بالوقائع.. مشروعات الوهم فى "عروس الصعيد"

تمر الأيام وتمضى السنين، وتبقى الأوضاع كما هي فى محافظة المنيا "عروس الصعيد" ، الفقر هو الفقر، والمشكلات في تزايد، والمشروعات متوقفة لا تتحرك، والمتهم "روتين الحكومة"، لتستمر المنيا، غارقة في بحر من الأزمات ، رغم كثرة تصريحات المسئولين ووعودهم التي لم تأتي ثمارها بعد.
وتشهد محافظة المنيا، والتي يبلغ تعداد سكانها 5 ملايين و600 ألف نسمة تقريبًا عبر 9 مراكز، وجود عدة مشروعات متوقفة، يضربها التخبط، رغم أن تشغيلها قد يتسبب في انتعاش المحافظة إقتصاديًا، بل واجتماعيًا وتوفير الآلاف من فرص العمل للشباب، ما يترتب عليه إحداث نقله نوعية يحلم بها ملايين المواطنين، بدلًا من الفقر وسوء الأحوال المعيشية التي يعيشها الكثيرون بالقرى والنجوع بكافة أنحاء المحافظة وتضطرهم للهجرة غير الشرعية أو التوجه نحو العاصمة.
"الموجز" تستعرض بعضًا من المشروعات العملاقة بالمحافظة، التي لم تخرج إلى النور أو توقف العمل بها دون ذكر أسباب واضحة لذلك رغم صرف الملايين عليها, والتى يأتي في مقدمتها المتحف الآتوني، الذي يجرى إنشاؤه منذ 13 عامًا تقريبًا على الجانب الشرقي للنيل بمدينة المنيا، ولم تنته منه المحافظة حتى الآن، ومن المقرر له أن يضم مقتنيات الملك "إخناتون" أو كما يطلق عليه "موحد الآلهه" وهو زوج الملكة نفرتيتي، ليصبح متحفًا فريدًا من نوعه على مستوى محافظات مصر، وثالث أكبر متاحف الجمهورية.
وجاءت فكرة إنشاء المتحف ، من خلال اتفاقية التآخي بين محافظة المنيا ومدينة "هيلدزهايم" الألمانية ومتحف برلين، ليصبح المتحف منارة ثقافية هامة في محافظات الصعيد، ويضم فترة من أهم فترات حكم مصر للملك اخناتون، التي قضى فيها ما يقرب من 17 عامًا بمنطقة تل العمارنة ضمن دعوته الأولى لتوحيد الآلهه، برفقة زوجته الملكة نفرتيتي، وقد بلغ حجم ما أنفق على المتحف منذ بدء إنشاءاته في عام 2004 ما يزيد على الـ 120 مليون جنيه، حتى الآن، إلى أن تعطلت الأعمال بعد ثورة 25 يناير عام 2011، ليعود استكمال أعمال الإنشاء مرة أخرى من قبل الحكومة بإعتماد المهندس ابراهيم محلب رئيس الوزراء السابق 40 مليون جنيه في 2015، بينما يسعى الدكتور خالد العناني للحصول على قيمة 10 مليون يورو كان قد وعد الجانب الألماني بمنحها للمتحف خلال زيارة وفد للمنيا في العام الماضي، ولم تتسلمها المحافظة حتى الآن دون إبداء أسباب.
المتحف يقام على مساحة 25 فدان بشرق النيل بمدينة المنيا، وتبلغ مساحة المبنى الرئيسي 5 آلاف متر تقريبًا، على شكل "مثلثات"، تجاوره مجموعة من البازارات، ومركزًا لترميم الآثار هو الأكبر على مستوى الصعيد.
من جانبه قال الدكتور أحمد حميدة مدير المتحف، إن المتحف الإخناتوني، يعد ثالث أكبر متاحف الجمهورية، بعد متحفي " الحضارة" و "المصري الكبير"، حيث يضم المبنى الرئيسي 16 صالة عرض متحفي، ومكتبة ومسرح للمؤتمرات، وبمحيطه مركزا لترميم الآثار، و19 بازار، وأضاف أنه تم تغيير دراسة العرض بداخله، فلن يقتصر فقط على آثار ومقتنيات الملك إخناتون ومقبرته وحاشيته الملكية في فترة العمارنه، بل سيضم المتحف في صالة الدور الأول مقتنيات أثرية لكافة العصور التاريخية، والتي تحتل محافظة المنيا في كل منها مكانة كبيرة في التاريخ المصري.
