ياسر بركات يكتب: تركيع المسلمين فى فرنسا!

وقائع إهدار حقوق الإنسان التى لا يعرفها أصحاب السبوبة

سياسيون وبرلمانيون يحاصرون 200 مصلٍّ فى شوارع باريس
مظاهرات بالنشيد الوطنى الفرنسى لمنع صلاة الجمعة
فرنسا أغلقت قاعة الصلاة.. والمتظاهرون رفضوا أداء الصلاة فى الشوارع

ـ المنظمات الحقوقية تعمل وفق أجندة المصالح الدولية وتخدم خصوم مصر
ـ لماذا لم نسمع صوت الحقوقيين فى كوارث القتل والإبادة؟! ولماذا يصر أباطرة التمويل على انتقاد مصر فقط؟!
خمسة ملايين مسلم يعيشون فى قلق من إجراءات عنصرية ضدهم.. فمن يدافع عن حقوقهم؟
المحتجون أعضاء فى مجالس محلية أو برلمانيون من حزب الجمهوريين الذى يمثل يمين الوسط، وقاموا بمسيرتهم بعد أن طلب ريمى ميزو، رئيس بلدية كليشى، من وزارة الداخلية حظر الصلاة فى الشوارع، وأضاف "أنا مسئول عن الحفاظ على الهدوء وحرية الجميع فى البلدة". أما فاليرى بيكريس، رئيس مجلس باريس الإقليمى، الذى تزعم الاحتجاج فقال "لا يمكن الاستحواذ على الفضاء العام بهذا الشكل".
ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن أحد المصلين، اسمه عبدالقادر، أنهم يريدون مكانا يحفظ كرامتهم يؤدون فيه الصلاة، وأنهم لا يستمتعون باضطرارهم للصلاة فى الشارع، كما عبر عبدالقادر عن استيائه من غناء المحتجين النشيد الوطنى الفرنسى (المارسييز)، وقال "ماذا يريدون من هذا؟! نحن فرنسيون أيضا! عاشت فرنسا".
لن تلتفت المنظمات الحقوقية إلى مسلمى فرنسا الذين لا يجدون مكانا يؤدون فيه صلاتهم، وتجرى محاولات منعهم أيضًا من أداء صلاة الجمعة فى الشارع، لأن ملف حقوق الإنسان لا يتم فتحه أو استخدامه إلا فى شن حملات الهجوم على دول بعينها يختارها ممولو تلك المنظمات، فتنطلق التقارير التى تفتقد أبسط معايير النزاهة أو أى معايير من أى نوع تعدها تلك المنظمات المشبوهة" المرتبطة بدول كبرى تدللها وتحميها وتغدق عليها المليارات.
فرنسا ليست وحدها التى تنتهك حقوق الإنسان؛ إذ سبق أن قامت بريطانيا بإعفاء جنودها من القانون الإنسانى الأوروبى لتفادى تعرضهم لملاحقات تعسفية تتعلق بعملياتهم الخارجية. وأقرت قانونا يسمح للعسكريين البريطانيين بعدم الخضوع للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان حين يشاركون فى نزاعات فى الخارج. واستهدف القانون، الذى تم الإعلان عنه خلال مؤتمر حزب المحافظين المنعقد فى بيرمنجهام وسط إنجلترا، إلى منع رفع شكاوى ضد القوات المسلحة البريطانية.
ونشير بالمرة، إلى أن "فريق الادعاءات التاريخية فى العراق" المكلف بالتحقيق فى الاتهامات، التى يوجهها مدنيون عراقيون إلى جنود بريطانيين خلال الفترة ما بين اجتياح العراق عام 2003 ورحيل القوات القتالية من هذا البلد عام 2009، نشير إلى أن هذا الفريق كشف فى 31 مارس 2016 أنه يجرى تحقيق فى 1374 حالة سوء معاملة واختفاء وقتل، تمت تسوية 326 حالة منها، بتعويضات قيمتها 20 مليون جنيه إسترلينى!
