ياسر بركات يكتب عن : أسرار ظهور اللواء عمر سليمان فى صفقة القرن

سريبات وفضائح جديدة

تفاصيل رشوة الـ(31 مليار دولار) لقيادات السلطة الفلسطينية

المستوطنات غير القانونية فى شمال وشرق القدس تثير أزمة بين نتنياهو والحكومة الإسرائيلية

واشنطن تعرض على القاهرة التنازل عن 1600 كيلو متر من سيناء مقابل 80 مليار دولار

لماذا أصدر مبارك قرارا بوقف العمل فى ترعة السلام، وما الصفقة التى وافق عليها محمد مرسى فى قناة السويس وسيناء؟

لا يزال الرئيس الأمريكى يحلم بتحقيق نجاحات كبيرة فى سياسته الخارجية، خاصة فى الملفات التى فشل أسلافه فى التعامل معها. وبعد سعيه إلى إذابة الجليد فى العلاقات بين بلاده وكوريا الشمالية، يراهن على صهره وكبير مستشاريه، جاريد كوشنر، والمبعوث الأمريكى لعملية السلام جيسون جرينبلات فى إتمام اتفاقية سلام شاملة فى الشرق الأوسط تُنهى الصراع القائم منذ عقود بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهى الاتفاقية التى صارت معروفة باسم صفقة القرن والتى أعلن مسئولون ودبلوماسيون أمريكيون أنة قد يتم الإعلان عن تفاصيلها قريباً، رغم إعلان السلطة الفلسطينية رفضها أى مبادرة سلام تقدمها إدارة ترامب بعد اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارة بلاده إلى المدينة المحتلة.

تسريبات أمريكية كثيرة أشارت إلى احتمالية تقوية مكانة غزة بإضعاف الوضع فى الضفة، وذلك من خلال تصفية قضية القدس، والإجراءات الأمريكية-الإسرائيلية فى هذا الاتجاه تمضى متسارعة وبلا هوادة، ثم إغلاق احتمال أى سيادة جدية على الضفة بعد اقتطاع غور الأردن، وتثبيت السيطرة الأمنية الإسرائيلية من النهر إلى البحر، مثلما تعهد بذلك بنيامين نتنياهو، ولا توجد قوة إسرائيلية جدية تعارض هذا التوجه.

قيل إن تفاهماً إسرائيلياً حمساوياً تم مباشرة أو عبر طرف ثالث، يتم بمقتضاه تطبيق سيناريو إسرائيل كاتس، الذى من شأنه إخراج غزة من الحالة المزرية التى هى فيها الآن، إلى حالة مختلفة تماماً، ينتهى فيها القتل والدمار ويتم بموجبها رفع الحصار، مع السماح لآلاف العمال من غزة بالعمل فى إسرائيل، بأجور تبدو بالمقارنة مع الوضع الراهن، فوق الخيالية، وتسمح إسرائيل بإقامة محطات عملاقة لتحلية المياه، مع جزيرة صناعية يقام عليها ميناء ومطار، وقد يكون هنالك شىء مماثل فى سيناء، لو تم ذلك، وإسرائيل تدرس هذا الأمر، وشروطها لتحقيقه لم تعد تعجيزية، كما كانت فى السابق؛ بل يريدون إنهاء ملف المحتجزين الإسرائيليين فى غزة، وتحييد السلاح الحمساوى بدل نزعه، والتخلى عن شرط أن يتم ذلك كله مع حكومة رام الله، حين يتم ذلك سيتم معه التحول فى المعادلة القديمة. وطبقاً لذلك، فإن غزة الجديدة ستكون هى الأساس، وما تتركه إسرائيل فى الضفة هو الملحق.

