ياسر بركات يكتب عن : خطايا ترامب التى أغضبت القاهرة

الثلاثة الكبار
فى انتصار القدس

الرئيس حسم الصداقة مع الرئيس الأمريكى برصاص الكرامة

* استقبل وصوله للبيت الأبيض بالترحيب واعتبره بارقة أمل.. لكنه أعلن ضده الحرب برصاص الكلمات

* شكرى حمل أول رسالة غاضبة إلى إسطنبول وبعث بالثانية من مقر الأمم المتحدة

* شيخ الأزهر والبابا تواضروس.. زعيمان مصريان فى مواجهة أمريكا

6 ديسمبر.. اليوم الأسود فى البيت الأبيض.. وحكاية السفيرة التى حفرت قبر ترامب

عهد التميمى.. وزكريا الكفارنة

قوة الحق.. وهزيمة الوحشية

مشهد جديد من عدم الانصياع للأوامر الأمريكية ظهر فى الأمم المتحدة. وجاء قرار الجلسة الطارئة العاشرة من نوعها فى تاريخ «الجمعية العامة»، ليعبّر بطريقة أو بأخرى عن الصرخة المكتومة لعدد كبير من الدول تجاه السياسات الأمريكية التى بدأت تأخذ فى عهد دونالد ترامب شكلاً أكثر إذلالاً.

«القوة العظمى» بدت محاطة بحلفاء مثل جزيرة ناورو وجزر مارشال وميكرونيزيا. ظهرت كوحش متغطرس.. حتى الحلفاء «الطبيعيين» لم يتقبّلوا صيغة خطاب مندوبتها أو رئيسها فى الفترة الأخيرة. لكن كل ذلك لا يلغى صفقات تحت الطاولة أو ما فوقها مع دول تخجل من التصويت العلنى ضد فلسطين وتتآمر عليها فى الغرف المغلقة.

الأهم من ذلك، هو أن المواجهة السياسية والدبلوماسية الدائرة فى أروقة الأمم المتحدة كانت غير مسبوقة فى التاريخ الحديث.. للمرّة الأولى تجد واشنطن نفسها معزولة بشكل شبه كامل عن بقية أعضاء ما يسمّى المجتمع الدولى. من الصحيح أن دولاً على نفس الثقل، وبعضها من الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، سبق أن عارضت بقوّة السياسات الأمريكية فى الماضى. فعندما قررت إدارة بوش الابن شنّ الحرب على العراق، عارضت فرنسا وألمانيا، حليفتا واشنطن، إلى جانب روسيا هذا القرار بحزم، وألقى وزير الخارجية الفرنسى آنذاك دومينيك دو فيليبان خطابه الشهير فى نيويورك، محذّراً من نتائج الحرب على الاستقرار الإقليمى والعالمى. لكنّنا اليوم أمام مشهد مختلف.. لم تنجح إدارة ترامب فى إقناع أقرب الحلفاء، كبريطانيا، بصواب قرارها حول القدس. أىّ تأمّل موضوعى نسبياً ومنزّه عن الانحيازات الأيديولوجية البدائية وعن الرغبة فى عدم الإقرار بالحقائق البديهية حتى لا يستفيد منها الخصوم، ينبغى أن يخلُص إلى أننا أمام انحسار فعلى للنفوذ السياسى الأمريكى.

الهيمنة الأمريكية على العالم قامت على عدّة مرتكزات، أبرزها التفوّق العسكرى النوعى على بقية دول العالم، وانتشار القواعد الأمريكية عبر العالم، والسيطرة على أغلب مصادر الطاقة، وكذلك بناء التحالفات العسكرية والسياسية مع دول محورية على قاعدة مشتركات أيديولوجية وسياسية بينها وبين واشنطن.. القطب الأمريكى هيمن من خلال قدراته الصلبة العسكرية والاقتصادية، ولكن أيضاًً من خلال قدرته على جذب وإقناع حلفاء باعتباره نموذجاً لهم أو على الأقلّ نظاماً سياسياً شبيهاً لهم إلى حدّ ما.. ما هى حال جاذبية الولايات المتحدة اليوم بالنسبة إلى بقية دول العالم؟ نجح أوباما خلال رئاسته فى ترميم جزئى لهذه الجاذبية، بعد أن كان بوش الصغير قد أضعفها، لكن دونالد ترامب يقوم، مشكوراً، بتقويضها مجدداً.. وهو اختار سياق المعركة الحالية حول القدس ليعلن استراتيجيته للأمن القومى. هذه الاستراتيجية التى يعتبر بعض المعلّقين الأمريكيين أنها إعلان نيّات أكثر منها استراتيجية بالمعنى الفعلى للكلمة، بسبب عدم تناسب أهدافها المعلنة مع القدرات الأمريكية، إن وُضعت موضع التنفيذ فستُدخل العالم فى سلسلة من التوترات والأزمات تؤدى فى مجملها إلى تعاظم الهوّة بين أمريكا وحلفائها.