أيضا، تسعى بريطانيا إلى التخلص من قوانين حقوق الإنسان العالمية وسن قانون خاص بها لحماية جنودها وصحفييها من الملاحقات القضائية، وهو ما جعل المكتب البريطانى لحقوق الإنسان يوجه رسالة استغاثة للسياسيين البريطانيين، تطالب بانقاذها من نوايا الحكومة البريطانية وحزب المحافظين على وجه الخصوص الداعية إلى سن قوانين حقوق إنسان خاصة بالمملكة المتحدة والخروج من مظلة منظمة حقوق الإنسان العالمية ومحكمتها وقوانينها.
وقال المكتب فى الرسالة التى وقع عليها 150 منظمة ومؤسسة بمناسبة اليوم العالمى لحقوق الإنسان: "إن اليوم هو اليوم العالمى لحقوق الإنسان، والعالم يحتفل بإعلان حقوق الإنسان التى استلهمت روحها من الماجنا كارتا لتجعل منها ماجنا كارتا لكل العالم بما فيها قوانين حقوق الإنسان فى بريطانيا".
وحاول المكتب من خلال رسالته تذكير الحكومة البريطانية بالدور التاريخى الذى لعبته بريطانيا فى مجال حقوق الإنسان والحريات العامة فى محاولة منها لثنى الحكومة عن نواياها بالخروج من منظمة حقوق الإنسان العالمية واتفاقياتها، كما حذر بأن حقوق الإنسان فى بريطانيا غير مضمونة فى المستقبل.
وتؤكد التقارير المتوالية فى الإعلام الغربى على أن الحكومة البريطانية تريد أن تحمى قوانينها المخالفة لقوانين محكمة حقوق الإنسان مثل حق المسجونين فى الاقتراع فى الانتخابات، حيث تعتبر بريطانيا الدولة الوحيدة فى العالم التى لا تسمح للمسجون فى المشاركة فى الانتخابات حتى لو كانت مدة إيقافه عدة أيام.
وتستهدف الحكومة البريطانية من ذلك حماية جنودها فى الخارج من الملاحقات القانونية فى حال قيامهم بخرق قوانين حقوق الإنسان، التى عادة ما يطالب فيها المتضررون بتعويضات مالية تعتبرها الحكومة باهظة ولا يستطيع الجنود تحملها. كما تستهدف أيضا حماية صحفييها من دفع تعويضات مالية عما يكتبونه على الصحف، كما حدث فى حالة صحيفة "ذا صن" عندما وصفت اللاجئين بـ"الصراصير" ويجب ضرب قواربهم بالأسلحة الثقيلة!
الموضوع قديم جدا فى فرنسا وبريطانيا، تجاهل رجال الثورة الفرنسية جانبا من المبادئ التى حددوها فى 1789 بإنكارهم للمساواة الفعلية، وذلك بإقصاء الفقراء عن الحياة السياسية، إذ اقتصر حق الاقتراع سنة 1791 على ما كان يدفع قدرا أدنى من الضرائب، أى على الفئات الميسورة، وبذلك أصبحت الامتيازات والحقوق تقوم على الحسب عوضا عن النسب، كما تجاهلت الطبقات البورجوازية الحاكمة فى إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا وضع الرقيق، وأبقت على نظام العبودية على الرغم من كونه يتنافى مع حقوق الإنسان، وذلك حتى 1848 بالنسبة إلى فرنسا و1863بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، كما انتصرت الأنظمة الرجعية بقيادة إنجلترا ـحيث تغلبت المصالح على مبادئ ثورة 1688ـ على الحركات الثورية فى أوروبا فى بداية القرن التاسع عشر، وذلك إثر تحالفها ضد الثورة الفرنسية ووارثها نابليون بونابرت سنة 1815. فحاولت عندئذ تركيز نظام قوامه الملكية والكنيسة والتقاليد الاجتماعية القديمة، مع إقامة حلف ملكى ضد الانتفاضات الشعبية.
