ياسر بركات يكتب: كيندى.. ملفات الجنس والتجسس تثير مخاوف أمريكا

بعد حفظها طوال 54 سنة، نشرت الإدارة الأمريكية نحو ثلاثة آلاف وثيقة سرية حول اغتيال الرئيس الأمريكى الأسبق جون كيندى، لكنها أرجأت كشف بعض الوثائق لستة أشهر أخرى، قائلة إنها بالغة «الحساسية». وأوضحت إدارة «الأرشيف الوطنى الأمريكى» أن «ترامب» سمح بالاحتفاظ مؤقتا ببعض المعلومات «التى يمكن أن تمس الأمن القومى، أو حفظ النظام، أو الشئون الخارجية». كما أمهل «ترامب» أجهزة المخابرات ستة أشهر، حتى ٢٦ إبريل ٢٠١٨، للتدقيق فى الوثائق التى اعتبرت «حساسة»، وشطب الأجزاء الأكثر حساسية فيها.

بين تلك الوثائق، كشفت وثيقة عن تلقى صحيفة «كمبردج» البريطانية اتصالاً هاتفياً من شخص مجهول قبل حادثة اغتيال كيندى بـ25 دقيقة فى 22 نوفمبر 1963، إذ تلقى كبير الصحفيين البريطانيين فى الصحيفة اتصالاً هاتفياً فى مكتبه من شخص غريب، قال: «اتصل بالسفارة الأمريكية فى لندن لبعض الأخبار الكبيرة»، وأنهى الاتصال بذلك. وبعد اغتيال كيندى أبلغت الصحيفة الشرطة البريطانية بما حدث. كما كشفت وثيقة أخرى عن زيارة جاك روبى، قاتل المتهم الرئيسى فى الاغتيال لى هارفى أوزوالد، لإسرائيل. وأوضحت الوثيقة أن روبى زار برفقة زوجته إسرائيل ما بين 17 مايو و7 يونيه 1962، لتكون هذه الوثيقة معزِّزة للشكوك التى دارت حول تل أبيب وعلاقتها بالاغتيال، بعد الكشف عن تبادل كيندى رسائل مع الرئيس المصرى الراحل جمال عبدالناصر تتعلق بالقضية الفلسطينية، وقيل إن كيندى وعبدالناصر اتفقا على حلٍّ للقضية الفلسطينية، يتم تطبيقه بإشرافهما.

أجهزة المخابرات السوفيتية (كى جى بى) كانت على تواصل مع لى هارفى أزوالد قبل حادث الاغتيال بشهرين، وأن أزوالد قام بزيارة مكسيكو سيتى لمدة ستة أيام قبل الاغتيال للحصول على تأشيرة سفر من السفارة الكوبية وسفارة الاتحاد السوفيتى. وتشير بعض الوثائق إلى أن هارفى أزوالد حصل على ذخيرة من مجموعة ميليشيات يمينية متشددة. كما تنقل وثيقة عن أحد عملاء المخابرات عن وكالة التجسس السوفياتية «كى جى بى» أن لديها أدلة على تورط الرئيس ليندون جونسون فى اغتيال كيندى.

لم يصدق الرئيس الروسى آنذاك نيكيتا خروتشيف أن أجهزة الأمن الأمريكية (على هذا القدر من عدم الكفاءة) بحسب لقاء عقد فى القاهرة مع الكاتب الصحافى الشهير درو بيرسن فى 24 مايو 1964، وتكون لدى بيرسن «الانطباع بأن الرئيس خروتشيف كانت لديه شكوك حول وقوف اليمين الأمريكى وراء هذه المؤامرة»، ورفض كل الحجج التى قالت عكس ذلك. وفى وثيقة لرئيس مكتب التحقيقات الفيدرالى بالبيت الأبيض إدجر هوفر بعد يومين من اغتيال كيندى، أبدى فيها قلقه من أن مقتل أزوالد سيولد شكوكاً بين الأمريكيين وقال فى الوثيقة: «الشىء الذى أشعر بالقلق إزاءه هو إصدار شىء ما حتى نتمكن من إقناع الرأى العام أن أزوالد هو القاتل الحقيقى». وأعرب هوفر أيضاًً عن أسفه أن الاكتشافات التى تشير إلى زيارة أزوالد للمكسيك وذهابه إلى السفارة الكوبية وتواصله مع السفارة السوفيتية قد «يعقد علاقاتنا الخارجية».