ومع أن الرئيس عبدالفتاح السيسى تربطه بالرئيس الأمريكى دونالد ترامب علاقة مميزة، بدأت قبل فوز الأخير فى الانتخابات الأمريكية إلا أن ملف القضية الفلسطينية بالنسبة إلى مصر بمثابة خط أحمر لا يمكن أن تقبل المساومة عليه.. وسبق أن رفضت مصر مقترحا أمريكيا لإحياء عملية السلام يقوم على إغلاق ملف عودة اللاجئين ووضع آلية خاصة بمدينة القدس لا تتوافق مع المصالح الفلسطينية وأحقية الفلسطينيين فى المدينة المقدسة.. كما لم تتجاوب مصر مع المطالب الأمريكية المتكررة بالضغط على الفلسطينيين من أجل القبول بالجلوس فى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل من دون شروط مسبقة، ومن دون جدول زمنى محدد.

وقبل إصدار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لقرارة كان قد أجرى اتصالات بقادة عرب وعلى رأسهم الرئيس السيسى، لكنه لم يستطع خلال الاتصال أن يتحصل على موقف متجاوب مع القرار المنتظر، بل قوبل بطلب مصرى بعدم إصدار هذا القرار لاعتبارات كثيرة.. وعقب صدور القرار كانت مصر قد بادرت بإعلان موقفها المعروف سلفا فى بيان رسمى صادر عن وزارة الخارجية، وهو البيان الذى اعتبره مراقبون بمثابة وثيقة قانونية حيث عددت مصر الأسانيد القانونية التى يستند عليها الفلسطينيون والعرب فى أحقيتهم بالقدس كعاصمة للدولة الفلسطينية.

وبمجرد صدور القرار بادرت مصر بالدعوة إلى عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن رداً على موقف ترامب، وشاركها فى توجيه الدعوة كل من: «فرنسا وبريطانيا وإيطاليا والسويد والأوروجواى وبوليفيا والسنغال».. وفى كلمته بمجلس الأمن ذكر مندوب مصر رفض القاهرة للقرار الأمريكى وأية آثار مترتبة عليه وذكر أن اتخاذ مثل هذه القرارات الأحادية يعد مخالفاً للشرعية الدولية، وتضمنت كلمة مصر بيانا بقرارات مجلس الأمن واجبة النفاذ المتعلقة بوضع القدس واعتبارها مدينة واقعة تحت الاحتلال وقرار دعوة جميع البعثات الدبلوماسية الأجنبية إلى الانسحاب منها.. وخلال الاجتماع الوزارى الطارئ لمجلس جامعة الدول العربية، حمل سامح شكرى وزير الخارجية المجتمع الدولى والأمم المتحدة مسئولية انهيار الأوضاع نتيجة عجزهما عن إنفاذ الشرعية الدولية فى قضية عمرها جاوز السبعة عقود، وذكر أن القدس أمر لا جدال فيه، كما تضمنت كلمة شكرى بيانا بالقرارات التى تستند عليها التحركات العربية ومنها قرارات مجلس الأمن أرقام 242 لعام 1967 و252 لعام 1968 و338 لعام 1973، وقرارا مجلس الامن رقما 476 و478 لعام 1980 وقرار 2334 لعام 2016 الذى يؤكد وبلغة قانونية واضحة إدانة كافة الإجراءات الرامية لتغيير الوضع الديموجرافى والجغرافى للأراضى الفلسطينية المحتلة عام 1967 ومن بينها القدس الشرقية.

