أماكن تواجدها وأهم أفرادها .. 10 حكايات عن الماسونية فى مصر

أثار الإعلان الذى نشره "المحفل الماسوني" في بريطانيا على صفحة كاملة في عدة صحف قومية طالب فيه بإنهاء ما وصفه بـ"التمييز" ضد أعضائه, الجدل مجددا سواء فى دول أوروبا أو فى دول الشرق الأوسط وعلى رأسها مصر التى كانت أحد أهم معاقل هذا التنظيم خلال العقود الماضية وهى المفاجأة التى ربما لا يعرفها كثيرون.
وتشير كتب التاريخ إلى أن المكان الذى يلتقى فيه الماسونيين يسمى بالـ"محفل"، وهو المكان الذي كان يلتقي فيه - كما يعتقد - البناؤون القدماء عندما كانوا يعملون في الكنيسة أو الكاتدرائية, حيث يرتدي كل ماسوني مئزرة، يعود أصلها إلى نظرية مفادها أن الماسونية تطورت عن البناءين القدماء، الذين كانوا يلبسون المآزر لحمايتهم من شظايا الأحجار, ومن بين الماسونيين المشاهير وينستون تشرتشل، رئيس الوزراء البريطاني السابق، والسير آرثر كونان دويل، مؤلف روايات شيرلوك هولمز، وغيرهما الكثير.
أما بالنسبة للماسونية فى مصر فبدأت منذ القرن الرابع الميلادي، من خلال لوحتين رسمهما فنان مصري مسيحي هو اسحاق فانوس، الأولى للأب باخوم والثانية للأب كيرلس، الأول حمل زاوية وفرجار وهما من رموز الماسونية، والثاني في واشنطن استند مثل أساتذة الماسونية إلى عامود روماني قصير، فيما يعرف العامود بأنه من الرموز الماسونية أيضًا.
الإعلان الذى تم نشره مؤخرا فى بريطانيا للترويج للماسونية وعدم التمييز ضدها لفت أنظار وكالة بى بى سى البريطانية , الذى أعدت تقريرا مفصلا عن هذه الطائفة عقب انتشارها بشكل ملحوظ بين أفراد الشرطة وأعضاء البرلمان هناك.
وقالت فى تقريرها ’ إن الماسونية تعرف نفسها بأنها "حركة أخوية عالمية أهدافها المساعدة المتبادلة والصداقة وخير الناس, ولطالما كانت الماسونية محط عداء الكنيسة، ولا سيما الكاثوليكية، وحتى النازية، ونظر إليها الناس بعين الارتياب والخوف.
وأضافت:" ما زال العداء لها ماثلا بين المسيحيين المتزمتين رغم أن البابا الراحل "يوحنا بولس الثاني" رفع في 27 أكتوبر1983 الحرم الكنسي المفروض على جميع الماسونيين منذ عهد البابا كليمنت الثاني عشر عام 1738.
وتابع التقرير:" كثيرا ما اتهمها أعداؤها بأنها تعمل على نشر الليبرالية والعلمانية، مرورا بالتعاليم الشيطانية، بل وحتى التمهيد لظهور المسيح الدجال والقضاء على الأديان، بطرق سرية وخبيثة تعتمد التضليل والخداع بهدف السيطرة المزعومة على العالم، كما يورد الباحث "نيك هاردينج" في كتابه "الجمعيات السرية"، والكاتب الماسوني جون مايكل في كتابه "الموسوعة الأساسية للجمعيات السرية والتاريخ الخفي".
وتقول بعض المصادر الماسونية، مثل كتاب "الماسونيون الأحرار" لمؤلفه مايكل جونستون، إن هناك أساطير ماسونية ترجع نشأة الحركة إلى ما قبل طوفان سيدنا نوح عليه السلام بل حتى ترجعها إلى عهد النبي ابراهيم والنبي سليمان.
لكن – بحسب التقرير- السائد كما عند معظم الباحثين أن أصول الماسونية ترجع إلى القرون الوسطى مع ازدهار حقبة الطلب على البنائين لبناء القلاع والكاتدرائيات الكبرى.
ويوضح التقرير , أنه من الروايات الشائعة عن نشأة الماسونية، كما يورد الكاتب الماسوني بات مورجان في كتابه "أسرار الماسونيين الأحرار"، والكاتبان الماسونيان جون هاميل وروبرت جيلبرت في كتابهما الموسوعي "الحركة الماسونية: احتفال بالصنعة"، وغيرهم، أنها امتداد لتنظيم عسكري "منقرض" كان يعرف باسم "فرسان الهيكل" ظهر في نهاية الحملة الصليبية الأولى (1095-1099) على المشرق العربي.