وهناك وثائق لإدجر هوفر تصف مقتل أزوالد، وتشير إلى أنه لا يوجد له مبرر فى ضوء تحذيراتنا لشرطة دالاس أن جاك روبى قد يكون وسط العامة، ويقول هوفر: «ليس لدينا معلومات مؤكدة عن روبى لكن هناك بعض الشائعات حول أنشطة سرية له فى شيكاغو». وتشير وثيقة يرجع تاريخها إلى عام 1975 حول محادثات ريتشارد هيلمز نائب مدير المخابرات المركزية فى عهد كيندى (الذى أصبح فيما بعد رئيس وكالة المخابرات) ولجنة روكفلر، التى كانت تراجع أنشطة المخابرات المركزية، تتساءل عن أى معلومات حول جهات خارجية متورطة فى اغتيال الرئيس كيندى، وما إذا كان لى هارفى أزوالد أحد عملاء المخابرات الأمريكية CIA دور بشكل أو بآخر، وتتحدث الوثيقة عن أشخاص تم رصدهم كتهديدات محتملة لكيندى ولحليفه ليندون جونسون.

دارت شكوك حتى حول المخابرات المركزية الأمريكية (سى آى إيه) نفسها. وتفيد مذكرة كتبت فى سنة 1975 بأن شائعات ظهرت بعد أيام من الاغتيال تقول إن أوزوالد عمل مع وكالة المخابرات. وبحلول 27 نوفمبر 1963، شعرت الوكالة بضرورة أن تجرى تحقيقاً داخلياً. وفى المذكرة، يقول رئيس جهاز مكافحة التجسس بول هارتمان إنه راجع سجلات، ومكاتبها الفرعية ونقاطها الخارجية، ومسئولى المحطات والعمليات السرية ولم يتوصل إلى شىء، وفق تقرير رفعه إلى مديرى الوكالة بعد أسبوع.

الثابت هو أن ملامح المؤسسة الحاكمة (وكانت أساساً شرقية التمركز) قد ارتسمت ما بين 1942و1960 بكونها ممثلةً للمجمع العسكرى الصناعى وأجهزة الأمن القومى وحليفاتهم من الشركات الكبرى فى حقول النفط والمال والإنتاج والإعلام. ومن هنا قيمة التحذير الشديد والتاريخى الذى أطلقه الجنرال آيزنهاور عقب انتهاء رئاسته فى يناير 1961، محذراً من شرور ومخاطر هيمنة المجمع العسكرى الصناعى على الحياة السياسية فى الولايات المتحدة. وكان من رموز المؤسسة حينها آلان دالاس مدير وكالة المخابرات المركزية وشقيقه جون فوستر دالاس وزير الخارجية (توفى عام 1959) وإدجار هوفر مدير وكالة المباحث الفيدرالية.

فى تلك الفترة، كان التحدى المباشر للسياسة الأمريكية فى حديقتها الخلفية (الأمريكيتين الوسطى والجنوبية) هو النظام الوليد فى كوبا بقيادة فيديل كاسترو، الذى ابتدأ وطنياً راديكالياً عندما وثب إلى السلطة مطلع 1959، لكنه تحول شيئاً فشيئاً إلى اعتناق الشيوعية.

لم يكن لانتقال السلطة من إدارة جمهورية إلى إدارة ديمقراطية أن يؤثر على خطط الوكالة، إذ سارعت إلى تطمين الرئيس الجديد بأن خططها لن ترى الفشل، وأن نجاحها مضمون. ومضى الرئيس الجديد مع خطط الوكالة، ظناً منه أن تأكيداتها الواثقة قاطعة.. ليكتشف فى أبريل 1961 أن خليج الخنازير كان فضيحة بكل المقاييس، وأن الوكالة تسببت بهزيمة معنوية لهيبة الولايات المتحدة.. وبناء على ذلك أقال مدير الوكالة آلان دالاس، وهو ما اعتبره مجمع الأمن القومى خطيئةً لا تغتفر لما يمثله هذا الرجل من توجهات المؤسسة الحقيقية فى الهيمنة الشاملة على العالم، ناهيك بالحديقة الخلفية.

