لأول مرة.. المهن الأصلية للبابا ورجاله

تفرض حياة الرهبنة علي رجال الدين المسيحي كثيراً من الضوابط التي يصعب علي أي فرد عادي تحملها ؛لأنها تعتمد في جوهرها علي الابتعاد عن ملذات الحياة من خلال إعلاء قيم الزهد والتقشف والتجرد من المناصب والألقاب المدنية والتضحية بها أمام الرتب الكهنوتية داخل الكنيسة.
يظهر ذلك جلياً مع كثير من قيادات الكنيسة الذين تركوا تخصصاتهم المدنية بكليات القمة ورفضوا المناصب المرموقة في سبيل الرهبنة والتدرج الكهنوتي والحياة داخل الجلباب الأسود.
تواضروس الصيدلي
بعد مرور 43 عاماً علي تخرج البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، من كلية الصيدلة جامعة الإسكندرية التي تخرج منها عام 1975 دفعه الحنين مرة أخرى للعودة إليها من خلال زيارة استرجع فيها ذكرياته وأسباب التحاقه بها.
ولد بطريرك الكنيسة باسم وجيه صبحى باقي سليمان في 4 نوفمبر 1952 بالمنصورة في أسرة مكونة منه وأخ وشقيقتين، ووالده كان يعمل مهندس مساحة وتنقلت الأسرة في المعيشة ما بين المنصورة وسوهاج ودمنهور والإسكندرية.
وقد حصل "وجيه" علي بكالوريوس صيدلة من جامعة الإسكندرية 1975، وحصل على بكالوريوس الكلية الإكليركية في نوفمبر 1983، كما حصل على زمالة الصحة العالمية بإنجلترا 1985.
بداية حياة الرهبة للبابا بدأت عندما ذهب إلى دير الأنبا بيشوي بوادي النطرون في 20 أغسطس 1986، ورسمه البابا شنودة راهباً في 31 يوليو 1988، وتمت رسامته قسًا في 23 ديسمبر 1989، ثم انتقل للخدمة بمحافظة البحيرة في 15 فبراير 1990، ثم نال درجة الأسقفية في 15 يونيو 1997، في 4 نوفمبر 2012، تم اختياره عن طريق القرعة الهيكلية ليكون بابا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية رقم 118.
وفي الأسبوع الماضي قام البابا بزيارة خاصة لكلية الصيدلة جامعة الإسكندرية ليستعيد ذكرياته في هذا المكان والذي قال عنه "كنت استمتع جداً بالمحاضرات، وكنت منتظماً في الحضور بمختلف مراحل التعليم".
وعن سبب التحاقه بكلية الصيدلة، أوضح أن والده كان مريضاً، وكانت هناك صيدلية أمام المنزل بسوهاج، فكانت والدته ترسله لإحضار الدواء، وكان عمره في ذلك الوقت 6 سنوات، وكان والده يشعر بالراحة بعد تناوله، قائلا: "قررت أطلع زي الراجل اللي بيريح الناس، ودخلت كلية الصيدلة، وكانت دفعة جيدة وهناك علاقات طيبة تجمعني بأبناء دفعتي".
وتابع: "سنة 1978 عملت دكتوراه، وسنة 85 درست في إنجلترا، واشتغلت في مصنع الأدوية بدمنهور، وسنة 1986 دخلت الدير، وهو أمر ليس سهلاً"
وأوضح البابا تواضروس أنه في أثناء الدراسة لم يكن يدرس الصيدلة فقط، إنما العلم العام، متذكراً أحد أساتذته الذي يدعى يحيى مينا: "قال لما ماتفهموش حاجة اتكلموا في موضوع عام".
وقال البابا "إن لجامعة الإسكندرية وكلية الصيدلة تحديدًا معزّة خاصة لدي التي علمتني الكثير وافتخر أنني تخرجت فيها، ودرست فيها بعض الدراسات العليا، ولم أتعلم من الكلية فقط العلم والصيدلة، ولكن تعلمت مفاتيح الحياة، فكان المفتاح الأول هو مفتاح الدقة إذ علمتنا الكلية كيف يكون الإنسان دقيقًا في حياته وخلال معاملته في دراسته في صناعة الدواء، والحرص على حياة الإنسان، فيما كان المفتاح الثاني هو النظام لأن الحياة لا تستقيم إلا بالنظام ودائمًا نقول إن كلمة نجاح تبدأ بحرف النون الذي هو اختصار للنظام فالنظام هو مفتاح لنجاح الإنسان.
تواضروس الشاعر
والمعروف أن البابا شنودة الراحل، من أهم شعراء الكنيسة، وذلك نظراً لنشأته التي كانت لها أثر كبير في حياته، حيث التحق بجامعة فؤاد الأول، في قسم التاريخ، وبدأ بدراسة التاريخ الفرعوني والإسلامي والتاريخ الحديث، وحصل على الليسانس بتقدير "ممتاز" عام 1947.
كان اسمه قبل الرهبنة نظير جيد، وهو ولد فى قرية سلام بمركز أسيوط وذلك في أغسطس 1923 ونظرا لوفاة والدته بعد ولادته بحمى النفاس، تولت شقيقته الكبرى رعايته مع أبيه.
وفي السنة النهائية بكلية الآداب التحق البابا شنودة بالكلية الإكليركية، وبعد حصوله على الليسانس بثلاث سنوات تخرج في الكلية الإكليريكية، وعمل مدرسا للغة العربية وكذلك اللغة الإنجليزية.

