصفقة خطراً على اللعبة. كذلك انتقد أنصار باريس سان جيرمان الصفقة القياسية بداعى أنها تسىء إلى ناديهم وسمعته لمخالفتها القواعد المالية المتبعة فى أوروبا. ورجحت تقارير صحفية فى إسبانيا أن يكون رفض برشلونة حمل شعار شركة الطيران القطرية مجدداً سبباً فى توجيه هذه الضربة له، بينما اختار القطريون نيمار لسهولة إقناعه قياسا باستحالة تجاوب الأرجنتينى ميسى أو الأوروجويانى سواريز مع الإغراءات.

وفتحت الصفقة كل الأبواب أمام انتقادات واتهامات جديدة، بدءاً بالإطاحة بمبادئ وأعراف اللعب النزيه إلى استغلال الرياضة لتحقيق مكاسب سياسية واستغلال النفوذ السياسى للتلاعب بالرياضة. وبالإضافة إلى أن الدوحة أنفقت مليارات الدولارات من أجل تحسين صورتها فى العالم، إلا أنها أظهرت جنونا غير مسبوق فى صرف المليارات على حملات العلاقات العامة منذ مايو الماضى، على إثر ظهور معلومات تؤكد تورطها فى دعم جماعات إرهابية. علماً أن قطر تواجه احتمال حرمانها من تنظيم منافسات كأس العالم 2022 بسبب اتهامها بدعم الإرهاب، فضلا عن العزلة التى تعيشها حاليا بسبب إغلاق السعودية والإمارات والبحرين المجال الجوى والحدود البرية والبحرية أمام الطائرات والسفن والسيارات القطرية.

قبل النسخة الحالية، قام النادى الفرنسى باستقطاب المدرب الإسبانى أوناى إيمرى الفائز بثلاثة ألقاب متتالية لبطولة الدورى الاوروبى مع إشبيلية الإسبانى من أجل تحقيق لقب دورى الأبطال. كما أبرم الفريق الباريسى العديد من الصفقات المؤثرة وأنفق مبالغ طائلة، ونجح بالفعل بهزيمة برشلونة فى مباراة الذهاب بأربعة أهداف نظيفة لأول مرة فى تاريخه، ليصبح السؤال المطروح، هل أطلق برشلونة رصاصة الرحمة على المخططات القطرية فى باريس.

ولعل أهم ما يلفت النظر فى هذه الصفقات، هو أن كثيراً منها يأتى على سبيل الفواتير أو الرشاوى التى تقدمها العائلة الملكية القطرية.

ومن الفواتير أو الرشاوى التى قدمتها قطر لبريطانيا، مثلاً نتوقف عند صفقة القرية الأولمبية التى ما زالت تتصدر اهتمام الصحف البريطانية ومنها صحيفة دايلى ميل التى كشفت فى تقرير لها عن ضراوة الاستثمار القطرى فى لندن وبريطانيا بشكل عام، وتزايد الامتعاض منه بشكل متزايد، مع تأكيدات بأن الاستثمارات القطرية ليست لهدف اقتصادى بل سياسية بالدرجة الأولى.

وكانت وكالة «بلومبيرج» قد نشرت تقريرا عن حجم الاستثمارات القطرية فى مختلف أنحاء العالم، بالتزامن مع استعادة الدويلة الصغيرة لشهيتها فى الاستثمار وعقد الصفقات من جديد، وقيام جهاز قطر للاستثمار بالمشاركة فى أكبر شركة لإنتاج الدواجن فى تركيا، وعملاقة النفط الروسية Rosneft PJSC، بالإضافة إلى شركة الغاز الوطنية فى بريطانيا.

وقد تصاب بقدر من الصدمة لو عرفت أن لتلك الدويلة أصولاً قيمتها 335 مليار دولار بمختلف دول العالم، وأن ممتلكات هيئة الاستثمار القطرية ومستثمرين قطريين آخرين تتضمن أستوديوهات فى هوليوود، ومكاتب فى نيويورك، وعقارات سكنية فى لندن، وصولاً لمجال الأزياء وشراء نادى كرة قدم فى إيطاليا.

