الإمام و الوزير ..مشاهد ساخنة من عملية انقلاب وزير الأوقاف على شيخ الأزهر

لا تتوقف المعارك الملتهبة بين الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف والدكتور احمد الطيب شيخ الازهر، فبين الحين والآخر تنشأ معركة جديدة لاسباب مختلفة ومعطيات متباينة وفي كل مرة يخرج الإمام منتصراً بينما يصر الوزير على تقمص دور الخاسر بجدارة. "الموجز" ترصد في هذه السطور أبرز معارك الطرفين وما انتهت إليه.

قانون الفتوى.. "الطيب" طالب باستبعاد "الأوقاف" من الإصدار.. و"جمعة": تضييق مرفوض على المساجد

أشعل قانون الفتوى الجديد الذي ناقشه مجلس النواب خلال الفترة الأخيرة، جدلًا كبيرًا بين مشيخة الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف، خاصة فيما يتعلق بدور الإدارة العامة للفتوى بالأوقاف وإصدار الفتاوى بشكل رسمي فى القانون الجديد، خاصة بعدما طلبت هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف بشكل رسمي استبعاد "الإدارة العامة للفتوى بوزارة الأوقاف" من الجهات صاحبة الحق فى إصدار الفتاوى على اعتبار أنها جهة تنفيذية وليست جهة علمية.
وقال الدكتور محيي الدين عفيفي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، وممثل الأزهر لمناقشة القانون في البرلمان، إنَّه لم يرد فى قانون وزارة الأوقاف ما يتعلق بالفتاوى، علاوة على أنَّ هيئة كبار العلماء ذكرت فى مذكرة التعديلات المقترحة منها، أن يتم حذف الإدارة العامة للفتوى بوزارة الأوقاف باعتبارها جهة تنفيذية وليست جهة علمية لإصدار الفتوى، ولم يرد بقانون تنظيم وزارة الأوقاف المشار إليه أى اختصاص للإدارة بالفتوى ولا يمكن إنكار اختصاص أئمة المساجد بالفتوى.

وأشار إلى أنَّ هذه اللجنة لا تملك حق التعامل مع الفتاوى والقضايا العامة، معتبرًا أن الفتوى صناعة من الصناعات الثقيلة، وما أوقعنا فى المصائب التى نحن فيها إلا افتقاد مقومات هذه الصناعة، والكل يعلم قيمة التخصص واحترام التخصص، حيث إنَّ هيئة كبار العلماء قد ذكرت أنَّ "الأوقاف ليست جهة علمية لإصدار الفتاوى أوالتصدى لها وذلك إعمالاً لصحيح أحكام القانون رقم 272 لعام 1959، بشأن تنظيم وزارة الأوقاف والذى اقتصر دورها فيه على شئون الأوقاف وإدارة الأعيان والمساجد ولا يجوز مخالفة ذلك فى أى تنظيم داخلى للوزارة، ولم يرد بقانون تنظيم وزارة الأوقاف المشار إليها أى اختصاص بالإفتاء".
وهاجم وزير الأوقاف الدكتور مختار جمعة رفض الأزهر منح حق الفتوى للأوقاف، قائلًا "التضييق على أئمة المساجد فى مجال الفتوى يتيح المجال أمام المتطرفين، ما يفسح المجال لإثارة اللغط والبلبلة في المجتمع، وعندما يطرح موضوع إن لم يوضحه أئمة المساجد فى خطب الجمعة وغيرها، ستترك الفرصة للمتطرفين والمتشددين لإثارة البلبلة واللغط.

العجيب في الأمر؛ أنَّ مختار جمعة الذي يدَّعي أن الأئمة قادرين على الفتوى وأنَّهم علماء كما قال في إحدى تصريحاته هو الشخص ذاته الذي دائمًا ما كان يُصدر تعليماته للأئمة والدعاة بعدم الفتوى في المساجد، وتوجيه من يطلب فتوى إلى دار الإفتاء؛ علاوة على أنّه أثار استياء الأئمة منذ عدَّة أشهر، بعد إعلانه أن سينظم اختبارات لهم وسيطيح بالضعيف منهم؛ قائلًا "معظم أئمة الوزارة لا يحفظون 5 أجزاء متتالية من القرآن، على الرغم من أنه يوجد الكثير من الأئمة المتميزين، مؤكدًا أنّه لن يتم السماح لقلة متخوفة من اختبارات إعادة تقييم مستوى الأئمة، أن تعبث بعقول باقي الأئمة.. ما يؤكد أن "جمعة" لا يدافع عن حق الفتوى للأئمة لحقهم في ذلك، بل استكمالًا لهجومه على الأزهر، ويظهر بمظهر المسيطر على الأمور.
وقال مصدر بوزارة الأوقاف لـ"الموجز" إنَّ كثيرًا من المواطنين يلجأون إلى الإمام في المساجد الكبرى، لطلب الفتاوى الشرعية إذْ يكون أغلبها خاصة بأمور الزواج والطلاق والمواريث، علاوة على المشكلات الاجتماعية مثل حالات النزاع وطلب الإصلاح.