أيضاً كانت كلمة الرئيس السيسى بالقمة الإسلامية بإسطنبول والتى ألقاها نيابة عنه وزير الخارجية سامح شكرى، لتؤكد موقف مصر الثابت وتطرح رؤيتها لمعالجة الأزمة بإلقاء الكرة فى ملعب المجتمع الدولى ليقوم بدوره وواجباته ومسئولياته.. وتضمنت كلمة مصر رسائل ضمنية واضحة لنائب الرئيس الأمريكى قبل زيارته لمصر على رأسها أن السلام لا يمكن أن يتأسس على استمرار الظلم التاريخى الذى يتعرض له الشعب الفلسطينى، ومصر لا تقبل أن يكون التعامل مع القدس خارج نطاق الشرعية الدولية، ثم كانت الرسائل الأبرز بأن الشعب المصرى لن يتسامح مع أى تفريط فى حقوق الشعب الفلسطينى.

ثم كان مشروع القرار المصرى الذى تقدمت به إلى مجلس الأمن وطالب بإبطال أى مفعول قانونى للقرار الأمريكى بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس.. وهو مشروع القرار الذى أسقطه الفيتو الأمريكى، فكان أن انتقل إلى الجلسة الاستثنائية الطارئة للجمعية العامة بموجب القرار 377 لسنة 1950 الخاص بالاتحاد من أجل السلام والذى يعطى الحق للجمعية العامة فى مناقشة مشروعات القرارات التى يعجز مجلس الأمن عن التعامل معها.

2

الغريب هو أن صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، ذكرت يوم الجمعة أن ترامب ليس صاحب قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وأن القادة الإنجيليين المحافظين، الذين شجعوا الرئيس دونالد ترامب حتى وصوله إلى رئاسة الولايات المتحدة، كانوا سبباً رئيسياً فى اعترافه بـ«القدس عاصمة لإسرائيل»، لأنها على رأس أولوياتهم، مشيرةً إلى ضغطهم فى هذا الاتجاه خلال لقاءات عدة مع ترامب ونائبه مايك بنس ومساعديهم فى البيت الأبيض، حيث أكد ترامب التزامه بتنفيذ وعده.

ونقلت الصحيفة عن جونى موور، الكاتب والناطق باسم الطائفة الإنجيلية، ومبعوثها لدى إدارة ترامب: «بالتأكيد أعتقد أن القرار لم يكن ليُتخذ لولا تدخل الطائفة، وتأثيرها على ترامب، كانت هذه من أولوياتنا الكبرى لمدة طويلة».. وذكرت الصحيفة أن أسباب تشبث الطائفة بالقدس لاهوتية وسياسية فى الوقت نفسه، إذ يؤمن الإنجيليون بنبوءة الكتاب المقدس أن الله وعد الأرض الإسرائيلية -والتى تشمل القدس حالياً- لإبراهيم وذريته، وكذلك يؤمنون بنبوءة أن على اليهود العودة إلى إسرائيل من تشتتهم قبل عودة المسيح، ولكن يصر القادة الإنجيليون على أن تلك النبوءات ليست عاملاً رئيسياً فى شغفهم بالقدس. وتابعت الصحيفة أن قرار نائب الرئيس مايك بنس، بتأجيل رحلته المقررة إلى الشرق الأوسط، أثار العديد من الشكوك، على الرغم من تأكيده أن قرار بقائه جاء للإشراف على تصويت قانون الإصلاح الضريبى.

كان بنس يأمل أن رحلته سوف تنهى النقد للولايات المتحدة بعد قرار ترامب حول القدس، وأن تسمح للإدارة بمواجهة أولويات أخرى مثل مواجهة إيران ومحاربة تنظيم «داعش».. لكن بدلاً من ذلك، وحد قرار ترامب أغلب الدول فى الشرق الأوسط، حتى من كانوا أقوى حلفاء ترامب فى المنطقة».. وقالت: «إن من ضمن القادة الدينيين الذين رفضوا لقاء ترامب كان شيخ الأزهر أحمد الطيب، وكذلك البابا تواضروس بابا الإسكندرية وبطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، فى خطوة جريئة».