حاول كيندى فى العام ذاته أن يمضى فى طريق تخفيف سعار الحرب الباردة عبر اللقاء مع خروشوف فى فيينا، ولم يوفق لأن قيود المؤسسة كانت كابحة. لكنه ارتكب خطيئة العمر، من وجهة نظر المجمّع، عندما رفض غزو كوبا واجتياحها فى أكتوبر 1962، واكتفى بفرض الحصار البحرى حولها، ثم عقد صفقة رفع الحصار عنها مع خروشوف، مقابل تفكيك الصواريخ البالستية من القواعد الأطلسية فى تركيا. وبعد هذه المواجهة، اتجه تفكير الرئيس كيندى إلى ضرورة تخفيض وتائر الحرب الباردة، وتوجيهها وجهة سلمية تنافسية.

عبّر عن هذه النزعة بجلاء فى خطابه بالجامعة الأمريكية بواشنطن فى يونية 1963، عندما تحدث بقوة عن ضرورة السيطرة على سباق التسلح النووى، قبل أن يشتطّ ليصبح مصدر استنزاف للجميع وبؤرة توتر قد ينفلت من عقاله، ولو بأسلوب الحرب غير التقليدية. ومنذ أوائل الستينيات، بدأت المؤسسة بالتدخل المباشر العسكرى وشبه العسكرى فى فيتنام ولاوس بحجة مجابهة التغلغل الشيوعى فى البلدين، ووصل حجم القوات الأمريكية فى فيتنام الجنوبية مع عام 1963 إلى 16 ألف جندى.

شعر كيندى مع صيف ذلك العام بأن فيتنام تتحول تدريجياً إلى مصيدة استنزاف للقوة الأمريكية، وأن الانفكاك منها ضرورى، ومن هنا قراره بالانسحاب التدريجى ليكتمل غداة انتخابات الرئاسة فى نوفمبر 1964.

جملة السياسات تلك: توجيه الحرب الباردة وجهة سلمية تنافسية وقرار الانسحاب من فيتنام ورفضه غزو كوبا 1962 وتبرؤه من خليج الخنازير وإقالته المسئول عنه، شكلت جل أسباب قرار المجمع العسكرى الصناعى/ مجمع الأمن القومى بتصفية جون كيندى، قبل أن يستفحل خطره عبر إرادة شعبية تعود به إلى البيت الأبيض فى نوفمبر 1964، ويتمكن عبرها من تحويل دفة المؤسسة من وجهة الصراع إلى وجهة التنافس.

يُضاف هنا سبب داخلى ذو قيمة، وهو قرار كيندى الرئيس وشقيقه روبرت كيندى وزير العدل تصفية شبكات المافيا مرة وإلى الأبد، وبالتالى استئصال شأفة الجريمة المنظمة، التى جثمت عبئاً على المجتمع المدنى الأمريكى لعقود طويلة. ولعل جون كيندى هو الرئيس الأمريكى الأول والأخير الذى فتح ملف قضية اللاجئين الفلسطينيين، وحاول من منظوره التوصل إلى حلول لها. وطبيعى أن رغبته لم تكن تمكين مليونى لاجئ (حينها) من العودة إلى ديارهم، لكنه فكر فى حلول وسط تمكن بعضهم من ذلك (وبما لا يسرّ حتماً إسرائيل وحلفاءها الأشداء فى واشنطن).

عبّر كيندى عن رغباته فى رسائله الشهيرة لجمال عبدالناصر فى ربيع 1961، والتى استمرت حيناً، وعرفت برسائل كيندى ناصر فى ملفات التاريخ. لكن هذه المحاولة تم وأدها بأن قامت وكالة المخابرات المركزية بإضعاف عبدالناصر عربياً عبر رعايتها لانقلاب الانفصال السورى فى سبتمبر 1961، بتمويل سعودى وصل إلى 12 مليون دولار، وبتنسيق لوجستى أردنى، وباعتراف تركى فورى. وعام 1957 قام جى موليه رئيس وزراء فرنسا الاشتراكى، وأحد المتواطئين الثلاثة فى الحرب على مصر عام 1956 (حليفاه: إيدن وبن جوريون)، بمنح إسرائيل مفاعلاً ذرياً عالى الطاقة يمكّنها، خلال أقل من عقد، من امتلاك السلاح الذرى. وقد نال ذلك القرار موافقة إدارة أيزنهاور طالما أن الوتيرة تحت سيطرتها، وكذلك قرار الاستخدام من عدمه. ومع تلك الخطوة مشت إسرائيل إلى طريق امتلاك السلاح الصاروخى البعيد المدى، وكانت الباكورة صاروخ أريحا-١ عام 1961.. وفى الوقت ذاته، كانت مصر عبدالناصر تلحق لاهثةً بإسرائيل على المحورين أنفسها، ولكن بإمكانات أضعف ومردود أقل. وحصلت مصر عام 1955 على مفاعل أنشاص الصغير، ثم بدأت تجاربها على الصواريخ بمساعدة العديد من العلماء الألمان.