وانتهكت كذلك الطبقات البورجوازية فى أوروبا الغربية، علاوة على الحقوق السياسية للمواطن الفقير: حقوقه الاقتصادية والاجتماعية. وذلك فى خضم الثورة الصناعية التى قامت على كاهل الطبقة الشغالة، إذ كانت حينئذ الأجور زهيدة وظروف العمل والسكن والحياة بصفة عامة قاسية جداً بالنسبة إلى الشغالين؛ فكان العامل يعمل فى المصنع أكثر من عشر وحتى اثنتى عشرة ساعة يومياً، وذلك إلى جانب تشغيل النساء والأطفال فى ظرروف لا إنسانية. وهكذا لم تتوان الطبقات البورجوازية الأوروبية فى انتهاك حقوق الإنسان والمواطن عندما اقتضت مصالحها ذلك.
وكان ذلك هو حال البلاد المستعمَرة؛ حيث سلكت الدول الأوروبية الكبرى فى القرن التاسع عشر سياسة توسعية على حساب شعوب القارات الأخرى، وأخضعتها لهيمنتها سياسياً واقتصادياً، فكانت معاملتها لها معاملة الغالب للمغلوب من دون أى اعتبار لحقها فى تقرير مصيرها، ولحقوق الإنسان بصفة عامة. فعلى المستوى السياسى أصبحت القوى الاستعمارية سيدة الأمر بالمستعمرات على حساب سيادتها واستقلالها. وعلى المستوى الاقتصادى فتحت البلدان المستعمرة عنوة للبضائع الأوروبية على حساب بضاعتها المحلية، وتم ابتزاز مواردها، وذلك بالهيمنة على أخصب أراضيها ونهب ثرواتها الطبيعية، وبالتالى انتهاك حقها فى التنمية، إذ انتقل جزء كبير من هذه الموارد إلى القوى الأوربية وجالياتها التى سكنت تلك المستعمرات، إلى جانب سياسة التمييز أو سياسة المكيالين التى يقوم عليها النظام الاستعمارى.
عندما أعلن الخديو إسماعيل فى مصر سنة 1879 تحت ضغط حزب الإصلاح عن دستور يقر المواطنة ويضمن بذلك حقوق الإنسان، تدخلت بريطانيا العظمى وفرنسا لإحباطه؛ فوقع خلع إسماعيل وتعويضه بابنه البكر توفيق ثم تعطيل الدستور. وعندما أعاد الحزب الوطنى الكرة وأجبر الخديو توفيق سنة 1881 على تشكيل حكومة وطنية، وتأليف لجنة برلمانية لوضع دستور للبلاد، وقع الإعلان عنه سنة 1882، أثار ذلك حفيظة بريطانيا العظمى وفرنسا اللتين احتجتا على هذا النظام الدستورى، الذى يقوم على مجلس نيابى له حق تقرير الميزانية، بدعوى أنه يتناقض مع التزامات الحكومة المصرية التى أوكلت، تحت الضغط منذ 1876، التصرف فى ميزانية الدولة إلى صندوق الدين العام أى إلى جهاز إنجليزى ـ فرنسى. فعوض أن يترك هذا الأمر ـ كما هو الشأن فى البلدان الغربية ـ إلى برلمان ينبثق من الأمة، ويسهر على مصيرها وحقوقها، تدخلت بريطانيا العظمى عسكرياً سنة 1882 لإحباط النظام الدستورى وبسط نفوذها على مصر.