ما يدعو للدهشة ويثير الاستفزاز أكثر وأكثر هو تأكيد المندوبة الأمريكية، نيكى هيلى، فى كلمة قصيرة أن «الأمم المتحدة معادية لإسرائيل»، وأن «واشنطن ستنقل سفارتها إلى القدس ولن يمنعها من ذلك أى قرار»، مهددة أن هذا التصويت «سيظل خالداً فى أذهاننا»، كما لمّحت إلى قطع الدعم المالى عن كل من سيقف ضد القرار الذى رأت أنه يعبر عن إرادة شعبها.. وذكّرت هيلى، التى غادرت مباشرة بعد كلمة المندوب الإسرائيلى، أن بلادها «أكبر مساهم فى الأمم المتحدة ومؤسساتها، ونحن نقوم بذلك من أجل تقدم قيمنا».. وأضافت: «نقدم التعليم والطعام للفقراء، ونبقى على إحساسنا بالمسئولية وهذه هى الطريقة الأمريكية.. عندما نكون أسخياء مع الأمم المتحدة، لدينا توقعاتنا المشروعة بأن هذا المجهود يحترم. وعندما نتعرض لهذه الهجمات، فهذا يعنى أن الدولة التى تهاجمنا لا تحترمنا».

مع ذلك، ورغم ما قالته هيلى قبل يوم عن «تسجيل أسماء الدول المعترضة» مكررة تهديد الرئيس دونالد ترامب قبل الاجتماع بليلة، تحدّت أكثر من مائة دولة ترامب، وصوّتت لمصلحة القرار الذى يدعو الولايات المتحدة إلى سحب قرارها الاعتراف بالقدس «عاصمة لإسرائيل». وبينما صوتت تسع دول ضد القرار، وامتنعت 35 عن التصويت، جاءت النتيجة بـ128 صوتاً إيجابياً لقرار هو فى العرف الأممى «غير ملزم».. وينص مشروع القرار، الذى قدمته دول عربية وإسلامية وناب عنها تركيا واليمن، على أن «أى قرارات وإجراءات تهدف إلى تغيير طابع مدينة القدس الشريف أو مركزها أو تركيبتها الديموغرافية ليس لها أى أثر قانونى، وأنها لاغية وباطلة امتثالاً لقرارات مجلس الأمن».. ويدعو القرار جميع الدول إلى «الامتناع عن إنشاء بعثات دبلوماسية فى مدينة القدس، وعدم الاعتراف بأى إجراءات أو تدابير مخالفة لتلك القرارات».

والدول التى صوّتت ضد القرار هى: غواتيمالا وهندوراس وتوغو وميكرونيزيا وناورو وبالاو وجزر مارشال بجانب إسرائيل والولايات المتحدة. ومن أبرز الدول الممتنعة: الأرجنتين وأوستراليا وكندا وكرواتيا وتشيكيا والبوسنة والمجر ولاتفيا والمكسيك والفيلبين ورومانيا ورواندا.. أما أوكرانيا التى أيدت مشروع القرار فى مجلس الأمن، فكانت بين 21 بلداً لم تحضر جلسة التصويت، إذ سُجل انسحاب لمالى وأفغانستان بعد تهديدات أمريكية لهما.

شبكة «فوكس نيوز» الأمريكية ذكرت أن ترامب ذهب لخطوة أبعد من تلك التى أقدمت عليها سفيرته فى الأمم المتحدة، نيكى هالى، التى هددت أن واشنطن سترد على كل الدول التى صوتت لصالح قرار الجمعية العامة، الذى يطالب ترامب بإلغاء قراره، وستدون أسماء تلك الدول. وقال ترامب، وبجواره «هالى»: «الأمريكيون ضاقوا ذرعاً باستغلالهم من قِبَل الآخرين»، وأثنى على «هالى»، لأنها وجهت «الرسالة الصحيحة» للدول قبل التصويت.

وأضاف: «لكل الدول التى تأخذ أموالنا وتصوت ضدنا، نحن نراقب تصويتهم، فلندعهم يصوتوا ضد قرارنا، أما نحن فسنوفر الكثير من الأموال»، فى إشارة إلى المساعدات الأمريكية.. وتابع: «ولن يعنينا تصويتهم».

ونقلت «فوكس نيوز»، عن نهاد عوض، المدير التنفيذى لمجلس العلاقات الأمريكية- الإسلامية، فى تغريدة، تعليقاً على تهديدات ترامب، قائلة: «لا ينبغى على حكومتنا استخدام قيادتها فى الأمم المتحدة من أجل البلطجة وابتزاز الدول الأخرى، التى تسعى من أجل الحرية الدينية والعدل فى القدس، فالعدل هو إحدى القيم الأساسية التى تقوم عليها المسيحية والإسلام والبوذية».