وعن الآثار الخاصة بالملك "إخناتون" التي سيحتويها المتحف، أكد مدير المتحف, أن هناك مقتنيات مميزة عثر عليها في مقبرة الملك، وهي الآن موجودة في المتحف المصري، والأقصر، ومخازن الأشمونين، إذ تتمثل في تماثيل ولوحات هامة للملك الذي كان يدعو لعبادة الشمس، كأول موحد للآلهة، وحاشيته الملكية والملكة نفرتيتي.
ونفى "حميدة" ما يردده البعض عن سهولة استرجاع مصر لرأس الملكة نفرتيتي الموجودة في متحف برلين حاليًا، التي تم استخراجها من أرض تل العمارنة بمحافظة المنيا منذ عشرات السنين، لأنها خرجت قبل وضع العديد من القوانين المنظمة للآثار، مؤكدًا أن قيمة المتحف الألماني، تقوم بالكامل على تلك التمثال الذي دفع الألمان إلى تسمية نفرتيتي بأنها سيدة ألمانيا الأولى، ووضعوا صورتها على العديد من الشوارع والسيارات هناك، وأضاف أنه تم الحصول على موافقة من مدير المتاحف المصرية، بإنشاء أول محكى للحفائر ثابت داخل هذا المتحف، الذي سيعد الأول من نوعه في مصر، ويهدف لدفن قطع أثرية مقلده، وجعل الطلاب يستخرجونها ويصفون حالتها وحقبتها.
وطالب "حميدة" بسرعة الانتهاء من أعمال المتحف، خاصة بعد غموض المفاوضات مع الجانب الألماني منذ عام 2015 حتى الآن وعدم تسلم المنيا الدفعة الأخيرة من المنحة التي كانت تقدر بنحو 10 ملايين يورو، للانتهاء من أعمال المتحف.
هناك أيضا مشروع المليون ونصف المليون فدان،الذى أعلنت عنه مؤسسة الرئاسة, لكنه ما زال يثير تساؤولات الكثير من المواطنين فى المنيا على وجه التحديد، حيث كانت الحكومة قد خصصت مساحة 360 ألف فدان بغرب المنيا ضمن المشروع، إلا أنه لم يتم إدراج المحافظة إطلاقا في المرحلة الأولى، رغم إعلان الحكومة تخصيص 120 ألف فدان للمنيا من حصتها في المرحلة الأولى، ولكن فوجىء المستثمرون والشباب باستبعادها إطلاقا من تلك المرحلة، ما تسبب في غضب المئات.
تصريحات المسئولين المتعاقبة عن تطوير المحافظة وأنها ستكون من أكبر المساحات الزراعية على مستوى الجمهورية لتصل مساحتها المنزرعة كاملة لنحو مليون فدان زراعي، أدى لتخوفات الكثيرين بعد عدم ادراجها في المرحلة الأولى من مشروع المليون فدان، وسط سخط الشباب والمستثمرين. وترددت الشائعات عن عدم جاهزية تلك المناطق، ووجود مشكلات كثيرة به، وأنها السبب وراء عدم إدراج المحافظة فى المرحلة الأولى كما كان مقررا.
لم تتوقف المشروعات المتعطلة عند ذلك الحد بل نجد أن المحافظة قد أعلنت كذلك منذ 3 سنوات عن شروعها في إقامة 16 منطقة صناعية للصناعات الصغيرة والمتوسطة، موزعة بالظهيرين الصحراويين الشرقي والغربي، لإتاحة الآلاف من فرص العمل، إلا أنها لم تتخذ أي خطوات جادة للبدء في تلك المشروعات.
القصة بدأت بإعلان محافظ المنيا السابق صلاح زيادة عام 2014 عن إقامة 16 منطقة مناطق صناعية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة كثيفة العمالة، وذلك على ثلاث مراحل، إذ تم تقسيم وتوزيع أراضي كل منطقة إلى مساحات بواقع 100متر مربع ومضاعفاتها وفقًا لحجم المشروع، لتتيح المنطقة الواحدة نحو ثلاثة آلاف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، بإجمالي ما يقرب من 48 ألف فرصة عمل بجميع المناطق.