رداً على أريحا-١ أجرت مصر فى يوليو 1962 تجربة على صاروخى القاهر والظافر. ورغم أنهما كانا يفتقران إلى أجهزة التوجيه (وهو وضع دام حتى حرب 1967)، إلا أن إحساس إسرائيل بالخطر تنامى إلى درجة الهلع، ومن هنا قرار إدارة كيندى فى أغسطس 1962 تزويد إسرائيل بصواريخ هوك للدفاع الجوى، وهى خطوة كسرت حظر السلاح الأمريكى المفروض على إسرائيل ومصر وسوريا منذ البيان الثلاثى عام 1950.

كان الهدف تطمين إسرائيل وضبط إيقاع حركتها، وترافقت تلك الخطوة مع قرار كيندى وقف تصاعد سباق التسلح فوق التقليدى بين مصر وإسرائيل، وذلك عبر طلب التفتيش على مفاعلى ديمونة وأنشاص وعلى مصانع الصواريخ لديهما. مانعت إسرائيل كثيراً فى الانصياع لهذا الطلب مؤيدةً بمعظم طاقم المؤسسة الأمريكية، بل وصل الأمر فى اللقاء الأخير بين بن جوريون (قبل استقالته) وكيندى فى يونيه 1963 إلى إنذار الأخير للأول بحتمية الانصياع وإلا.

فى 26 سبتمبر 1962 قامت ثورة اليمن، وأصبح مصير النظام الجمهورى الوليد معرضاً لانتكاسة شبيهة بما حصل لانقلاب 1948. وفى مطلع أكتوبر 1962 استجاب عبدالناصر لطلب ثوار صنعاء الملح بإرسال قوات مصرية لإنقاذهم، وكان الظن أن ذلك لن يحتاج إلى أكثر من كتيبة، وفى أقصاها لواء. لكن مسار الحرب سرعان ما اتخذ شكلاً آخر، بحيث إن الحجم وصل إلى فرقة خلال شهور قليلة. وردّ كيندى على ذلك بخطوتين: الأولى فرض نقل السلطة الحقيقية فى الجزيرة إلى فيصل ولى العهد ورئيس الوزراء، وهو المعروف بتصلبه وكراهيته الشديدة لناصر. والثانية إرسال طائرات ف-5 إلى قاعدة الظهران فى تظاهرة تأييد علنية تحت اسم «الجدار الصلب». وتصاعدت العمليات العسكرية فى اليمن وتواصلت الغارات الجوية المصرية على قواعد انطلاق الملكيين فى جيزان ونجران داخل الجزيرة.

فى الوقت ذاته، خطا كيندى خطوة لافتة فى نوفمبر 1962 عندما قرر اعتراف الولايات المتحدة الرسمى بالنظام الجمهورى فى اليمن. ومع هذا القرار، بدأ كيندى الترتيب لفرض فض اشتباك عسكرى فى اليمن يضمن خروج الجيش المصرى منه، وكفّ يد آل سعود عن دعم الملكيين، وإبقاء النظام الجمهورى مع السماح للملكيين (عدا أسرة حميد الدين) بالانضواء فى تشكيلاته الحاكمة. أوفد كيندى مطلع عام 1963 مبعوثه الشخصى ألزوورث بنكر للوساطة بين الأطراف وفق التصورات السالفة. فى أبريل 1963، وافق عبدالناصر على الصفقة الأمريكية كما هى، وبدأ من جانبه بسحب قواته من اليمن، كما تم مع جزء منها فى الشهر الذى يليه.


التعليقات