وحسب الشبكة، توقع دبلوماسيون غربيون أن تصوت 150 دولة على الأقل لصالح مشروع القرار فى الجمعية العامة، وتوقعوا أن يصل عدد الدول المؤيدة إلى 180 دولة، من إجمالى 193 دولة.. وقال مسئولون بالحكومة الإسرائيلية، إن إسرائيل تقوم بحملة ضغط عالمية ضد القرار المقدم للجمعية العامة، وإن التصويت سيوضح ما إذا كانت جهود رئيس الوزراء الإسرائيلى، بنيامين نتنياهو، قد نجحت فى استقطاب دعم جديد من دول العالم النامى.

وأشارت «فوكس نيوز» إلى أن تصرفات المندوبة الأمريكية داخل الأمم المتحدة وخارجها أعادت إلى أذهان بعض الدبلوماسيين ما حدث قبل حرب العراق فى 2002، حين شن الرئيس الأمريكى الأسبق، جورج بوش الابن، حملة ضد فرنسا والدول التى اعترضت على تأييد قرار مجلس الأمن الذى يشرعن الحرب. كما ذكرت صحيفة «جارديان» البريطانية، أنه رغم الاتهامات التى طالت ترامب بالبلطجة والابتزاز، فإنه ونتنياهو لم يكفا عن الاستمرار فى حملة هدفها كسب أصوات الدول لصالح قرار ترامب فى الجمعية العامة.. ولفتت الصحيفة إلى أن بعض المتابعين يرون أنه رغم تهديدات ترامب بقطع المساعدات- التى على الأرجح يُقصد بها مصر والأردن، اللتان ستصوتان ضد القرار الأمريكى- فإنه على الأرجح لن يتمكن من تنفيذ تهديداته، ورغم التقارير التى تتحدث عن العلاقات الدافئة بين السعودية وإسرائيل، فإن العاهل السعودى، الملك سلمان بن عبدالعزيز، أعلن أنه سيمضى فى تأييده للقدس الشرقية عاصمة مستقبلية لدولة فلسطين.

ردّ الفعل الإسرائيلى الرسمى لم يختلف عن رد الفعل الأمريكى، والاثنان اتفقا على أنهما تلقيا صفعة دولية موجعة، ويمكنك أن ترى بوضوح الإقرار بالهزيمة واضحاً جداً، وإن كان بتعالٍ واضح أيضاًً، وتكفى معاينة التصريحات الرسمية كما وردت على لسان المسئولين فى تل أبيب، كى يتبيّن حجم الهزيمة ومستواها.. بالطبع، لا تعنى نتيجة التصويت قلب موازين الاحتلال واختلاله تجاه القدس والحقوق الفلسطينية، لكن تبيّن لإسرائيل، من جديد، أن الموقف الدولى بما يتعلق بإمكان التعايش المطلق مع احتلالها وتجاوزاتها، لم يصل إلى الحد الذى كانت تأمل، رغم كل المساندة التى لديها شرقاً وغرباً، وللأسف أيضاًً، من قبل دول «الاعتدال» العربى التى تكاد تزايد على موقف إسرائيل من القضية الفلسطينية والقدس.

سارع مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلى، بنيامين نتنياهو، إلى إدانة الحدث، قائلاً: «إن إسرائيل ترفض قرار الأمم المتحدة، وتعرب فى الوقت نفسه عن ارتياحها للعدد الكبير من البلدان التى لم تصوت له، فى أوروبا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية».. وأضاف البيان: «تشكر إسرائيل الرئيس دونالد ترامب على موقفه المطلق»، وأكد نتنياهو أن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل سيتسرب فى نهاية المطاف إلى أروقة الأمم المتحدة، التى تشكّل كما قال «بيت الأكاذيب».. وأضاف أن «القدس هى عاصمة إسرائيل، سواء اعترفت بذلك الأمم المتحدة أو لم تعترف»، وتعمد اقتناص الفرصة على خلفية تحسين موقفه فى صراعه الداخلى على المكانة والسلطة فى إسرائيل، من خلال إظهار جهده الذى حال دون مستوى أعلى من الهزيمة، إذ لفت مكتبه فى بيان إلى أنهم «راضون عن عدد الدول التى لم تصوت بالإيجاب».