وبحسب المشروع فإنه كان مقررا تخصيص 4 مناطق صناعية على الصحراوي الشرقي بجنوب المنيا، المنطقة الأولى على مسافة 3 كيلو مترات شرق قرية ''الحوطا الشرقية'' لخدمة مركز ديرمواس، والثانية على مسافة 4 كيلو مترات شرق قرية ''البرشا'' لخدمة مركز ملوي، أما المنطقة الصناعية الثالثة فتقع على بعد 10 كيلو مترات من قرية ''الديابة'' لخدمة مركز ابو قرقاص، والرابعة على بعد 10 كيلو من كمين شرطة قرية ''الصفا'' لخدمة مركز المنيا, على أن يتم إنشاء ثلاث مناطق صناعية بنفس الظهير الشرقي بشمال المنيا، تبدأ بالمنطقة الصناعية الخامسة وتقع شرق قرية ''جبل الطير'' لخدمة أهالي مركز سمالوط، والسادسة على مسافة 5.5 كيلو من نقطة مرور الشيخ فضل لخدمة مركز مطاى، والسابعة على مسافة 2 كيلو متر لخدمة مركز بني مزار والثامنة شرق قرية ''شارونة'' لخدمة مركز مغاغة.
وفي الظهير الصحراوي الغربي، تم تخصيص 8 مساحات مماثلة، تقع الأولى على بعد 7 كيلو مترات غرب قرية ''دلجا'' مركز ديرمواس، والثانية على بعد 7.5 كيلو غرب قرية ''تونة الجبل'' بمركز ملوي، والثالثة على 6.5 كيلو غرب قرية ''بلنصورة'' بمركز ابو قرقاص، والرابعة على بعد 5 كيلو من مدخل مدينة المنيا الصحراوي، والخامسة على بعد 1.5 كيلو من قرية ''شوشة'' مركز سمالوط، والسادسة على بعد 1.5 كيلو من قرية ''البهنسا'' مركز بنى مزار، والسابعة غرب قرية 4 شمال قرية ''الجهاد'' بمركز مغاغة، والثامنة غرب قرية ''الشيخ مسعود'' على الناحية الغربية للطريق الصحراوي.
من جانبه استنكرالمهندس صلاح مرزوق، أحد صغار المستثمرين بالمحافظة, الحالة السيئة التي وصلت لها الصناعة بالمنيا، وتراجعها للخلف، وعدم تنفيذ الكثير من المشروعات رغم الاعلان عنها، وأكد أن تلك المشروعات غاية في الأهمية في حال تحقيقها وتنفيذها، لمعاناة المحافظة من ارتفاع نسبة البطالة، خاصة في القرى والعزب التي تنتشر شمالًا وجنوبًا، وتدفع آلاف الشباب للهجرة غير الشرعية، مضيفًا أن المنيا بها أكثر من 2 ونصف مليون فدان بالظهيرين الصحراويين الشرقي والغربي يمتدان لمئات الآلاف من الأفدنه التي يجب استغلالها، وتقديم المزيد من التسهيلات للمستثمرين الصغار، وهذا ليس معناه أن يتم منحهم الأراضي بشكل عشوائي، ولكن هناك تضييق كبير يمارس عليهم في وقت التخصيص أسوة بما نراه في المنطقة الصناعية بـ "المطاهرة".
واتفق معه فى الرأى حمزة كامل أحد المواطنين، الذي شدد على أهمية مثل تلك المشروعات خصوصا أن عشرات الشباب مازالوا يهاجرون للخارج بشكل غير شرعي، وخاصة دولة ليبيا رغم عدم استقرار الحالة الأمنية هناك، ويعودون قتلى، مؤكدًا أن المنيا به الكثير من رجال الأعمال والمستثمرين ويطمحون في إنشاء مصانع ومنشآت تجارية بكافة أنحاء المحافظة، ولكن يجب أن تساعدهم المحافظة والحكومة مطالبا بتشكيل مجلسًا إستشاريًا للصناعات يضم صغار المستثمرين ، وممثلي المصانع الكبرى ، ومحافظ الإقليم وبعض نواب البرلمان, بهدف تذليل كافة العقبات ، والبدء في تنفيذ المشروعات المتوقفة وعلى رأسها مشروع الستة عشر منطقة صناعية الذي سينقل المحافظة بشكل كبير لو تم تنفيذه.