الرئيس الأمريكى قال إن كثيراً من التقدم تم تحقيقه، عقب اجتماعه بالعاهل الأردنى الملك عبدالله الثانى الأسبوع الماضى، إلا أن الكاتبين سومى تيرى، وماكس بوت أكدا أن الرئيس الأمريكى «لن يستطيع عقد صفقة القرن». وفى المقال الذى نشرته جريدة «واشنطن بوست» الجمعة، أوضح الكاتبان أن ترامب حاول استخدام سياسة جديدة وبذل جهود دبلوماسية واضحة لكى يتواصل مع الزعيم الكورى كيم جونج أون، وإقناعه بالجلوس معه على طاولة المفاوضات. وأنه يحاول استخدام سياسة مُشابهة مع الفلسطينيين، ويواصل محاولاته ويستمر فريقه فى البيت الأبيض فى العمل على اتفاقية سلام شاملة ونهائية. وذكرا أن اتفاق أوسلو، الذى بدأ العمل به عام 1993، عرضت على الفلسطينيين اتفاق ينص على «مقابل الاعتراف بإسرائيل، سيتم إنهاء الحرب المسلحة وستحصلون على دولة مستقلة»، ولاقناعهم بالأمر أوضح الكاتبان أن الولايات المتحدة وحلفاءها أغرقوا السلطة الفلسطينية بالمساعدات، والتى حصلت منذ ذلك الوقت على أكثر من 31 مليار دولار كمساعدات مباشرة.

طبقا لما ذكره الكاتبان، يمكن رؤية ثمرة هذه المساعدات فى رام الله والضفة الغربية، خاصة أنهما تمتلأن بالمبانى الجديدة اللامعة، بما فيها الفنادق الشاهقة التى التقيا فيها بمسئولين فلسطينيين. إضافة إلى زيادة نصيب الفرد من الناتج الإجمالى المحلى الفلسطينى إلى أكثر من الضعف، من 1200 دولار أمريكى فى عام 1994 إلى 2900 دولار هذا العام. ومع أن المساعدات الاقتصادية، وفقا للكاتبين، ساعدت على تحقيق التعاون الأمنى بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، إلا أنها لم تساعد على تحقيق السلام، فلا يوجد قائد فلسطينى مُستعد لتوقيع اتفاق نهائى، من شأنه حل القضايا الخلافية الملحة مثل وضع القدس أو حق عودة اللاجئين.

بالنظر إلى الأوضاع الحالية سنجد أنه من الصعب على ترامب التوصل إلى اتفاق سلام، ويقول الكاتبان إن الفلسطينيين لم يمر عليهم يوم دون مواجهة دولة الاحتلال، لذلك لن يقدموا أى تنازلات ولن يتخلوا عن مطالبهم الأساسية، وفى المقابل فإن إسرائيل التى تحكمها حكومة يمينية ليست مُستعدة للتضحية بأى شىء، وبدون ذلك فإن صفقة القرن التى يسعى ترامب إلى تحقيقها ستبقى بعيدة المنال.

أيضاً، عرفنا من جريدة «معاريف» الإسرائيلية أن هناك خلافا بين رئيس الوزراء الإسرائيلى، بنيامين نتنياهو، والحكومة الإسرائيلية المصغرة «الكابينيت»، بشأن تقديم تنازلات لإقناع الجانب الفلسطينى ببدء التفاوض بشأن «صفقة القرن». وذكرت الجريدة أن نتنياهو يحاول تقديم تنازلات فى المستوطنات غير القانونية فى شمال وشرق القدس، ليقبلها الطرف الفلسطينى، وهو ما ترفضه الحكومة الإسرائيلية المصغرة «الكابينيت»، فى وقت جرت مناقشات كثيرة فى هذا الإطار خلال العام الماضى، دون جدوى.