وتعد هيئة الاستثمار أيضاً هى أكبر مستثمر فى البورصة القطرية، وتملك أغلبية أسهم بنك قطر الوطنى، الذى يعد أكبر بنوك مجلس التعاون الخليجى، كما تستثمر الهيئة أيضاً فى شركة الاتصالات الكبرى أوريدو، التى تعمل فى 12 دولة مختلفة، ويشغل منصب رئيس مجلس إدارتها عبدالله بن محمد بن سعود آل ثان، الذى يشغل منصب الرئيس التنفيذى لجهاز قطر للاستثمار أيضاً.

وبحسب تقرير بلومبيرج، فدائماً ما كانت أوروبا مقصداً مهماً للأموال القطرية، إذ تستثمر الدويلة مليارات الدولارات فى مناطق مختلفة، من بينها صناعة السيارات فى ألمانيا، وصناعة الموضة، وأندية كرة القدم فى إيطاليا.

ودخلت قطر باستثمارات كبرى فى بنكى باركليز، وكريدى سويس خلال فترة الأزمة الاقتصادية العالمية فى 2008، كما ضخ رئيس الوزراء السابق حمد بن جاسم آل ثان 1.75 مليار يورو (1.85 مليار دولار) فى بنك دويتشه الألمانى عام 2014، عندما اتجه البنك لبيع نسبة من أسهمه لحصد دعم مالى.

ويشير التقرير أيضاً إلى أن جهاز قطر للاستثمار هو أكبر مساهم فى شركة فولكس فاجن الألمانية الكبرى لصناعة السيارات، إلى جانب صفقة استحواذ كبرى لشركة جلينكور على شركة إكستراتا عام 2012، وهى الصفقة التى بلغت قيمتها 29 مليار دولار.

ويضاف إلى ذلك استثمارات فى علامة Valentino الإيطالية للموضة، والتى استحوذت عليها Mayhoola للاستثمارات المدعومة من مستثمرين قطريين، فى صفقة تجاوزت 700 مليون يورو. أشار التقرير أيضاً إلى شراء رئيس الوزراء الأسبق حمد بن جاسم لـ10% من شركة إل كورت أنجلوس، التى تعد أكبر سلسلة متاجر فى إسبانيا.

وطبقا للتقرير، قُدِرت الاستثمارات القطرية فى المملكة المتحدة بما لا يقل عن 35 مليار دولار عام 2014، وفقاً لتقارير إعلامية محلية، إذ تملك البلاد عقارات سكنية ومتاجر وفنادق فى أرقى أحياء لندن، أبرزها استثمارات فى كنارى وارف، وحصص من فندق سافوى، وناطحة السحاب شارد، ومتاجر هارودز، والقرية الأوليمبية، وبرج HSBC، كما تحول ديار - وحدة الاستثمار العقارى التابعة لجهاز الاستثمار - مبنى السفارة الأمريكية القديم بساحة جروسفينور إلى فندق فخم، كما تبنى منازل جديدة فيما كان يعرف بثكنات تشيلسى.

ولا تقتصر الاستثمارات القطرية فى المملكة المتحدة على العقارات فحسب، إذ تملك هيئة الاستثمارات 22% من مجموعة جيه سينزبيرى، وتعد أكبر المساهمين فيها. وفى عام 2012، اشترى الصندوق السيادى للبلاد حصة 20% من مطار هيثرو الدولى، فيما رفعت الخطوط الجوية القطرية حصتها فى الشركة المالكة للخطوط الجوية البريطانية IAG SA إلى 20% العام الماضى.

وتستثمر قطر فى السوق الروسى بصفقة كبرى بلغت 11 مليار دولار، بالتعاون مع شركة جلينكور فى ديسمبر الماضى من خلال شراء حصة من شركة روسنفت الروسية، كما اشترت البلاد 24.9% من مطار سانت بطرسبرغ فى يوليو الماضى، إلى جانب استثمار مباشر بقيمة مليارى دولار تديره الدولة الروسية عام 2014.

وعلى الرغم من أن أكبر الاستثمارات القطرية هى بالأساس فى أوروبا، توجه البلاد أنظارها حالياً نحو الولايات المتحدة، إذ افتتحت هيئة الاستثمار مكتباً فى نيويورك عام 2015، ووضعت خططاً لاستثمار 35 مليار دولار فى الولايات المتحدة بحلول عام 2020 لتنويع مصادر اقتصادها.