وأشار التقرير إلى أن الماسونية لها ثلاثة أفرع أساسية أولها يسمى "المحفل الأزرق"، وهو مكون من ثلاث درجات، وتبدأ بدرجة "تلميذ الصنعة المستجد" ثم تليها "زميل الصنعة" ثم تليها "البناء المعلم".
أما الفرع الثاني، وهو الأعلى، فهو "الطقس اليوركي" وهو مكون من 10 درجات، ثم "الطقس الاسكوتلندي" الذي يصل حتى الدرجة 32. أما أعلى درجات الماسونية فهي الدرجة 33.
وأوضح التقرير ’ أن الانضمام للماسونية ليس حكرا على أبناء دين معين، بل يمكن أن ينضم إليها أي شخص ومن أي دين, وأنه لطالما ارتبطت الماسونية بالرموز، والإشارات، وهي كثيرة، مثل الفرجار والزاوية اللذان يمثلان "الطبيعة الأخوية" للماسونية. وغالبا ما يشاهد داخل الفرجار والزاوية رمز آخر هو النجمة أو القمر أو الشمس(تمثل الحقيقة والمعرفة) أو العين أو الحرف اللاتيني G.
أما الحرف G فيقال إنه يمثل أول حرف من كلمة God أي الله، فالماسونيون ملزمون بالإيمان بوجود كائن يسمونه "مهندس الكون الأعظم" وإن كانوا لا يطلقون عليه اسم الله.
أما العين داخل الفرجار والزاوية فتسمى العين التي ترى كل شيء، ويقول الماسونيون إنها تشير إلى الاعتقاد بـأن الله يستطيع أن "يسبر ببصره أغوار قلوب وأنفس الناس".
لكن بالمقابل – بحسب التقرير- يقول أعداء الماسونية إن العين ليست عين الله أو المهندس الأعظم الماسوني، بل هي في الواقع ليست إلا عين الشيطان التي يسعون من خلال نشاطاتهم للسيطرة على العالم جعلها ترى كل شيء تحت سيطرتهم.
فحسب كتاب "شرح الرموز الماسونية" لمؤلفته كاثي بيرنز يقول "إن الحرف G يمثل كوكب الزهرة( كوكب الصباح)، وكوكب الزهرة يمثل العضو الذكري عند الرجل، وهو أيضا أحد أسماء الشيطان" وهو يمثل عند الماسونيين الإله "بافوميت"( الإله الشيطاني الذي اتهم فرسان الهيكل بعبادته في السر،وهو يجسد الابليس لوسيفير.
ويضيف أعداء الماسونية، كما يقول الكاتب "مايكل بينسون" في كتابه "داخل الجمعيات السرية" , أن رمز العين التي تظهر في قمة مثلث على الختم الأعظم للولايات المتحدة وعلى فئة الدولار الواحد الورقي، والكلمات المكتوبة تدلل على سيطرة الماسونيين على الولايات المتحدة وعلى رغبتهم في السيطرة على العالم باعتبار أن من صمم الختم ووضع الرسم والكلمات له خلفية ماسونية.. لكن الماسونيين ينفون أن يكونوا هم وراء وضع الختم الأعظم للولايات المتحدة وصورة الدولار، ويقولون إن الشبه ليس سوى صدفة، وإن مصممه لم يكن ماسونيا.
ويجاهر أعداء الماسونية باتهامها بأن شعاراتها مثل Novus Ordo Seclorum ) New Secular Order) ( وتعني النظام العلماني الجديد)، و Odru ab Chao ( (وتعني: النظام من داخل الفوضى) ( وهو نفس الشعار الذي يتبناه "المحافظون الجدد"
الذين بات لهم نفوذ سياسي متعاظم في الولايات المتحدة حاليا) لها مدلولاتها، كما يقول "مايكل بينسون" في كتابه "داخل الجمعيات السرية"، حيث يمكن تفسير الشعار الأخير مثلا على أن الماسونيين يغتنمون الفرص من الفوضى لأنه من السهل استغلال حاجة البشر للنظام.
ومما يلفت الانتباه لما تعلنه الحركة الماسونية (على الأقل في بريطانيا) أن الماسونيين يحظرون على أنفسهم الحديث عن السياسة والدين.
وهناك العديد من الشخصيات السياسية والدينية في التاريخ البريطاني مثلا كانت في صفوف الماسونية، وأبرزها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق "وينستون تشرشل"، ورئيس الكنيسة الإنجليكانية الراحل "جيفري فيشر" الذي توج الملكة إليزابيث الثانية.