القوس السياسى والحزبى فى إسرائيل كان «ساخطاً»، ووجّه الانتقادات المعتادة إلى الأمم المتحدة، واتهمها بالوقوف إلى جانب «الإرهاب»! وزير الأمن الإسرائيلى، أفيغدور ليبرمان، قال: «لا جديد فى الأمم المتحدة، ومن الجيد أن الولايات المتحدة هى منارة الأخلاق وضوء فى الظلام».. أما وزير التعليم، نفتالى بينت، فأكد أن «التصويت فارغ من قيمته»، واكتفى رئيس الكنيست، يولى ادلشتاين، بالقول إن «العار على الأمم المتحدة»، وجاء فى سياقه تعليق رئيس حزب «يش عتيد» يائير لابيد، بأن «الأمم المتحدة فقدت كرامتها، وحلفاء إسرائيل الأوروبيون استسلموا ووقفوا إلى جانب من يساندون الإرهاب والإبادة الجماعية بدلاً من الوقوف إلى جانب الديمقراطية الوحيدة فى الشرق الأوسط».

وزارة الخارجية الإسرائيلية، التى يشغل نتنياهو منصب الوزير فيها، أشارت أيضاًً فى بيان لها إلى أن «عدد الدول التى لم تدعم القرار بالإضافة إلى الدول التى غابت عن التصويت هو المعطى الأهم، إذ لم يشترك كل العالم فى هذه التمثيلية»، فى توافق تام مع سياسة نتنياهو، على ضرورة النظر فى الفرص وليس إلى التهديد وحسب، وكما قالت قناة «كان» العبرية، إلى «ثلث الكوب الملآن أو اقل من ذلك» فى تهكم منها على هذه المقاربة.

وهذه المقاربة وجدت صداها فى صحيفة «إسرائيل اليوم»، التى تُعَدّ الناطقة غير الرسمية باسم نتنياهو، والتى عنونت على صدر صفحتها الأولى بالخط العريض: «إنجاز لإسرائيل، 35 دولة امتنعت عن التصويت فى الأمم المتحدة»، مشيرة إلى أنّ «لوحة التصويت فى الجمعية العمومية تلوّنت بـ35 مربعاً باللون الأصفر– وهو لون يشير إلى أن التاريخ يتغيّر- كانت هذه 35 دولة امتنعت عن التصويت للتنديد بقرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، انضمت إليها 9 دول أخرى عارضت، و(فقط) 128 دولة صوتت مع القرار».

إلا أن استراتيجية «الإنجاز رغم الخسارة»، لم تجد تعبيراتها بنحو لافت خارج الناطقين غير الرسميين باسم نتنياهو فى الإعلام العبرى. صحيفة «يديعوت أحرونوت» أشارت فى صدر صفحتها الأولى إلى أن «العالم تقريباً كله ضدنا»، وجاء فى سياقها عنوان صحيفة «هآرتس» أن «128 دولة صوتت ضد الإعلان الأمريكى أن القدس عاصمة لإسرائيل»، أما صحيفة «معاريف»، فأشارت إلى أن «128 دولة ضد إسرائيل»، فيما جاء عنوان صحيفة «جيروزاليم بوست» أكثر مباشرة: «128 أمة أعلنت أن قرار أمريكا حول القدس فارغ وبلا قيمة».

صحيفة «هآرتس» أشارت إلى أن «مهرجان القدس» فى الأمم المتحدة هو هدية لطهران، وأن على إسرائيل أن تقلق، مضيفة أن «قرار الجمعية العامة أبقى إسرائيل من جديد بلا عاصمة معترف بها. تهديدات ترامب وسفيرته (نيكى هيلى) فى الأمم المتحدة، ليس فقط لم تكن ذات فائدة، بل ألقت الإدارة الأمريكية فى حفرة ضيقة، يوجد فيها فقط مكان لمقاتلين: إسرائيل والولايات المتحدة». وأضافت أنّ أهم التداعيات السلبية للقرار فى الأمم المتحدة، أنه كان قراراً عالمياً على عدم الثقة بالرئيس الأمريكى (دونالد ترامب)، وإسرائيل ستعانى من شظايا هذا التصويت فى المرة المقبلة عندما تريد تجنيد المجتمع الدولى لأى جهد مشترك ضد إيران أو أى عدو آخر.