كما حضر البابا شنودة فصولاً مسائية في كلية اللاهوت القبطي، وكان تلميذاً وأستاذاُ في نفس الكلية في نفس الوقت، وكان يحب الكتابة وخاصة كتابة القصائد الشعرية، وترأس لعدة سنوات رئاسة تحرير مجلة "مدارس الأحد" وفي الوقت نفسه كان يتابع دراساته العليا في علم الآثار القديمة.
وقد رسم راهباً باسم "انطونيوس السرياني" في يوم السبت 18 يوليو 1954، ومن عام 1956 إلى عام 1962 عاش حياة الوحدة في مغارة تبعد حوالي 7 أميال عن مبنى الدير مكرسا فيها كل وقته للتأمل و الصلاة، ورسم أسقفاً للمعاهد الدينية والتربية الكنسية، وكان أول أسقف للتعليم المسيحي وعميد الكلية الاكليريكية، وذلك في 30 سبتمبر 1962

وعندما توفي البابا كيرلس في الثلاثاء 9 مارس 1971 أجريت انتخابات البابا الجديد في الأربعاء 13 أكتوبر، وتولي البابا شنودة الكرسي البابوية في الكاتدرائية المرقسية في 14 نوفمبر 1971 وبذلك أصبح البابا رقم (117) في تاريخ البطاركة.. وتوفي البابا شنودة في 17 مارس 2012 عن عمر يناهز الـ89 عامًا..
رافائيل الطبيب
وُلد الأنبا رافائيل في 6 مايو 1958، باسم ميشيل عريان الحكيم، وحصل على بكالوريوس كلية الطب من جامعة عين شمس عام 1981، رُسم راهباً بدير السيدة العذراء البراموس بوادي النطرون باسم الراهب يسطس البرموسي عام 1990، وأسقفاً عاماً لكنائس وسط البلد بيد البابا الراحل شنودة الثالث في 15 يونيو 1997.
كما حصل على بكالوريوس العلوم اللاهوتية من الكلية الاكليركية عام 1984، الذي أتاح له إلقاء العديد من المحاضرات فى شرح وتفسير الكتاب المقدس خاصة فى اجتماعات المشورة التي تعقد بالمرقسية القديمة بكلوت بك والتى يحضرها الآلاف من الشباب فى مشهد يعيد للأذهان مشهد البابا شنودة، أسقف التعليم فى الستينات.
وفي أحد لقاءات الأنبا رافائيل، أسقف كنائس وسط البلد، أشار إلي أحد المواقف التي أثرت فيه خلال دراسته بكلية الطب وقال "كان لى زميل أثناء دراستى فى كلية الطب قرر من أول يوم دراسة فى هذه الكلية أن يكون متفوقاً وليس طالباً عادياً، فعكف على المذاكرة من أول يوم وبكل اجتهاد وبالغ فى ذلك لدرجة أنه انعزل تماما عن باقى زملائه، وربما أنه تجنب العلاقات الاجتماعية لاعتقاده أنها مضيعة للوقت".
وتابع "حتى فى أوقات فراغه فى الكلية لم يكن يتحدث مع أحد إطلاقاً بل يقضيها فى المذاكرة، وأهمل كل شىْ فى حياته حتى يصل الى هدفه المقدس، وبالفعل كان ينجح ويتفوق كل عام بتقدير امتياز حتى أنهى دراسته بكل تفوق، وبدأ حياته العملية كطبيب ولكن جاءت الصدمة عندما ترك هذا الزميل مهنة الطب وبحث عن أخرى، وذلك لأنه لم يتعلم كيف يتعامل مع الناس فلم يستطع أن يتعامل مع المرضى ففشل فى حياته العملية".
وفي النهاية قال الأنبا رافائيل "ياليتنا نتعلم أن نكون ناجحين فى كل شيء وليس أن نكون بارعين فى مجال دون باقى المجالات، فلنكون ناجحين أولا فى حياتنا الروحية وخلاص أنفسنا".