وبحسب التقرير، استحوذت مجموعة بى إن سبورت الرياضية القطرية العام الماضى على شركة ميراماكس للإنتاج السينمائى والواقعة فى كاليفورنيا، وفى 2016، كان جهاز قطر للاستثمار رابع أكبر مستثمر فى المساحات المكتبية فى الولايات المتحدة، وتتركز أغلب الاستثمارات فى نيويورك ولوس أنجلوس، بحسب شركة Real Capital Analytics للإحصاءات. استحوذت الهيئة أيضاً على 10% من شركة Empire State Realty Trust المالكة لمبنى إمباير ستيت الشهير، كما عقدت شراكة مع شركة Brookfield Property Partners فى مشروع بنيويورك بلغت قيمته 8.6 مليار دولار.

وكان للغاز القطرى الذى يُصدر لآسيا أثرٌ كبيرٌ فى خلق استثمارات قطرية جديدة فى هونج كونج، واليابان، وكوريا الجنوبية وتايوان. تستوعب الأسواق الآسيوية نصف إنتاج قطر من الغاز المسال فى 2015، إلا أنها فشلت فى جذب استثمارات كبرى من هذه الدول حتى الآن.

وتسعى قطر لزيادة استثماراتها فى آسيا بشكل عام، إذ أعلن جهاز قطر للاستثمار فى 2014 عن نيته لاستثمار 20 مليار دولار فى آسيا على مدار 6 سنوات، والتوسع فى بكين ونيوديلهى. فى يونيو الماضى، أكمل جهاز الاستثمار صفقة شراء برج سكوير فى سنغافورة من شركة BlackRock فى صفقة بلغت 2.5 مليار دولار، بالإضافة لصفقات كبرى متعددة فى هونج كونج. يشير التقرير أيضاً إلى تطلع قطر لاستثمارات مستقبلية فى الصين بقيمة 10 مليارات دولار.

وبقدر ما يثير الاستثمار القطرى ارتياح بعض المسئولين فى العاصمة البريطانية، فإنه يثير أيضاً تساؤلات كثيرة وشكوكاً حول هذه «الشراهة» أو الاستثمار المكثف بين الدوائر المعنية، خاصة فى ظلّ الارتفاع الكبير فى أسعار العقارات وتزايد الخوف من فقاعة عقارية جديدة، قد يكون لقطر دور كبير فيها.

كما يطرح «النهم» القطرى والاستثمار المكثف فى العقار البريطانى، أسئلة أكبر وأخطر، ذلك أن هذه الاستثمارات فى العاصمة البريطانية التى بلغت حسب بعض التقارير إلى ما يعادل 13 مليار جنيه استرلينى حتى منتصف 2013 (حوالى 21.4 مليار دولار) ليست سوى جزء بسيط من كمية ضخمة من التوظيفات المالية التى تكرسها الدوحة للفوز ببعض الـ «جوائز» الكبرى التى لا علاقة لها بالعمليات الاستثمارية الحقيقية.

هذه الاستثمارات الكبرى مملوكة فى الواقع لصناديق وشركات وهمية مختلفة للأمير الوالد وابنه وزوجة الأمير السابق وكبار المسئولين فى قطر، وعبر شركتى ديار وديلانسى وفروعهما فى لندن وبخاصة فى لوكسمبورج، تقوم بأنشطة مريبة لا تختلف كثيراً عن الطرق المستعملة فى تهريب الأموال القذرة أو غسيلها وإعادة توزيع أرباحها.

3

لم تترك قطر ميداناً إلا وحاولت توظيفه للخروج من مأزقها السياسى.

هذا ما ذكرته صحيفة الديلى تليجراف التى اتهمت قطر بشراء المصداقية من خلال بعثرة نقودها على نيمار، واعتبرت نيمار لاعب كرة القدم الأكثر تكلفة فى العالم، وأحدث وأكبر الأصول التى تمتلكها قطر لمواجهة خلافاتها الدبلوماسية. وتابعت الصحيفة أيضاً أن الدوحة منذ فترة طويلة تحاول استغلال الرياضة لرفع مكانتها. أما صحيفة فوكس سبورت، فرأت أن الدوحة بتوقيع نيمار على الانتقال لباريس سان جيرمان، شكلت انقلاباً فى ميدان كرة القدم بصفقة علاقات عامة تنقذها من عزلتها.