فى المقابل، قال بيان عن الرئاسة الفلسطينية إن «تمرير قرار القدس يعبر مجدداً عن وقوف المجتمع الدولى الذى لم يمنعه التهديد والابتزاز إلى جانب الحق الفلسطينى»، فيما قال كبير المفاوضين الفلسطينيين، صائب عريقات، إن القرار بشأن القدس «يعنى أن إعلان ترامب لاغ وباطل»، مضيفاً أن ما حدث «رد اعتبار كرامة جميع دول العالم ومنظومتها القانونية التى أهانتها الولايات المتحدة وحاولت ترهيبها ورشوتها وابتزازها». كذلك، رأى السفير الفلسطينى لدى الأمم المتحدة رياض منصور، أن التصويت «هزيمة كبيرة» لواشنطن.

3

خلال المؤتمر المشترك بين عباس وماكرون، جدّد الأول تأكيده أن «الولايات المتحدة لم تعد وسيطاً نزيهاً فى عملية السلام بعد قرار الرئيس دونالد ترامب»، مضيفاً أن السلطة «لن تقبل أى خطة من الولايات المتحدة بسبب انحيازها وخرقها القانون الدولى»، وداعياً فى الوقت نفسه «الدول التى لم تعترف بعد بدولة فلسطين إلى أن تفعل ذلك».

لكن الرئيس الفرنسى ردّ بالتشديد على «المواقف الداعمة لإيجاد حل سلمى للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين»، مضيفاً أن واشنطن باتت «مهمشة» بعد إعلانها الأخير بشأن القدس.. وقال: «الأمريكيون مهمشون فى هذا الملف، وأحاول أن لا أفعل المثل»، لكنه شرح أنه لن يعترف بدولة فلسطينية بشكل أحادى الجانب لأن ذلك لن يكون «مجدياً»، لافتاً إلى أن بلاده «ستعترف بدولة فلسطينية فى الوقت المناسب وليس تحت الضغط.. لا نبنى خيار فرنسا على أساس رد فعل على السياسة الأمريكية».

وكما فى زيارة السعودية، التى سبقت زيارة عباس لفرنسا، حضر معه رئيس هيئة الشئون المدنية حسين الشيخ، ورئيس جهاز «المخابرات العامة» ماجد فرج، إضافة إلى مستشاره مجدى الخالدى، والسفير الفلسطينى لدى فرنسا، سلمان الهرفى، فيما كان فى الجانب الفرنسى عدد من كبار المسئولين؛ من ضمنهم وزير الخارجية جان إيف لودريان.

عن زيارته الأخيرة للرياض، قال عباس إن «السعودية لم تتأخر يوماً عن دعم الشعب الفلسطينى فى المجالات كافة، ولم تتخلّ عن دعم القضية الفلسطينية».. وأضاف: «السعودية كما تعلمون جميعاً علاقاتها قوية منذ الأربعينيات مع أمريكا، لكن القضية الوحيدة الشائكة بينهما هى القضية الفلسطينية.. السعودية تدعم الحلول الخاصة للقضية»، مشدداً على أنها «لم تتدخل فى الشئون الداخلية لفلسطين.. السعودية تؤيد أن تكون القدس الشرقية عاصمة لفلسطين، والملك سلمان قال لى: لن نحل قضية الشرق الأوسط قبل أن تقوم دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية، وهذا ما كرره الملك وولى عهده».