إن الغرب ومعه الأمم المتحدة التى يسيطر عليها الولايات المتحدة كما تسيطر على سائر المنظمات الأخرى على مدار العقود الماضية لم ينتصروا مطلقا لحقوق الإنسان أو الديمقراطية إلا حيثما تتحقق مصالح الغرب والكيان الصهيونى المنتهك الأول لحقوق الانسان فى فلسطين المحتلة) فقرار( الفيتو) الذى طالما استخدمته أميركا ضد أى مشروع قرار يدعو الكيان الصهيونى للامتثال لاتفاقية جنيف الخاصة بحقوق المدنيين فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، وكذلك منع صدور أى قرارات من الأمم المتحدة ضد مصالح الدول الخمس صاحبة الفيتو على حساب الشعوب المستضعفة والديمقراطية وحقوق الانسان كل ذلك يؤكد أن الديمقراطية وحقوق الانسان ما هى إلا مجرد دعاوى وشعارات تتستر خلفها القوى الدولية.
وهناك العديد والعديد من الأمثلة على أن حقوق الإنسان والحريات يتم ذبحها على مذبح المصالح وصراع الحضارات والأمثلة على ذلك لا حصر لها فى فلسطين، وسوريا، والعراق، والبوسنة، والهرسك، وأفغانستان، وافريقيا الوسطى، وبورما وغيرها؛ الأمر الذى يؤكد أن الفرق كبير وبلا حدود بين الواقع والشعارات تفضحه مواقف الغرب من الديمقراطية وحقوق الإنسان فى كل أنحاء العالم وهذا ليس بمستغرب فالغرب وأمريكا ومنظمات حقوق الإنسان لم يتحركوا تجاه موت ما يقارب 500 ألف شخص فى رواندى عام 1994 وأكثر من 200 ألف مسلم فى حرب إبادة وحشية بغطاء دولى فى البوسنة والهرسك، أما فى العراق فتسببت أمريكا وحلفاؤها الغربيون فى قتل الملايين وكذلك فى أفغانستان وما حدث ويحدث كل يوم فى فلسطين على أيدى قوات الكيان الصهيونى وما يحدث لمسلمى الروهينجا فى بورما على مدار عقود من تمييز عرقى و قتل وانتهاكات وتهجير لمئات الآلاف وما زال مستمرا حتى اللحظة كل ذلك ليس ببعيد.
الإنسان خارج حدود الغرب فى منزلة ما دون الإنسان، ولا بد أن يكون فى الدفاع عن حقوقه مصلحة ما، وهذه الإستراتيجية المزدوجة الأبعاد فى مجال حقوق الإنسان بدأت تشهد صعوبات عديدة. قبل حلول حقبة العولمة كانت جرائم الغرب يتحمل عبئها جيل ويقرأها الجيل الذى يأتى بعدها فتتحول إلى مجرد حواديت تاريخية بلا روح، لا يهتم بها إلا من له صلة مباشرة بها، ولكن الآن أصبح بإمكان المواطن إذا لم يكن من بين الضحايا أن يتابع تفاصيل الجريمة على الشاشة وفى ذات اللحظة، فأصبح بإمكانه الربط بين الجريمة وشبكة الإجرام من مخططين وممولين ومنفذين. ولا شك أن الأسلوب المعتمد فى الحديث عن هذه الجرائم عبر وسائل الإعلام بكل أنواعها، يتم بشكل سريع وماكر، حيث تتخلله الكثير من اللقطات الإلهائية التى من شأنها تبديد ذهن المشاهد والمستمع فتمنعه من التركيز والربط بين الأحداث.
ما عرضناه إلى جانب ما يحدث ليل نهار فى الأرض المحتلة، يعبّر عن المنطق السائد والفاعل، الذى ينفى بشكل قاطع وجود منظمات صادقة فى تبنيها لقضايا حقوق الإنسان، ولا يحتاج الأمر إلا قليلاً من التركيز لإدراك طبيعة الدور الذى تلعبه تلك المنظمات الذى يجعلنا نصف القائمين عليها بأنهم وكلاء أو مندوبون عن الاستعمار الجديد. ويكفينا أن نشير إلى تقرير البرلمان الأوربى الخاص بمصر الذى ثبت أنه تم نقله بالكامل بشكل يكاد حرفيا من بيان تم إرساله من حقوقيين مصريين، وكذا ذلك الخطاب الذى صدر عن مجموعة تصف نفسها بـ"مجموعة العمل الخاصة بمصر" وتضم عددًا من العاملين فى مراكز أبحاث أمريكية، وهو الخطاب الذى تم إرساله إلى الرئيس الأمريكى تطالبه بضرورة أن يبدى اعتراضه للرئيس عبدالفتاح السيسى على ما وصفته بالحملة المتسارعة ضد حقوق الإنسان والمجتمع المدنى فى مصر!