كذلك، قال موقع إذاعة «مونت كارلو» الفرنسية إن الانتقال المرتقب للاعب كرة القدم البرازيلى نيمار من نادى «برشلونة» الإسبانى إلى نادى «باريس سان جيرمان» الفرنسى المملوك من الدوحة، رسالة تحد قطرية للدول العربية المقاطعة لقطر فى مواجهة محاولة عزلها سياسيا واقتصاديا وحتى رياضيا. وحسب الموقع الفرنسى، تحاول قطر، التى يتهمها خصومها بالإرهاب منذ قطع المملكة السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر العلاقات معها، نفى هذا الاتهام عبر عقد صفقات اقتصادية وعسكرية مع دول كبرى وشركات عالمية.

وتشكل صفقة انتقال النجم البرازيلى إلى صفوف الفريق الفرنسى محطة رئيسية ضمن هذا السعى نظرا للشهرة الكبيرة التى يتمتع بها نيمار، أحد أبرز لاعبى كرة القدم فى العالم حاليا، والقيمة المالية الضخمة للعقد الذى يرافقها. وينقل الموقع الفرنسى عن الخبير فى السياسة العربية فى باريس، ماتيو غيدار، قوله إن «انتقال نيمار إلى باريس سان جيرمان تقرر على أعلى المستويات فى قطر، ليُسهم فى الوقت الراهن فى التغطية على الجدل القائم حول مسائل أخرى، وخصوصا الاتهام بدعم الإرهاب». ويرى ماتيو غيدار أن الصفقة «تدفع لتركيز الاهتمام على موضوع أقل جدلا وهو الرياضة».

فى السياق نفسه، أكد الاتحاد الأوروبى لكرة القدم الخميس الماضى، أنه يراقب من كثب تفاصيل صفقة الانتقال المتوقع للبرازيلى نيمار من برشلونة الإسبانى إلى باريس سان جيرمان الفرنسى فى صفقة قياسية تبلغ 222 مليون يورو، وهى قيمة البند الجزائى فى العقد الذى يربط اللاعب بفريقه الحالى. وأرسل الاتحاد الاوروبى بيانا لوكالة فرانس برس يؤكد فيه أنه: «على جميع الأندية فى أوروبا احترام قواعد اللعب المالى النظيف ويجب عليها إثبات أن خسائرها لا تتخطى 30 مليون يورو على مدى ثلاثة أعوام».

ويأتى موقف الاتحاد الأوروبى بعدما قامت رابطة الدورى الإسبانى لكرة القدم برفض تسلم أموال البند الجزائى التى سيدفعها النجم البرازيلى لبرشلونة. وبموجب أنظمة العقود فى كرة القدم الإسبانية، يتوجب على اللاعب نفسه أن يدفع مبلغ «شراء العقد» كإيداع لدى رابطة الدورى، على أن تقوم هى بتحويله إلى النادى «البائع». وقال متحدث باسم الرابطة لوكالة فرانس برس «حضر الممثلون القانونيون للاعب إلى رابطة الدورى الإسبانى لكرة القدم من أجل إيداع (المبلغ) البند الجزائى، فرفضته». كما أكد الاتحاد الأوروبى أنه «كجزء من الرصد المستمر للأندية تحت قواعد اللعب المالى النظيف، سينظر الاتحاد الأوروبى فى تفاصيل هذا الانتقال فى الوقت المناسب لضمان أن باريس سان جيرمان لم يخالف متطلبات اللعب المالى النظيف»، مشيرا إلى أن «انتقال نيمار إلى باريس سان جيرمان سيترك تأثيره على الوضع المالى للنادى على مدى عدة سنوات».

الأكثر من ذلك هو أن المتحدث باسم الحكومة الفرنسية شن هجوماً شديداً على قطر بعد صفقة الاستحواذ على لاعب كرة القدم البرازيلى نيمار، واعتبر المسئول الفرنسى أن الدوحة تسعى للتأثير على المسار الدبلوماسى عبر الرياضة.

