ياسر بركات يكتب عن : رسالة الرئيس إلى الشعب... هانت يا مصريين

بعد أن فاز الرئيس عبدالفتاح السيسى بولاية رئاسية ثانية، فى الثانى من أبريل الماضى، وبعد حصوله على نسبة 97 فى المائة من الأصوات الصحيحة، فى رابع انتخابات رئاسية تعددية فى تاريخ البلاد. وبعد سنوات طويلة عاشتها مصر فى ارتباك، أدى الرئيس عبد الفتاح السيسى اليمين الدستورية عن مدة ولايته الثانية يوم السبت أمام مجلس النواب، عملاً بالمادة 144 من الدستور، والمادة 109 من اللائحة الداخلية للمجلس. تلك هى المرة الأولى التى يؤدى فيها الرئيس اليمين أمام مجلس النواب بعد ثورة 25 يناير 2011 التى أطاحت بحكم الرئيس الأسبق حسنى مبارك، حيث أدى الرئيس السيسى اليمين القانونية فى بداية فترة رئاسته الأولى أمام الجمعية العامة للمحكمة الدستورية العليا، إذ لم يكن مجلس النواب موجوداً وقتها. ووفقاً للمادة 44 من الدستور، يشترط أن يؤدى رئيس الدولة، قبل أن يتولى مهام منصبه، أمام مجلس النواب اليمين الآتية: "أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصاً على النظام الجمهورى، وأن أحترم الدستور والقانون، وأن أرعى مصالح الشعب رعاية كاملة، وأن أحافظ على استقلال الوطن ووحدة وسلامة أراضيه". كلمة الرئيس التى ألقاها عقب حلف اليمين الدستورية رئيساً للجمهورية لفترة رئاسة ثانية، بمقر مجلس النواب صباح السبت، حملت العديد من الرسائل المهمة التى تمثل فى مجملها منهاج عمل للرئيس خلال فترة رئاسته الثانية. وحرص الرئيس على أن يحدد أسس ومبادئ سياسته خلال المرحلة المقبلة. وكان أبرز الرسائل التى تضمنها الخطاب التاريخى هى: دستور الفترة المقبلة هو المصارحة والشفافية والمبدأ الأعظم هو العمل بتجرد لصالح هذا الوطن.. بذل كل الجهد والعمل ومواجهة واقتحام المشكلات والتحديات.. المرأة المصرية ومعها كل أفراد الأسرة شباباً وشيوخاً وأطفالاً يخوضون معركة التنمية والبناء.. الإرهاب الغاشم الذى أراد أن ينال من وحدة الوطن، كان التحدى الأكبر فى الفترة الرئاسية الأولى.. مصر استطاعت عبور مرحلة عصيبة والانطلاق نحو مستقبل أكثر ثباتاً واستقراراً وعزماً على تحقيق الحسم فى معركة بناء الوطن.. خطة عمل قائمة على الإسراع بالخطى فى الإصلاح على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والمجتمعية.. مواجهة أمنية للمخاطر التى تحيق بمصر.. إطلاق حزمة من المشروعات القومية العملاقة التى تهدف لتعظيم أصول الدولة وتحسين بنيتها التحتية.. توفير فرص عمالة كثيفة تسير بالتوازى مع مخطط شامل للإصلاح الاقتصادى؛ لمواجهة التراجع الكبير فى مؤشرات الاقتصاد العام. تحدث الرئيس فى كلمته أيضا عن شبكة من برامج الحماية الاجتماعية لمواجهة الآثار السلبية الناجمة عن الإصلاحات.. وبناء الإنسان المصرى على رأس أولويات الدولة خلال المرحلة المقبلة؛ بحيث يعاد تعريف الهوية المصرية من جديد بعـد محاولات العبث بها. كما تناول ملفات وقضايا التعليم والصحة والثقافة وأنها ستكون فى مقدمة الاهتمامات، من خلال إطلاق حزمة من المشروعات والبرامج الكبرى. وأكد الرئيس أن مصر سوف تستمر فى تعزيز علاقاتها المتوازنة مع جميع الأطراف الدولية والإقليمية فى إطار من الشراكات وتبادل المصالح. بالإضافة إلى الحفاظ على السيادة الوطنية للدول وعدم التدخل فى شئونها وتدعيم دور مصر التاريخى بالنسبة للقضايا المصيرية بالمنطقة. أكد