بالتزامن، اندلعت مواجهات عنيفة عقب صلاة الجمعة مباشرة فى مدن وقرى الضفة والقدس المحتلتين وعلى الشريط الحدودى لقطاع غزة فى جمعة الغضب الثالثة، ما أدى إلى استشهاد شابين وإصابة أكثر من 150 مواطناً بالرصاص الحى والاختناق.. ووفق الإحصاءات، دارت المواجهات فى أكثر من 40 نقطة فى المناطق كافة، فيما أدى نحو 45 ألف مصلّ من القدس والداخل المحتل صلاة الجمعة فى باحة المسجد الأقصى، وسط إجراءات إسرائيلية مشددة على أبواب المسجد منذ أكثر من أسبوعين. وعقب الصلاة، تظاهر الآلاف رافعين العلم الفلسطينى إلى جانب صورة الشابة المعتقلة عهد التميمى، مطالبين بإطلاق سراحها.. وكان نصيب غزة من الشهداء والإصابات الأعلى، بعدما اندلعت اشتباكات فى مناطق عدة على الشريط الحدودى، منها معبر بيت حانون، وشرق جباليا، وقرب موقع ناحل عوز شرق غزة، والبريج، وخان يونس، ورفح.. ووفق شهود عيان، تعامل جيش الاحتلال بقسوة مفرطة، وأطلق مباشرة النار على المتظاهرين، ما أدى إلى استشهاد الشاب زكريا الكفارنة شرق جباليا، كما استشهد الشاب محمد نبيل محيسن من حى الشجاعية، بجانب نحو 80 إصابة.

أما فى الضفة، فإضافة إلى القمع بالقوة المفرطة أيضاًً، سُجل استهداف مباشر للصحفيين والطواقم الطبية وتعمد إيذائهم وتخريب معداتهم ومنعهم من ممارسة مهماتهم. وشملت التظاهرات مناطق: قلنديا والرام وأبوديس شمالى القدس، وبدرس والنبى صالح وبيت سيرا وبلعين ودير نظام والجانية غربى رام الله، والمغير شمالى رام الله، وبيت فوريك شرقى نابلس، وجيوس وعزون شرقى قلقيلية، حى النقار غربى قلقيلية، ومدخل مدينة سلفيت، ومخيم عايدة شمالى بيت لحم، وسعير وحلحول وبيت أمر شمالى الخليل، وطمون طوباس وبلدة قفين شمالى طولكرم. وقرب جسر حلحول، شمالى الخليل، أطلق جنود الاحتلال الرصاص على سيارة فلسطينية بدعوى محاولتها تنفيذ عملية دهس ضد جنود، فيما ذكرت مصادر إسرائيلية أن سائق السيارة تمكن من الهرب من المكان من دون وقوع إصابات فى صفوف الجنود أو راكبى السيارة.

السؤال المهم الذى يطرح نفسه فى هذه اللحظات: هل تدفع مصالح رجل الأعمال دونالد ترامب إلى إلغاء قراره المتعلق بالقدس مقابل ثمن يمكن التفاوض عليه يخدم الأطراف؟!

فى ظل الضجة الكبيرة التى سببها قرار الرئيس الأمريكى بنقل السفارة من تل أبيب إلى القدس يوم الأربعاء 6 ديسمبر 2017، وفى ظل ردود الفعل الغاضبة والكبيرة وغير المتوقعة فى العالم التى وصلت إلى 1200 تظاهرة فى يوم واحد بمشاركة آلاف بل ملايين المحتجين على هذا القرار، من عمان إلى مدريد، ومن رام الله إلى باريس، ومن تونس إلى طهران، ومن القاهرة إلى بكين، ومن دمشق إلى هافانا، ومن بيروت إلى موسكو، تضاعفت التكهنات بنتائج هذا القرار؛ فمنهم من توقع انتفاضة جديدة، والبعض الآخر توقع انهيار عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين المتعثرة أصلاً، وهناك من يظن أنه ستكون انعكاسات خطيرة لهذا القرار على الاتفاقيات الموقعة أصلاً بين الدولة العبرية وبعض الدول العربية مثل: معاهدة «كامب ديفيد» 1978 أو معاهدة «وادى عربة» 1994.

هكذا، يبدو أن الجميع -أو على الأقل الأغلبية- استبعدوا فرضية عودة الرئيس ترامب عن قراره الذى يمثل، بشكل أو بآخر، قطيعة مع سابقيه من رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية الذين ترددوا فى تنفيذه رغم إصداره من جانب مجلس الشيوخ الأمريكى فى عام 1995: فهل فعلاً يمكن تصور عودة الرئيس عن قراره بأن يقول مثلاً: «آسف، لم أعتقد أن هذا القرار سيعزل أمريكا عن العالم، وسيضعف حلفائى فى المنطقة؛ ولذلك أعتذر وأقلب الصفحة، وأعود إلى المربع الأول»؟!


التعليقات