نداف هعتسنى، المحلل السياسى للجريدة الإسرائيلية كتب أن هناك خلافات جوهرية داخل الحكومة الإسرائيلية حول إخلاء المستوطنات غير الشرعية أو غير القانونية فى محيط مدينة القدس، ونتنياهو طلب من حكومته تقديم تقارير ربع سنوية حول الأمر نفسه، وتدخلت الإدارة الأمريكية فى ذلك. ورأى الكاتب الإسرائيلى أن «صفقة القرن»، تدور حول إقامة دولة فلسطينية ناقصة، عاصمتها جزء من مدينة القدس لم يسم اسم المدينة المقترحةـــ مع التنازل عن بعض المناطق فى المدينة نفسها، لكن مع سيطرة إسرائيلية على أجزاء كبيرة من الضفة الغربية وغور الأردن. وأوضح الكاتب نفسه أن نتنياهو يقول «نعم» لـ«صفقة القرن»، لإدراكه أن الفلسطينيين سيرفضون خطة ترامب للسلام، وهو مدعوم برأى اليمين فى إسرائيل، فضلا عن أنه يؤمن بوجود صديق حقيقى فى البيت الأبيض، ممثلا فى ترامب، ويستغل بدوره رفض الفلسطينيين لـ«صفقة القرن» لتنفيذ ما يرنو إليه.

فى السياق ذاته، ذكرت القناة السابعة العبرية، مساء الجمعة، أن طاقم المفاوضات الأمريكى للسلام، بقيادة جاريد كوشنر، لم يتحدث مع الحكومة الإسرائيلية حول تقديم تنازلات لإنجاح وتمرير «صفقة القرن»، وأن الأمر يتعلق بكون الجانب الفلسطينى يرفض الحديث مع نظيره الأمريكى، لرفضه، فى الأساس، خيار السلام الذى قدمه الرئيس دونالد ترامب. وعلى موقعها الإلكترونى نقلت القناة عن مصدر أمريكى بارز أن الطرف الإسرائيلى يرغب الحديث عن سلام اقتصادى أعمق وأفضل من السلام السياسى، وأن ما يعرقل إتمام «صفقة القرن» هو رفض الفلسطينيين مجرد الجلوس مع الأمريكيين، رغم أن جولة صهر الرئيس، جاريد كوشنر، المكوكية فى منطقة الشرق الأوسط، ناقشت الأمر نفسه مع الدول العربية، فى مصر والسعودية والأردن وقطر وإسرائيل.

وكانت صحيفة «يسرائيل هايوم» العبرية، قد ذكرت، الخميس، أن طاقم المفاوضات الأمريكى للسلام بين الطرفين، الفلسطينى والإسرائيلى، خفَّض من مستوى توقعاته حول نجاح «صفقة القرن»، نتيجة لرفض الفلسطينيين خطة السلام الأمريكية، المقدمة من الرئيس، دونالد ترامب. وأكدت الجريدة الإسرائيلية أن «صفقة القرن» تحتاج إلى بعض التعديلات والإضافات، خاصة فيما يتعلق بالوضع الاقتصادى لقطاع غزة، وليس من الناحية السياسية فحسب، كما أن هناك بعض الدول العربية رفضت خيار السلام الأمريكى، خاصة أن العاهل الأردنى، الملك عبدالله الثانى، قد أوضح خلال زيارته الولايات المتحدة أنه لا يمكن إتمام الصفقة دون موافقة الطرف الفلسطينى، وسيكون بمثابة «كارثة».

تفاصيل المؤامرة تعرفها مصر بالكامل منذ 2004 حين تحدث جورج تنت، رئيس المخابرات الأمريكية الأسبق، مع اللواء عمر سليمان، رئيس المخابرات المصرية، وقتها عن مشروع «غزة الكبرى»، الذى تعرض فيه واشنطن على القاهرة التنازل عن 1600 كيلومتر من سيناء، بامتداد الحدود مع غزة، مقابل 80 مليار دولار أو مساحة مماثلة فى صحراء النقب. وهو المشروع الذى كان أحد أسباب مقاطعة مبارك لإدارة بوش الابن وتوتر العلاقة بين الولايات المتحدة ومصر بشكل ظل يزداد سوءا حتى وصل باراك أوباما إلى الحكم.