الرئيس أن مصر تسع الجميع، وأن قبول الآخر وخلق مساحات مشتركة سيكون الشغل الشاغل الأكبر لتحقيق التوافق والسلام المجتمعى وتحقيق تنمية سياسية حقيقية. ولابد من وضع خطوط عريضة تحت عدد من الرسائل الأخرى شديدة الأهمية مثل: لا استثناء من مساحة الحوار الوطنى المشترك إلا من اختار العنف والإرهاب والفكر المتطرف سبيلا لفرض إرادته وسطوته.. مصر للجميع، وأنه رئيس لكل المصريين من اتفق معه أو من اختلف.. استكمال المسيرة متجرداً من أى هوى إلا هوى الوطن، وأنه لا يخشى سوى الله جل فى علاه.. أروع أيام هذا الوطن ستأتى قريباً، ما دامت النوايا خالصة والجهود حثيثة والقلوب صامدة.. الوطن يستحق منا أن نعمل من أجله ونموت من أجله.. الشعب قادر على صناعة المجد وزراعة الفخر فى كل حين. ثم أخيراً وليس آخرا عهد ووعد بأن يظل مخلصاً فى عمله مقاتلاً لكى تظل مصر فى مقدمـة الأمـم. أهم مما قاله أو وعد به الرئيس هو أن الدولة صارت مستقرة، وفى الوقت نفسه مستمرة فى محاولة إصلاح ما تراكم طوال نصف قرن على الأقل. إذ كل الأنظمة السابقة كانت تخشى الاقتراب من منظومة الدعم خوفاً من الغضب الشعبى، وكان يتم التأجيل لتتحمل الأجيال التالية تبعات أسوأ، وذلك عبر الاقتراض، حتى تجاوزت نسبة الدين العام 107% من الناتج المحلى الإجمالى. وبالتالى استهدفت الدولة خفض هذه النسبة إلى 95% خلال العام المالى 2017/2018 ولهذا تم وضع خطة طويلة الأجل لخفض قيمة دعم السلع والخدمات مع توفير إجراءات لحماية الفئات المستحقة من الزيادة المتوقعة فى الأسعار. لا حديث للشارع المصرى غير جحيم الأسعار. وليس هناك ما يشغل بال المصريين غير تلك النار التى تلتهم دخولهم وتشعرهم أكثر وأكثر بالفقر وتدفعهم إلى إبداء التذمر من الوضع السياسى القائم وربما النظام السياسى بأكمله. ولا نظلم المواطن لو قلنا إنه لا يهمه فى النهاية سوى دخله وماذا يمكن أن يشترى به.. وحتى نكون منصفين، لا بد من الإشارة إلى أن معاناة المواطن كانت ستقل لو تم تحسين مناخ الاستثمار وتنفيذ مشروعات تنمية تجذب المستثمرين مع مكافحة الفساد بصورة جادة، الأمر الذى كان كفيلاً بتوفير أكثر من 200 مليار جنيه تُضاف إلى خزانة الدولة. لكن حدث ما حدث ووصلنا إلى ما نحن فيه. ورأينا حالة التدهور فى الاقتصاد المصرى، التى لا تخطئها عين، سواء كان ذلك على صعيد الأفراد أو الاقتصاد الحكومى أو مجتمع الأعمال أو فى علاقات مصر الاقتصادية الخارجية. الإشارة ضرورية أيضا إلى أن مصر، عرفت ولا تزال، نوعا فريدا من الحرب النفسية المكثفة، التى كان لها تأثير بالغ فى مسارات التغيير وتقاطعات التدمير، التى تحاول أطراف خارجية صناعتها الآن، بمساعدة أطراف داخلية للأسف، وقد لا أبالغ لو قلت إن ما يحدث داخل مصر الآن أخطر بكثير مما قد يقوم به الأعداء ضدنا، بعد أن أصبحت مرتعا لما توصف تجاوزا بأنها "وسائل إعلام" تجاهلت دورها وتفرغت للشائعات.. أو التحريض.. أو التشويه.. أو التخبط، فى ظل عدم وجود منظومة إعلامية لها نسق واضح تعبر عن مؤسسات الدولة، وفئات الشعب.. فكان أن أصبحنا فريسة لسيول من الدعايات والشائعات، تأسست على أنه يمكن هدم الاستقرار فقط فى النفوس قبل أن يتم تدميره على أرض الواقع، فقامت بتصويب مدفعيات الخوف إلى عقول الشعب كل فى موقعه وكل حسب مصلحته.. لنشر حالة من الهلع والفتن.. ولو لم يتم تدارك ذلك، ستكون النتيجة