الموقعون على الخطاب أشادوا بإعلان الرئيس الأمريكى السابق، باراك أوباما، فى سبتمبر 2014 عن دعم أمريكا لمنظمات وجمعيات المجتمع المدنى وحديثه عنها باعتبارها مسألة أمن قومى، قبل أن يتناولوا ما وصفوه بأنه "انتهاكات غير مسبوقة من قوات الأمن المصرية، وعمليات القتل غير القانونى واعتقال عشرات الآلاف من السجناء المصريين والتعذيب والاختفاء القسرى".. كما تناول الخطاب قضية التمويل الأجنبى لمنظمات المجتمع المدنى، زاعمين أن الإجراءات الخاصة بهذه القضية تمثل خطورة كبيرة وأن السماح باستمرارها إلى نهايتها سيسكت جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان التى نجت من حكم استبدادى استمر لأكثر من 30 عامًا، ولم يترك سوى عدد قليل من المصريين يتمتعون بحرية التحقيق فى الانتهاكات المتزايدة.
وحذر الخطاب الرئيس الأمريكى من أن الحملة الراهنة التى يقوم بها النظام المصرى لن تقتصر فقط على المنظمات المحلية، وإنما هناك مؤشرات بأنها ستطال المنظمات الدولية التى من المحتمل أن تواجه ضغوطًا متزايدة، خاصة تلك التى ليس لديها مكاتب أو فريق عمل فى مصر. ودعا الموقعين على الخطاب الرئيس الأمريكى إلى مزيد من التحرك، وبمواجهة ما قالوا إنه تحدٍّ للسياسة الأمريكية إزاء مصر الذى استمر طيلة السنوات الماضية التى كانت صاخبة، مؤكدين أن اللحظة الراهنة حاسمة لاختبار موقف الرئيس الأمريكى من المجتمع المدنى ودعمه.
الموقعون على الخطاب طالبوا الرئيس الأمريكى بضرورة أن يوضح للرئيس السيسى بشكل قاطع، أن ما وصفوها بـ"الهجمات المستمرة على المجتمع المدنى والتضييق على المنظمات الأمريكية" سيجعل من الصعب على الإدارة أن تتعامل مع النظام المصرى فى عدد من القضايا، وستؤثر سلبا على الاستثمار الأمريكى فى مصر وعلى المساعدات المالية التى تقدمها الإدارة الأمريكية للحكومة المصرية. كما طالبوا بوقف الدعم الأمريكى لمصر، لو واصلت حكومتها ما وصفوه حربها نحو تدمير مجتمعها المدنى.
أما أبرز ما يلفت النظر فهو ظهور أسماء بعينها بين الموقعين على الخطاب مثل دانيال كاليجارت من فريدوم هاوس، وإمى هاوثورن من مشروع ديمقراطية الشرق الأوسط، وبرايان كاتيوليس من مركز التقدم الأمريكى، ونيل هيكس من مؤسسة هيومان رايتس فرست، وسارة مورجان من منظمة هيومان رايتس ووتش، وروبرت كاجان وتمارا ويتس من معهد بروكينجز، وميشيل دون من مركز كارنيجى، وإليوت إبرامز من مجلس العلاقات الخارجية، وإلين بورك من مبادرة السياسة الخارجية.