بسبب ذلك المشروع أيضاً قرر مبارك أن يوقف كل مشروعات البنية الأساسية فى سيناء، وبينها مشروع ترعة السلام. وكان هذا المشروع أيضاً أحد أهم الأسباب أو بنود الصفقة التى وصل بها الإخوان إلى الحكم والتى شملت أيضاً التنازل عن حلايب وشلاتين للسودان وعن محور قناة السويس أو إقليم القناة لدويلة قطر! وبهذا الشكل وصل الإخوان إلى حكم مصر بمساعدة وتمويل من واشنطن ووكلائها فى الدوحة وأنقرة.

هكذا، يمكن فهم واستيعاب كثير من تفاصيل ما يوصف بـ«الربيع العربى» والدور القطرى-الإسرائيلى-التركى-الإيرانى فيه، إضافة إلى الدور الأبرز الذى لعبته المخابرات الأمريكية فى تدريب الكوادر والمختصين والذين كادوا ينجحون فى تنفيذ خطوات العملية (عملية الاحتلال) بدقة شديدة.. وهى العملية التى امتدت إلى تمويل قطر للإرهابيين لتخريب سوريا، واحتلال ليبيا وقتل العقيد معمر القذافى ومقتل ثلاث شخصيات من المطلعين بأسرار دعم القذافى للرئيس الفرنسى السابق نيكولا ساركوزى بالأموال وغيره وبينهم مثلاً وزير النفط -السابق- شكرى غانم الذى قيل إنه مات غرقا فى سويسرا.. وكان بين تفاصيل العملية أو المؤامرة قيام قطر بـ«تفخيخ الخليج» لصالح الموساد اﻹسرائيلى.. وتنفيذاً للطموح الأمريكى فى تنفيذ سيناريو «التقسيم» بما يخدم مصالحها ويخدم «الإمارة الصغيرة» بتغيير موازين القوى وأوراق الضغط بدول الخليج لتصبح فى صالحها، ويجعلها تتمكن من إعادة رسم خريطة المنطقة بـ«أيدٍ قطرية» ودعم أمريكى.

كانت طموحات الإدارة الأمريكية، بعد أن ضمنت وصول الإخوان للحكم فى مصر وتحالفهم معها، هو أن يتسع المحور «الانتهازى» الذى تكونه ما بين إسرائيل وتركيا وقطر وإيران لتنضم إليه «مصر الإخوانية» وبقية الدول التى وصل إليها الإخوان للحكم بعد ما يوصف بـ«الربيع العربى». وكان تعزيز ذلك المحور واحدا من أهم السياسات التى تسعى إليها إدارته فى ولايته الثانية، تحت مزاعم أو أوهام أمريكية بأن كل مشكلات وأزمات الشرق الأوسط سيتم حلها لو تم توزيع القوة بشكل متساوٍ على إيران الشيعية من ناحية، ومصر وتركيا السنية من ناحية أخرى، بحيث يحد كل منهما من نفوذ الآخر، ويحرص عليه أيضاًً بحكم تعاونهما ومصالحهما المشتركة.

رؤية واشنطن ارتكزت على أن التعاون بين تلك الدول المحورية الثلاث، إيران وتركيا و«مصر الإخوان»، يمكن أن يحل كل مشاكل الشرق الأوسط بما فيها السيطرة على طموح إيران النووى، فدخول تلك القوة الشيعية الكبرى فى شكل من أشكال «التحالف» أو «الاتحاد الإسلامى» مع تركيا و«مصر الإخوان» يمكن أن يحد من خطورة سباق التسلح النووى فيما بينها، ولن يكون هناك خطر من وجود أى قوة نووية أخرى فى المنطقة غير إسرائيل.

بعد كل ما سبق يمكننا أن نقول إن أهم منجزات ثورة يونية، هو أنها كسرت حلقة مهمة فى محور الشرق الأوسط الجديد، كما كانت تراه أمريكا، وتمكنت من إجهاض المشروع، وقلبت كل الموازين، وأطارت صواب الأمريكيين والإسرائيليين وحلفائهما فى المنطقة وفى كل دول العالم.


التعليقات