وبنفس طريقة تعطل المشروعات السابقة، نجد أنه مر أكثر من عام ونصف على حريق البازرات السياحية بكورنيش النيل، التي أنشأت عام 2014 لطرحها للبيع، ضمن عملية تنشيط السياحة بالمحافظة، حيث كان من المقرر أن تصبح تلك المنطقة الأكثر جذبا للسائحين بعد المناطق الأثرية، لشراء التحف والتماثيل والمشغولات منها، إلا أن انفجار أسطوانة بوتاجاز تخص أحد الخفراء المكلفين بتأمين المنطقة قد أطاح بحلم افتتاحها، ورغم مرور شهور عديدة، فإن المحافظة لم تقم بتطوير تلك البازرات.
حيث يبلغ عدد تلك البازارات نحو 69 بازارًا، وعدد ما تعرض للحرق والتدمير 23 بازارًا، وجميعها كانت من الهياكل المعدنية المحاطة بالصاج من الجانبين والسقف، والواجهة من الزجاج، ورغم أنها كانت حلمًا لأبناء المحافظة، لدفع عجلة السياحة، كونه مشروعًا جديدًا من نوعه لإستقبال السائحين الوافدين للمحافظة لتفقد المناطق الأثرية، وافتقاد غالبية المناطق الأثرية لوجود بازارات، إلا أن آثار الرماد مازالت تخيم على الموقع هناك.
من جانبه قال اللواء نبيل منصور سكرتير عام محافظة المنيا، إن الأضرار التي أصابت البازارات المحترقة هي أضرار بسيطة وجاري تطويرها، وقد تم طرح عددا من إجمالي تلك البازارت للاستثمار، وأن محافظ المنيا عصام البديوي يتابع تلك المشروعات لأهميتها الكبرى، وسيتم تشغيلها قريبًا من خلال المستثمرين.
هناك أيضا مشكلة أراضي شركة حليج الأقطان – التى تضم عدة مصانع- والتي تعتبر أكبر وأهم مشكلات المحافظة حيث تقدر قيمة عوائد هذه الأرض 35 مليار جنيه تقريبًا، إذا ما تم استثمارها، ورغم ذلك فان المحافظة والدولة مازالت تقف مكتوفة الأيدي أمام الأحكام القضائية النهائية التي قضت بعودة الشركة إلى الدولة منذ 6 سنوات تقريبا، إلا أن الاقتراب من الشركة وأراضيها أو عودة عمالتها لها وتشغيلها مرة أخرى مازال "محلك سر".
وتقدر المساحة الاجمالية لأراضي حليج الأقطان , التى تقع في مناطق حيوية وهامة بنحو مليون و 400 ألف متر تقريبًا، وتشهد المصانع بها توقفًا تامًا عن العمل منذ أكثر من 15 عام، بسبب تكهين معداتها وبيع الأخرى، وإحالة العاملين بها إلى المعاش المبكر، وتصفية عددهم إلى أقل من 100عامل فقط، غالبيتهم من الخفراء، ورغم صدور حكم نهائي من محكمة القضاء الإداري عام 2011 بعودة تلك المصانع إلى الدولة، لكنه لم ينفذ حتى الآن.
وأكد عدد من العاملين السابقين بالشركة, أن المصانع وعودتها للحياة والعمل مرة أخرى سيساعد على تحسين الحالة الاقتصادية للمحافظة بشكل كبير وتشغيل أكثر من 4 آلاف عامل على أقل تقدير.
وقال خيري مرزوق رئيس اللجنة النقابية لمصانع حليج الأقطان، إن الشركة كانت تحقق أرباحًا ضخمة منذ إنشائها وحتى خصخصتها في عام 1997، ثم بدأت في الإنهيار بشكل مريب، بالرغم من أنه السابق لبيعها كانت قد حققت أرباحًا تقدر بـ 37 مليون جنية، بالإضافة إلى 41 مليون جنية كوديعه في البنوك، ومن هنا بدأنا في ملاحظة "تطفيش" العمال وتصفية الشركة وتحويل أراضيها للقطاع العقاري، نظرًا لوقوعها في مناطق حيوية يزيد سعر المتر الواحد بها الآن على 40 ألف جنيه، مضيفا أن المستثمر بدأت خطواته لتدمير الشركة عن طريق شل حركة الإنتاج، فبدأ بقطع خطوط الكهرباء، وتعطيل محطات المياه، وتخفيض المرتبات بشكل كبير، مع إحالة عدد كبير للمعاش المبكر عنوة ومن يرفض يتم نقله لمحافظات أخرى لإجباره على قبول الإحالة، ما تسبب في تراجع الشركة بشكل كبير، ومن ثم الانهيار الكامل.


موضوعات ذات صله

التعليقات