ولا يمكن فصل ما سبق عن ذلك الخطاب المشبوه الذى أرسلته 17 منظمة حقوقية مصرية إلى "زيد رعد" المفوض السامى لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، قبيل ساعات من الكلمة التى كان مقررا أن يلقيها ضمن فعاليات الجلسة الـ31 لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة بجنيف، فى 10 مارس. وهو الخطاب الذى تضمن تحريضا صريحا وواضحا ضد مصر فى سبعة ملفات أساسية شملت مزاعم بارتكاب النظام المصرى لجرائم قتل خارج نطاق القضاء واتهامات للشرطة المصرية بممارسة العنف والتعذيب وإساءة المعاملة، إضافة إلى التيمات المكررة عن قمع الحريات الإعلامية والفنية واتخاذ إجراءات صارمة ضد الأماكن الثقافية والأكاديميين، وضد العدالة الاقتصادية والاجتماعية، وضد حقوق المرأة، وضد الحريات الدينية!
المنظمات الموقعة على الخطاب حددت مجموعة من التوصيات طالبت المفوض السامى بدعمها خلال الدورة الـ31 لمجلس الأمم المتحدة. وقد تضمنت التوصيات: تمكين منظمات المجتمع المدنى فى مصر من العمل بحرية فى ظل إطار تشريعى يمتثل للمعايير الدولية، ويحافظ على أواصر التواصل مع المنظمات والجهات الدولية حول حالة حقوق الإنسان فى مصر دون التعرض لتدابير انتقامية أو لمخاطر القصاص، والحفظ الفورى لملف قضية التمويل الأجنبى "المسيسة" سيئة السمعة التى تحمل رقم 173 لسنة 2011. وضمان بيئة آمنة ومواتية لتعزيز المجال العام وحماية المراكز الثقافية بما يتيح لها تنفيذ فعالياتها.
هذا بالإضافة إلى المطالبة بتعديل قانون التظاهر رقم 107 لسنة 2013 –من خلال البرلمان– على نحو يتوافق مع الدستور المصرى والتزامات مصر الدولية، والتوصيات المقدمة فى هذا الصدد ضمن آلية الاستعراض الدورى الشامل. وكذا تعديل تعريف التعذيب بالمادة 126 من قانون العقوبات المصرى، لكى يتسق مع التعريف الأشمل الوارد باتفاقية مناهضة التعذيب. وتعديل المادة 102 من القانون رقم 109 لسنة 1971 لكى يتسق مع المبادئ الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من قبل الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين الصادرة عن الأمم المتحدة، وإلغاء الحكومة المصرية والبرلمان المنتخب حديثا المادة 98 (و) من قانون العقوبات والمتعلقة بازدراء الأديان.
كما أوصت المنظمات بضرورة مراعاة الحكومة المصرية لاستحقاقاتها الدستورية فيما يتعلق بالإنفاق على التعليم والصحة، وألا تسمح لسياسات التقشف المالى بتقويض هذه الاستحقاقات.
ولم تنسَ تلك المنظمات أن تعرب، فى الخطاب، عن قلقها البالغ إزاء ارتفاع وتيرة انتهاكات حقوق الإنسان التى ترتكبها السلطات المصرية حاليًا على نحو عنيف وصادم؛ إذ تستخدم الحرب على الإرهاب كذريعة للانتهاكات، فى ظل حالة من الطوارئ غير المعلنة، وبدعم من السلطة القضائية التى تعانى من تسيّس واضح.
وضع عشرات الخطوط تحت توصية أو المطالبة بالحفظ الفورى لملف قضية "التمويل الأجنبى"، ووصفها بـ"المسيسة وسيئة السمعة"، لضمان بيئة آمنة ومواتية لتعزيز المجال العام وحماية المراكز الثقافية والحقوقية بما يتيح لها تنفيذ فعالياتها. مع الوضع فى الاعتبار أن غالبية المنظمات التى أرسلت هذا الخطاب، ورد ذكرها فى تقرير الأمن الوطنى عن المنظمات المخالفة التى ستخضع للتحقيق، مثل مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، الجماعة الوطنية لحقوق الإنسان والقانون، الجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة المجتمعية،، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، مركز الأرض لحقوق الإنسان، المركز العربى لاستقلال القضاء والمحاماة!