مأساوية! أيضا، لا يمكن أن نتغافل "الحرب الاقتصادية" ضد مصر، مع ما تقوم به الجماعات الإرهابية من تفجيرات أثرت بدرجة كبيرة على السياحة وعلى غيرها من النشاطات الاقتصادية. ويستطيع كل من له عينان أن يرى بوضوح أن مصر تعرضت لمؤامرة اقتصادية خططت لها وتديرها دول وجهات خارجية ويشارك فى تنفيذها، داخلياً، شخصيات وكيانات وجهات متعددة. ويمكن لكل ذى عقل أن يربط بسهولة بين تفجير العديد من الأزمات الداخلية وإظهارها على السطح، وبين المخطط الذى يستهدف حصار مصر اقتصاديا، بل وتدمير الاقتصاد وتخريبه. آليات تنفيذ المخطط لها عدة مستويات والمشاركون فيه لهم أدواتهم الخاصة ولديهم وسائل إعلام تعمل من الداخل والخارج وينفقون عليها ملايين الدولارات.. وبينهم أيضا رجال أعمال وشركات تعمل فى السوق المصري، وعدد من كبار تجار العملة والمسيطرون على سوق الصرف السوداء. والمخطط لا يحكمه فقط عملية سياسية، بل هناك جهات وأشخاص انتهزوا الفرصة ووجدوها فرصه للإثراء السريع باستغلال الأزمات الاقتصادية وعلى رأسهم كل المتربحين من الأنظمة السابقة لتعويض خسائرهم الفادحة من تغيير الأنظمة وبدء محاسبة المنحرفين منهم. المتآمرون على مصر وجدوا فى الجانب الاقتصادى بيئة خصبة لممارسة الضغوط وانضم إليهم رجال أعمال مصريون وعرب وأجانب، اعتقدوا أن الفرصة جاءتهم على طبق من ذهب ليقوموا بالضغط على الرئيس كى يخضع لمطالبهم ويحصلوا على المزايا والامتيازات التى كانوا يحصلون عليها قبل ذلك. ونشير هنا إلى أن حجم أعمال بعضهم كان قد تجاوز 70% من إجمالى مشروعات التنمية فى الدولة. وما من شك فى أن الدول والجهات وبعض رجال الأعمال الذين يتآمرون على مصر، وأعلنوا الحرب عليها طيلة الفترة الماضية، نجحوا فى دراسة الوضع الاقتصادى بدقة، وتبين لهم أن البيئة اﻻقتصادية خصبة وتتميز بالضعف العام واستغلوا توقف المساعدات والدعم العربى لمصر، بسبب الحروب الإقليمية وانخفاض أسعار النفط عالمياً. بهذا الشكل، يمكننا أن نقول إن هذا الشرلا بد منه. لكننا نعرف أيضاً أن رفع الدعم، ولو جزئيا، يأتى بمردود عكسى ونتائج سلبية على المواطنين، وأن ارتفاع سعر البنزين والغاز والسولار ترتفع معه بالضرورة والتبعية أسعار تعريفة المواصلات بكل أنواعها بصورة عشوائية، إضافة إلى ارتفاع معدلات التضخم وزيادة تكلفة الإنتاج للمصانع التى تستخدم الوقود فى تشغيل الماكينات وخطوط النقل. كما يحدث فى المقابل، تراجع كبير فى القوة الشرائية للمرتبات، ومن ثم زيادة فى استمرار حالة الركود والكساد الاقتصادى، فى ظل استغلال وجشع التجار نتيجة غياب الرقابة وعدم قدرة الدولة على ضبط الأسعار. ونشير هنا إلى أنه كانت هناك وعود وتطمينات بأن المواطن البسيط أو محدود الدخل لن يتأثر بالظروف الاقتصادية الصعبة التى نمر بها، وأن السلع الأساسية لن يحدث تصعيد فى أسعارها. وهى الوعود التى لم تتحقق. بل رأينا التوجه الأساسى لحكومة شريف إسماعيل يناقضها ويخاصم استقرار الأسعار، مع التسليم بأن كثيرا من القرارات الصعبة كان لازما وضروريا لتحقيق إصلاح اقتصادى حقيقى. فمن الطبيعى أن يتم رفع أسعار سلع بعينها من أجل الحصول على الأموال اللازمة لاستكمال المشروعات المخطط لها. فقط كنا نتمنى لو تمت مراعاة محدودى الدخل والسلع الأساسية وهو ما ننتظر تداركه خلال الفترة المقبلة. وكان رئيس الوزراء، قد أعلن مرارا أن المرحلة الحالية