بيشوي المهندس

يعد الأنبا بيشوى، مطران دمياط وكفر الشيخ وتوابعها أحد أبرز الأساقفة الذين حققوا ناجحاً وتفوقاً في دراستهم المدنية ومع ذلك ترك هذه الحياة من أجل الرهبنة.
كان اسمه قبل الرهبنة مكرم إسكندر، ولد بالمنصورة فى 19/7/1942، وهو ابن وحيد لوالدته الأرملة، حيث توفي والدة وهو صغير، تخرج كلية الهندسة من جامعة الإسكندرية وعين بها معيداً سنة 1963.
كان بطبيعته متفوقاً في دراسته بكلية الهندسة، فعُين معيداً بها وحصل علي الماجستير في وقت قصير عام 1968، وعندما قرر الدخول للدير حصل علي ثلاث منح دراسية في وقت واحد وهذا لا يمكن حدوثه في الظروف العادية.
خدم فى مدارس الأحد ببعض كنائس الإسكندرية وفى اجتماعات الشباب، ونذر لها حياته وذلك بدير السريان العامر حيث واجهته الكثير من الصعاب غير العادية لتحول دون تركه للعالم ودخوله الدير، ولكنه تغلب عليها ودخل الرهبنة فى 16/2/1969، وترهبن باسم توما السرياني وظل في الدير لمدة عامين.
فى 24/9/1972 تم ترسيمه أسقفاً وعمره 29 عاماً وعشرة شهور، رغم أن الحد الأدني لترسيم القسيس وليس الأسقف 30 سنة، ولكن البابا شنودة ولحبه الشديد للأنبا بيشوي قام بترسيمه أسقفاً وقتها.
يوأنس الجراح

لم يختلف حال الأنبا يوأنس سكرتير البابا شنودة الراحل كثيراً، فقد ولد في 23/11/1960 بمركز ملوى محافظة المنيا باسم هانى عونى عزيز، وحصل على بكالوريوس طب وجراحة من جامعة أسيوط سنة 1983، ودخل دير الأنبا بولا في 15/9/1986، وترهب فى 18/12/1987 باسم الراهب ثاؤفيلس الأنبا بولا.
قام البابا شنودة الراحل برسامته قساً في 27/5/1986، وعينه سكرتيراً له، وتم رسامته أسقفاً عاماً فى عيد العنصرة يوم 6/6/1993.
وكان والد الأنبا يوأنس محامياً وكان معروفاً بأنه رجل الحق والقانون كالسيف لا يحيد عن الحق أبداً فى قضاياه وقد استطاع تربية أولادة فأصبحوا أسقفين وهما الأنبا يؤانس والأنبا غبريال أسقف إيبارشية بنى سويف وكان كثيراً ما يداعبه البابا شنودة الثالث فيقول له "أنا رئيس الآباء أما أنت فأبو الآباء".


موضوعات ذات صله

التعليقات