أين هؤلاء من حقوق الإنسان التى تشهد أزمة حقيقية فى العالم كله وتحديدا من الانتهاك المنظم لهذه الحقوق فى الدول الكبرى التى تدعى التحضر والمدنية وتزعم أنها تدافع عن حقوق الإنسان؟! أين هؤلاء من مشكلة الفقر التى ليست مقتصرة على شعوب الدول المتخلفة أو النامية؟! ولا نكشف سرا لو قلنا إن الولايات المتحدة يوجد بها حوالى 50 مليون يعانون من الفقر والدول الغربية توجد بها أحياء فقيرة يعانى سكانها من تدنى مستوى الخدمات الأساسية، وكذلك العديد من الدول الغربية نتيجة الأزمات الاقتصادية التى تعانى منها تتجه إلى تخفيض مستوى الإنفاق على الخدمات الأساسية كتوفير الرعاية الصحية والتعليم، وتدنى مستوى المعيشة وعدم توافر فرصة للحياة الكريمة لملايين البشر فى الدول النامية والدول المتقدمة مرده إلى غياب العدالة الاجتماعية واستئثار فئة قليلة بالسلطة والثروة؛ فأعداد الأغنياء فى ازدياد وأعداد الفقراء كذلك فى ازدياد ولكن بمعدلات أسرع.
وبصفة عامة يمكن القول إن هناك غيابًا شبه كامل للحقوق الأساسية وهناك انتهاكات صارخة للحريات العامة وفى مقدمتها حرية الرأى والتعبير، وهناك انتهاك للخصوصية وذلك من خلال التنصت على ملايين البشر فى العالم، وحلفاء الولايات المتحدة لم يسلموا من تجسس الولايات المتحدة على هواتفهم الشخصية.
ومن مظاهر انتهاك الغرب لحقوق الإنسان إهدار كرامة المرأة وإنسانيتها فالمرأة فى الغرب تعانى من التمييز فى مجال العمل وتتعرض للعنف والتحرش الجنسى والاغتصاب.
والمرأة فى الغرب تحولت إلى سلعة وجسدها أصبح وسيلة لكسب المال من خلال الدعارة ومن خلال المواد الإباحية والإعلانات التجارية. وتجارة الرقيق انتشرت وبقوة فى الكثير من الدول الغربية وأسواق النخاسة عادت من جديد فى أوروبا حيث يقوم النخاسون الجدد بجلب مئات الآلاف من الفتيات من أوروبا الشرقية ومن دول آسيوية للعمل فى الدعارة.
إن انتهاكات حقوق الإنسان فى الغرب وفى العالم بصفة عامة تثبت زيف الحضارة الغربية وعجزها عن توفير حياة كريمة للغربيين وانتهاكها لحقوق الإنسان فى أماكن أخرى من العالم.
والواضح من تلك التتابعات هو أن المنظمات الحقوقية التى تتلقى تمويلا مشروعا أو غير مشروع وتعمل بإطار قانون أو خارج إطار القانون، ليست أكثر من أسلحة ناعمة تستخدمها الدول التى تمولها فى تدمير دول ومجتمعات من الداخل، وأنها القوة التى استطاعت بها الولايات المتحدة أن تحتل دولا دون أن تطلق رصاصة واحدة، بتجنيد جيل جديد من الطابور الخامس داخل الدول العربية ليقوموا بتفكيك دولهم وزعزعة استقرارها من الداخل وذلك بمساعدة التكنولوجيا بدلاً من تدخل قوات أجنبية لتقوم بهذه المهمة.
إنها مجرد استثمارات تنفق عليها دول بعينها المليارات؛ لتعود بأرباح كبيرة عليها وعلى عملائها الذين يتضح يوما بعد آخر مدى قذارة الدور الذى يلعبونه.


التعليقات