لا تحتمل تأجيل القرارات إذ لا بد من مواجهة قرارات الدعم بحزم ليصل إلى مستحقيه، وإلا فالعواقب وخيمة على الجميع والقادم سيكون أسوأ. كما أعلن عن زيادة فى أسعار الكهرباء يبدأ تطبيقها فى أغسطس المقبل لفواتير يوليو، مشيراً إلى أن الحكومة تتحمل مسئولية قراراتها، مؤكداً أن حجم الدعم وصل إلى 150 مليار جنيه وأن الموازنة العامة للدولة لم تعد تتحمله. وقت إعلان وثيقة تفاصيل اتفاق مصر مع صندوق النقد الدولى، كان من أبرز المسائل، التى أثارت جدلا واسعا فور الكشف عنها، أربعة أمور أساسية، أولها الاتفاق بين الحكومة والصندوق على خفض دعم المواد البترولية ليصل فى عامى ٢٠١٨ و٢٠١٩ إلى ١٩ مليار جنيه، من إجمالى قيمته البالغة فى ٢٠١٦ - ٢٠١٧ نحو ٦٢.٢ مليار جنيه. أى أقل من الثلث، وهو ما يعنى أن أسعار المواد البترولية كافة سوف تشتعل، حيث إن البديل الوحيد أمام الحكومة لخفض الدعم على المواد البترولية تنفيذا لشروط صندوق النقد الدولى هو رفع الأسعار، وبخاصة أن أى زيادة فى الإنتاج لم تتحقق كبديل لرفع الأسعار. كما أن ارتفاع الأسعار لتخفيض الدعم سوف يكون كبيرا للغاية، لكى تتمكن الحكومة من تحقيق المعدلات المطلوبة حسب الاتفاق مع الصندوق، وبخاصة فى ظل ارتفاع تكاليف استيراد المواد البترولية، التى تستوردها مصر من الخارج لتغطية الاحتياجات الأساسية، خاصة فى ظل ارتفاع سعر الدولار إلى أكثر من الضعف، وما يتوقع من الارتفاعات لأسعار النفط عالميا بعد قرار دول منظمة الأوبك تخفيض الإنتاج لرفع الأسعار. لسنا حالة متفردة، أو غير مسبوقة. إذ إن تفاوت التنمية الاقتصادية والتغيير الاجتماعى فى العالم كله، يضعنا أمام تناقضات وتباينات حادة. وهى ليست إلا نماذج مصغرة من اللامساواة القائمة بين العالمين الموجودين على كوكبنا: ما يسمى العالم المتقدم والعالم المتخلف العالم الأول والعالم الثالث، البلاد الفقيرة والبلاد الغنية. والانقسام الكبير ضمن كل دولة فقيرة هو أشد ترويعاً، لأن التباينات هنا شديدة الاقتراب بعضها من بعض. ولذلك فإن ذلك التفاوت أنتج قضية جديدة أو أنها تبدو كذلك، وهى قضية العولمة، وهى القضية التى باتت تشغل الآن مساحات واسعة من الفكر الإنسانى المعاصر، ونتيجة لذلك أفرزت تلك القضية الشائكة العديد من الاتجاهات التى ينبغى أن نتناولها من منظور عقلانى شامل، يحيط بها من مختلف أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية والإعلامية والحضارية، بالإضافة إلى المنظور الإنسانى الذى يقدم أطروحات متعددة للسياسات الليبرالية الحديثة التى تعتمد عليها العولمة، وترسم لنا صورة المستقبل بالعودة إلى الماضى السحيق للرأسمالية. وقد وجدت تلك الأفكار انعكاسها الواضح فى السياسات الاقتصادية الليبرالية التى تطبق الآن فى مختلف دول العالم دون مشاركة الناس أو موافقتهم على تلك السياسات. وهناك من يعتقد أن العولمة ما هى إلا نتيجة حتمية خلقتها سياسات معينة، بإرادة الحكومات والبرلمانات التى وقعت القوانين التى طبقت السياسات الليبرالية الجديدة، وألغت الحدود والحواجز أمام حركات تنقل السلع ورءوس الأموال وسحبت المكاسب التى حققها العمال والطبقات الوسطى، وانتهاء بالتوقيع على اتفاقية منظمة التجارة العالمية (الجات) التى ستتولى العقوبات على من لا يذعن لسياسة حرية التجارة. ففى كل هذه الأمور لم تكن هناك حتميات لا يمكن تجنبها، بل إرادات