المتحدث باسم الحكومة الفرنسية، كريستوف كاستنر، أكد أن «الدوحة لا يمكنها الهروب بصفقة سان جيرمان من الإجابة عن أسئلة ملحة تتعلق بدعم الإرهاب». ونضيف إلى ذلك أن قواعد اللعب المالى النظيف التى أقرها الاتحاد الأوروبى لكرة القدم قد حدت من الإنفاق المفرط لنادى باريس سان جيرمان خلال المواسم الأخيرة، كما أن التعاقد مع نيمار سيمثل تحديا خطيرا للنادى فى هذا الصدد، لكن هناك ثقة كبيرة داخل مجلس إدارة النادى بأن هذا الأمر لن يكون عقبة كبرى.

صفقة نيمار، لم تكن إلا حلقة فى سلسلة الاستثمارات القطرية الرياضية، التى حطمت الأرقام القياسية فى الألعاب والرياضات والبطولات المختلفة، إلى تحقيق طموحها فى أن تصبح قبلة الرياضة العالمية وحديث الرياضيين حول العالم. وغير نادى باريس سان جيرمان، وقعت هيئة السياحة القطرية عقداً دعائياً لمدة أربع سنوات مقابل 200 مليون يورو سنوياً، كما أن وضع شعار مؤسسة قطر «Qatar Foundation» على قمصان لاعبى برشلونة بدءاً من العام 2011 يعتبر إعلاناً للدوحة، كما تم وضع شعار الخطوط الجوية القطرية على قصمان اللاعبين فى صفقة إجمالية بلغت 300 مليون يورو.

وحتى نادى بايرن ميونخ يسافر سنوياً منذ عام 2011 فى فترة تدريباته الشتوية إلى قطر. وقد أبدى المدير التنفيذى للنادى كارل-هاينتس رومينيغه رضاه عن أحوال وشروط اللعب هناك فى «أكاديمية التفوق» التى تضم 15 ملعباً لكرة القدم، ومضمار جرى طوله 14 كيلومترا وصالة رياضية وملعب خليفة الدولى الذى يتسع لـ 50 ألف متفرج، بالإضافة إلى القبة الرياضية التى تعتبر أكبر صالة متعددة الأغراض فى العالم بـ 13 ملعباً.

وفى عام 2010 اشترى الشيخ عبدالله بن ناصر آل ثان، رئيس الوزراء القطرى الحالى، نادى ملقا الإسبانى بـ 25 مليون يورو وأنقذ النادى من الإفلاس، ليستعيد بعد موسمين النقود التى أنفقها. ومنذ عام 2004 تجرى جولات بطولة العالم للدراجات النارية على حلبة لوسيل الدولية فى الدوحة. وعام 2014 منحت الرابطة الدولية لألعاب القوى، قطر حق استضافة بطولة العالم لألعاب القوى 2019. فمن خلال حزمة تمويل كبيرة بـ 30 مليون دولار من بنك قطر بالإضافة إلى وعود بالتبرع بـ 7 ملايين دولار من أجل بناء عشرة مضامير سباق لصالح برنامج التطوير العائد للاتحاد الدولى لألعاب القوى، حصلت الدوحة على دعم 15 من أعضاء مجلس الاتحاد الـ27، ولتتفوق بذلك على برشلونة وتنتزع منها شرف تنظيم البطولة. ومنذ عام 2010 سباق الجائزة الكبرى للألعاب القوى فى قطر، هو جزء من الجولات العالمية للدورى الماسى للاتحاد الدولى لألعاب القوى.

كما تقام بطولة قطر المفتوحة لكرة المضرب سنوياً منذ عام 1994 وهى جزء من جولات بطولات رابطة محترفى كرة المضرب، وبين عامى 2008 و2010 استضافت الدوحة بطولات الاتحاد الدولى لتنس السيدات. وعام 2014 استضافت الدوحة بطولة العالم للسباحة للمسافات القصيرة، وحصلت أيضا على حق تنظيم بطولة العالم للمسافات العادية فى عام 2023.

