"الماقوسي"... حكاية القصر الذى اعتقل فيه الرئيس السادات وتعلم بداخله الألمانية

لم يعد للتاريخ ومعالمه من يقدرونه ويعملون على الحفاظ عليه أسوة بما شهدته مقابر وأهرامات القدماء المصريين التي أنشأت منذ آلاف السنين، لتشهد حاليًا عشرات المعالم والمبانى الأثرية بمحافظة المنيا، على رأسها القصور، مسلسلا مستمرا للتدمير وإزالتها من الوجود، رغم أن جدرانها ظلت سنوات عديدة شاهدة على التاريخ، وتحكي أسرارًا عديدة بعد أن احتضنت الكثير من الأحداث الهامة.
ورغم الأهمية الكبيرة لعدد من القصور الأثرية بمحافظة المنيا، ومناشدة القائمين على القطاع الأثري بالمحافظة ومراكزها التسعة للوزارة بسرعة إنقاذ تلك القصور من الإنهيار وسرعة ترميمها ، فإن الجواب الدائم للوزارة " تمويلنا ذاتي ومعندناش فلوس " وهو ما تسبب في تهاوي العديد من تلك المباني الفريدة من نوعها.

هناك أيضا قصر "الماقوسي" الذي يقع على بعد 2 كيلو متر جنوب مدينة المنيا، وبالتحديد بجانب الطريق الزراعي (مصر – أسوان) عند بداية قرية ماقوسة ، حيث شهد ذلك القصر اعتقال الرئيس محمد أنور السادات ، لمدة 9 أشهر تقريبا خلال اعتقاله في الشباب بأوامر من الإنجليز، و كان القصر يتميز بجمال زخارفه الكبيرة ، خاصة أنه كانت واجهته من الخشب الملىء بالزخارف الفرنسية ، بجانب شرفاته ذات الزجاج الملون بعدة ألوان، وتقع أمامه مباشرة ترعة الابراهيمية ، ومن خلفه قطعة فضاء كبيرة بها حديقة، تطل على قرية "ماقوسة"، ولكن تم هدم هذا القصر في ظروف غامضة عقب ثورة 25 يناير .
ويقول الدكتور رجب عبد السلام مدير عام آثار مصر الوسطى الاسلامية والقبطية، إن الرئيس السادات قد أحب هذا القصر بشكل كبير، رغم أنه كان معتقلا به لعدة أشهر ، وكان يرى أنه صاحب فضل عليه في تعلم اللغة الألمانيه، الأمر الذي دفعه لزيارة ذات المكان بعد أن أصبح رئيسا للجمهورية فيما بعد، وكان السبب الأبرز لإعتقال الرئيس السادات والاستغناء عن خدماته بالجيش المصري عام 1942، هو اتصالاته بالألمان وحيازة جهاز لاسلكي لتسهيل التعامل معهم ، والتحريض ضد الانجليز للتخلص من حكمهم ، فتم إلقاء القبض عليه وتم اقتياده للسجن بعد خلع الرتبة العسكرية، وكانت بداية سجنه في سجن الأجانب ، ثم إلى معتقل ماقوسه بالمنيا، ثم معتقل الزيتون قرب القاهرة وهرب من المعتقل عام 1944 وظل مختبئا حتى عام 1945 حيث سقطت الأحكام العرفية وبذلك انتهى إعتقاله حسب القانون.
أضاف عبد السلام, أن القصر تم بناؤه بدايات القرن العشرين على مساحة 450 متر تقريبا ويتكون من طابقين ، وكان يمتاز بجمال تخطيطه، وطرازه المعماري الجميل، وهو ما أكده الرئيس السادات في كتابه "البحث عن الذات" حيث قال : " لم يكن المعتقل الجديد معتقلا بمعنى الكلمة, بل قصرا شامخا، وبه مرايا فرنسية وأخشاب فاخرة وشبابيك من الزجاج الملون وحمامات رائعة، ويقف منعزلًا على ضفاف ترعة الإبراهيمية"، مشيرا إلى أن القصر كان ملكا لأحد الأعيان وساءت حالته المادية في فترة من الفترات، فأجره للحكومة التي حولته إلى معتقل، و أن الرئيس السادات ظل بهذا السجن منذ ديسمبر عام 1942 حتى سبتمبر 1943 أي 9 أشهر تقريبًا.
وأوضح مدير آثار مصر الوسطى الاسلامية والقبطية، أن أبرز الفوائد التي عادت على الرئيس السادات بهذا القصر هو إستغلال تلك الفترة في تعلم اللغة الألمانية وإتقانها في 9 أشهر على يد صديقه "حسن جعفر" الذي كان شقيقا لأحد الجواسيس الألمان، وأضاف أن أبرز ما يدل على مكانة هذا المعتقل الكبيرة لدى الرئيس السادات، هو زيارته له بعدما تولى رئاسة الجمهورية, وأمر ببناء متحفًا مجاورًا له، ولكن لم ينجح هذا المشروع، وتحول المبنى حتى الآن إلى مقرًا للتفتيش الأثري لشمال المنيا ، إلى أن هدم القصر عام 2011 في ظروف غامضة، مؤكدًا أن القصر حينها لم يكن تابعًا لإشراف الآثار ولم يسبق ضمه رغم أهميته الكبيرة، ووقوفه نحو 80 عاما شاهدا على أحداث هامة.


التعليقات