يعد أول تواجد ملموس ومؤكد في مصر للماسونية العلمية بعد ذلك، أثناء إنشاء جامع بن طولون، الذي تم بناءه سنة 879، على يد المهندس سعيد بن كاتب الفرجاني، وهو مهندس قبطي من الشرقية، أوكل إليه بناء الجامع فاستعان ببعض البنائين الأوروبيين الذين وصفهم بالأعزاء، اتضح فيما بعد أنهم من الماسونيين الهاربين من بطش سلطات دينية في بلادهم.
عرفت مصر الماسونية الحديثة مع وصول الحملة الفرنسية إلى مصر عام 1798 بقيادة نابليون بونابرت , حيث أسس أول محافل الماسونية في مصر وعرف بمحفل «إيزيس»،ومع العام 1830 بدأت تشهد مصر المحافل الماسونية بكثرة , ففي عام 1830 تأسس في الإسكندرية محفلًا ماسونيًا بواسطة أخوة إيطاليين ماسونيين، تلاه في 1838 تأسيس محفل عرف باسم «مينيس».
وفى عام 1845 كان الماسونيون المصريون يخافون المجاهرة بالانضمام للمحافل الماسونية، حتى أنشئ محفل الأهرام بالإسكندرية، وانضم له كبار الأدباء والنبلاء ، ولم يعارضه أحد ، ما ساعده على الانتشار حتى وصل إلى العائلة الحاكمة وكان من بين المنضمين إلى هذه الحفلات , الأمير محمد عبد الحليم بن محمد علي باشا ووصل عدد أعضاءه لـ1000 عضو، وكان أكبر وأهم المحافل الماسونية التي نشأت في مصر.
المحافل الماسونية لم تقتصر على القاهرة والإسكندرية فقط فقد امتدت إلى باقى المحافظات فى الدلتا وغيرها.
فى عام 1876 تأسست الهيئة الماسونية المصرية الحديثة، وصدر عنها أول دستور ماسوني لجميع المحافل المصرية، عام 1885، الأمر الذي أصبحت بعده الماسونية المصرية مشهورة بين المحافل العظمى.
انتخب الخديوي توفيق الرئيس الأعظم للمحفل الأكبر الوطني المصري عام 1887، وشغله بعده إدريس بك راغب، رئيس الوزراء وقتها.
استمر ازدهار الماسونية وتعاليمها في مصر، في نهاية القرن الـ19، وتزايدت أعداد المحافل الماسونية بكل طرقها، ونظم المحفل الأكبر الوطني المصري 3 احتفالات دعى إليها مشاهير وأساتذة الماسونية في العالم كله، أحدها كان احتفالًا بزيارة الرئيس الأعظم الماسوني في شيكاغو لمصر.
في القرن التاسع عشر أدرك جمال الدين الأفغاني دور التنظيم وأهميته في حركة التغيير، وكانت الحركة الماسونية حينئذ ذات سمعة حسنة، فهي ترفع شعار الثورة الفرنسية "حرية إخاء مساواة" وتسعى لفصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية، كما كانت تضم صفوة المجتمع، بصرف النظر عن الجنس والدين مما جعله ينضم للمحفل، ولكنه عندما دعا قيادات المحفل لتطبيق شعاراته قالوا إن الماسونية لا دخل لها بالسياسة، فقاد الأفغاني التمرد ضد المحفل الغربي، وتسبب بحدوث انشقاق داخل المحفل الماسوني بمصر.
وخرج الأفغاني وعددا من أنصاره من المحفل وأسس معهم محفلا ماسونياً شرقيا ارتبط بعلاقات مع المحفل الفرنسي، نظرا لمناوأة الفرنسيين لأطماع الإنجليز بمصر، وقسمه إلى شعب للدراسة والتشريع والتخطيط لمختلف أوجه الإصلاح في المجتمع. وفي هذه الشعب ثم في الحزب الوطني الحر، تكونت القيادات التي لمعت في مصر وقادت الثورة العرابية، ومنهم أحمد عرابي ومحمود سامي البارودي وعبد السلام ومحمد عبده وسليم نقاش وأديب إسحق وعبد الله النديم.
بعد ثورة يوليو عام 1952 ، بدأ الهدوء يسود المحافل الماسونية المصرية، وبدأ الأعضاء ينسحبون لتوتر أحوال البلاد، إلا أن المحفل الوطني المصري ظل على نشاطه حتى توقف نهائيًا عام 1964، ومن يومها انتهت الماسونية فى مصر ولم يعد لها وجودا.


التعليقات