سياسية واعية بما تفعل وعبرت عن مصلحة الشركات دولية النشاط. وعلى ضوء ما سبق، سعت بعض الدول إلى ترشيد الرأسمالية فى بلدانها، وعملت على ضبط عوامل تطور المجتمع والسلم الاجتماعى، وضرورة وجود طبقة اجتماعية متوسطة متحركة وحيوية، بحيث يكون هناك اقتصاد فيه بدائل وخيارات متعددة، وضبطت من خلالها العملة النقدية. وهذا ما يعكس نوعاً من التقارب الأمريكى الروسى فى ظل نظام نقدى دولى جديد، ويعكس (ضمناً) حكمة الصين والهند وأوروبا فى إيجاد دوافع للتفاهم حول السياسات النقدية. هذه السياسات ذات صلة مباشرة وغير مباشرة بالبعد الاجتماعى للنظام الاقتصادى الجديد تكمن فى المجتمع، لأسباب ما هو عليه، وكيفية تغيره. ولذلك سعت المنظمات والهيئات الدولية والمراكز البحثية إلى دراسة تلك السياسات وأبعادها المختلفة التى جمعت بين كل ما هو فلسفى أو سياسى أو تاريخى أو أخلاقي، ومن جانب آخر، ما بين علوم سياسية أكثر ارتباطاً بمشكلات الواقع، مع طرح نظريات اجتماعية عامة، ووضع قوانين لتفسير الظواهر والتحولات الاجتماعية. وتقديم تنبؤات يمكن الحكم على صحتها من عدمه، إذا ما كانت فى إطار سياقها الاجتماعى المناسب وقادرة على التجديد والتصحيح الذاتى بشرط توافر درجة عالية من الشفافية من أجل تجنب تضارب المصالح. لم يعد خافيا على أحد أن رجال أعمال "بعينهم" قلقون، من خطوات السيسى أو مشروعه الإصلاحى، وبعضهم يشكو بوضوح من أنهم لم يعد بإمكانهم التأثير على السياسات الحكومية على خلاف ما كان عليه الحال فى الماضى. رجال الأعمال الذين نهبوا أموال وثروات الشعب يعتقدون أنهم قادرون على إحراج النظام الحالى باستخدام تلك الأموال وبما لديهم من وسائل يمكنها إحداث بلبلة فى الشارع، كالصحف والقنوات التليفزيونية المملوكة لهم وكذا شبكات المصالح السياسية والمالية، المرتبطة بهم! ولعلنا نلاحظ أن نظام الرئيس السيسى يتعامل مع رجال الأعمال باعتبارهم أمراً واقعاً يجب الاستفادة منه بأى شكل أو على الأقل تقليل الأضرار التى قد تنتج عنهم إلى أقل درجة ممكنة، خاصة أن أمام الرئيس تلالاً من الأولويات، تجعل ملف رجال الأعمال يتراجع أو يتم تأجيل البت فيه. وصار الاختبار الحقيقى للنظام، الآن، هو قدرته على تنفيذ القانون. صحيح أنه لا توجد عصا سحرية يمكنها أن تقوم بتفعيل القانون بسبب التجريف الذى حدث طوال 40 سنة على الأقل لكن تنفيذ القانون، سيتحقق عندما تكون هناك شفافية ويصبح لدينا معايير للأداء فى كل مؤسسات الدولة. وعندما تكون لدينا حكومة من فريق عمل واحد أو تبدو كأنها كذلك.. حكومة من كتلة واحدة، تذوب فيها المكونات أو التكتلات التى تتفاعل داخلها فى سياق واحد هو سياق هذا الفريق، دون إغفال الاختلافات المقبولة فى الرؤى. أخيرا، وغير الصيغة الجديدة التى نتمنى أن يتم التعامل بها مع رجال الأعمال، نريد أيضاً أن نرى حكومة قادرة على أن تعبر عن نفسها سياسياً وإعلامياً، بصورة فعالة ومستمرة، ترتفع فيها كفاءة الأداء فى التعامل اليومى مع المشكلات المستجدة والمفاجئة، وقادرة على أن تجتاز الأزمات الدولية، والأزمات الطارئة، مع تركيز متواصل، على الجناح المكلف بالأداء الاجتماعى للسياسات العامة، وإعطاء جهد أكبر وخلاق لتنفيذ تكليفات الرئيس فى هذا الإطار. حكومة تسير على ساقين، ساق اقتصادية، وأخرى اجتماعية، ومعروف إن إحدى الساقين إن تعثرت ستتسبب فى تعثر الأخرى!


التعليقات