ورغم أن رياضة الجمباز فى قطر ليست ذات مستوى عالمى، فإن الرابطة الدولية للجمباز منحت الدوحة حق تنظيم بطولة العالم للجمباز عام 2018. وبسبب التوترات السياسية الراهنة فى الخليج فإنه من الممكن أن يتم سحب حق تنظيم هذه البطولة من قطر. وقال رئيس الرابطة الدولية للجمباز مورينارى واتانابى: «لدينا خطة بديلة، ولكن فى هذا الوقت لا يمكن نشر التفاصيل». وهناك «قطر ماسترز» للغولف هى بطولة عالمية للغولف ضمن الجولة الأوروبية للعبة. وتقام سنوياً منذ العام 1998 على ملعب نادى الدوحة للغولف. وتمت زيادة قيمة الجائزة فى هذه البطولة من 750 ألف دولار إلى 2.5 مليون يورو عام 2008.

كما تدعم قطر أكثر سباقات الخيول عراقة فى العالم من خلال بطولتى «رويال أسكوت» و«سباق جائزة قطر لقوس النصر». فالأسرة الملكية فى بريطانيا هى الراعية لسباق «رويال أسكوت» الذى بدأ عام 1711. فى عام 2014 تم كسر تقليد قديم استمر 300 سنة كان يمنع رفع الشعارات الدعائية فى البطولة، ليكون شعار كيبكو «شركة قطر القابضة للاستثمار وتطوير المشاريع» أولها! كما أن «سباق جائزة قطر لقوس النصر» والتى تعتبر بطولة العالم غير الرسمية لسباق الخيول تمنح بفضل قطر أكبر جوائز مالية فى سباق الخيول على الإطلاق التى تتجاوز 7 ملايين يورو.

أيضا، استحوذت شركة قطر للاستثمارات الرياضية على كامل أسهم نادى كرة اليد أيضاً وفى الموسم 2013/2014 بلغت ميزانية الفريق عشرات الملايين، وحصلت على خدمات نجوم كبار فى كرة اليد ومدرب فريق كييل الألمانى أوفى عينزهايمر. وفى بطولة كأس العالم لكرة اليد للرجال التى أقيمت على أراضيها عام 2015، اشترت قطر فريقاً كاملاً من نجوم الكرة فى العالم ومنحتهم جنسيتها ليلعبوا فى فريقها الوطنى الذى حصل على المركز الثانى (الميدالية الفضية) فى البطولة.

السؤال الآن: هل تراهن الدوحة على دول الاتحاد الأوربى بعد أن أدركت فشل رهانها على الولايات المتحدة أو بعد أن ارتابت فى إمكانية تخليها عنها؟!

منذ فترة تتردد أنباء عن سيناريو أمريكى مرتقب للإطاحة بتميم بن حمد بن خليفة آل ثان واستبدال شقيقه عبدالله بن حمد به، بما يعنى أن الولايات المتحدة قررت أن تتخلى عن الأمير الصغير بعد أن فشل رهانها على تقسيم دول المنطقة بعد ما عرف باسم الربيع العربى. وهو الرهان أو المخطط الذى استثمرت فيه الولايات المتحدة علاقة الأمير تميم بجماعة الإخوان وقامت بتصعيده إلى الحكم ليحقق لها عدة أهداف أبرزها تقديم الدعم المالى والسياسى لجماعة الإخوان فى مصر وليبيا وسوريا وتونس وبقية دول المنطقة لتكون هى مخلب القط الذى تستخدمه أمريكا فى تنفيذ مخطط الشرق الأوسط الكبير.

وقد يكون السبب الرئيسى هو أنه بات فى حكم المؤكد أن قطر تمول المسلحين من المتمردين فى ليبيا والصومال، كما أن الأحداث الأخيرة فى مالى أشارت إلى تورط قطر فى تدريب وتسليح التنظيمات الإرهابية، والمعلومات الأكثر خطورة هى التى نشرتها مجلة لو كنار انشين الفرنسية، وتتعلق بقيام قطر بتمويل الجماعات المسلحة ودعمها مثل أنصار الدين وأزواد والجهاد فى غرب أفريقيا، والقاعدة فى المغرب الإسلامى والاستقلال والمساواة، إضافة إلى قيام قطر بتدريب مقاتلى مجموعة محددة، وهى مجموعة أنصار الدين التى تمثل فرعاً محلياً للقاعدة.

إنها حالة تدعو للشفقة على الشعب القطرى الذى نتمنى له أن يتحرر من «موزة» وولدها وخدمها، الذين يهدرون ثرواتهم لمجرد البقاء فى الحكم!


التعليقات