وأضاف أن لائحة العمل التي أعلنتها وزارة الأوقاف للأئمة، تضمنت عدة نقاط "الفتاوى الشرعية منها ما هو بسيط مثل الفتاوى الموسمية مثل السؤال عن صيام شهر رمضان والحج والعمرة أو بعض أحكام صلاة الجماعة في المسجد أو المنزل، وفتاوى المعاملات البنكية، فيجاوب عليها الأئمة؛ أمَّا ما يتعلق بمسائل المواريث أو الطلاق فيتم توجيه صاحبها لدار الإفتاء حتى لا يتحمل الإمام مسئولية إجابة غير صحيحة أو يتم فهم كلامه بشكل غير صحيح، لأنَّ المساجد ليست مركزًا إفتائيًا، خاصة أنَّ دار الإفتاء هي المعتمدة لدينا في ذلك الأمر".

وأكَّد أنَّ الإمام الأزهري له منهج لا يُخالف الفتاوى الشرعية الصادرة عن المؤسسة الرسمية، مشيرًا إلى أنَّه من فطانة الإمام ألَّا يتعرض للمسائل الخلافية في الخطبة أو الدروس حتى لا يُسبب إشكاليات داخل المساجد.. موضحاً أنَّه ليس تقليلًا من شأن الإمام أبدًا أنْ يُحيل الأمر للمُختصين، حيث كان كبار العلماء يفعلون ذلك ولا يجدون حرجًا.

ولم يكن ذلك بعيدًا أيضًا عن مطالبة مختار جمعة، الداعيات خلال استقبالهنَّ لبدء عملهنَّ في المساجد الكبرى، بالابتعاد عن الفتوى وترك الأمر لدار الإفتاء.
وفي حالة تُثبت عدم مقدرة وزارة الأوقاف على إصدار الفتاوى، رصدت "الموجز" من قبل "قرصنة" وكيل الأوقاف في جنوب سيناء، الشيخ إسماعيل الراوي، لفتوى رسمية صادرة من مجمع البحوث الإسلامية بشأن جواز الجمع بين نية قضاء رمضان وصيام الـ6 من شوال، ونسبها لنفسه، تحت عنوان لمحات فقهية للشيخ إسماعيل الراوي.

العزل المتبادل.. الإمام أطاح بالوزير من عضوية مكتبه الفني فرد "جمعة" بعزل عباس شومان من إدارة مسجد الحسين

بداية الخلاف في هذا الأمر بين "جمعة" و"الطيب" حدث خلال فبراير 2015، حينما أصدر شيخ الأزهر، قراراً بإقالة وزير الأوقاف، من عضوية مكتبه الفني، وإسناد رئاسة المكتب لوكيله الدكتور عباس شومان، فلجأ "جمعة" إلى عزل "شومان" من رئاسة مجلس إدارة مسجد الحسين ردًا على قرار "الطيب".

معركة الفضائيات.. قائمة المصرح لهم بالظهور أثارت غيرة الوزير فقدم أسماءً من وزارته

وفي مشهد آخر، يُثبت أن مختار جمعة، يريد أن يناطح شيخ الأزهر فقط، ما فعله حينما حددت مشيخة الأزهر قائمة المصرح لهم بالظهور على القنوات الفضائية، وقدَّم هو الآخر قائمة، للمجلس الأعلى للإعلام بحجة أنَّ الأوقاف لها الحق هي الأخرى في الظهور إعلاميًا.

الطلاق الشفوي.. الوزير يشعل حرب الأسافين بين المشيخة ومؤسسة الرئاسة

وزير الأوقاف لم يكتفِ بما يلجأ إليه في الهجوم غير المعلن على الأزهر، حيث استغل الخلاف بين مؤسسة الرئاسة ومشيخة الأزهر على خلفية تضارب الآراء فى عدد من القضايا مثل قضية الطلاق الشفهي ليشعل حرب الأسافين بينهما، وظهر ذلك جليًا في دعوته لمؤسسات الدولة ومفاصلها القيادية "قاصدًا الأزهر" إلى تنقية نفسها من أصحاب الفكر المتشدد والمتطرف، رغم أنَّ أعضاء جماعة الإخوان الإرهابية والسلفيين ما زالوا يسيطرون على كثير من المساجد.

ومن جهة أخرى، خرج الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف وقتها، عن صمته ليهاجم الجميع قضية الطلاق حيث قال: لا أريد أن أدخل في المتاهات الأخرى والردود على ما يكتب أو يقال أو يبث في القنوات؛ لأن هذا من وجهة نظري تضييع للوقت وللجهد معًا، فقط أحب أن ألفت النظر إلى أن المزايدة على الأزهر في هذا الموضوع تجاوزٌ للحد، وأيضًا تجاوزٌ للحق، وكنا نتمنى من بعض المنتسبين للأزهر ألَّا يقحموا أنفسهم في القضايا الفقهية الشائكة، وأن يتركوا للمجامع والهيئات المتخصصة في الأزهر الشريف بيان الحكم الشرعي في هذه القضية، ولدينا وثائق علمية حتى لا يزايد علينا في الصحف ولا في القنوات.

الخطبة المكتوبة.. تفجر المسكوت عنه بين الطرفين.. والسيسي يحسم المعركة لصالح "الطيب"

انتصر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، في معركة الخطبة المكتوبة التي استمرت لأسابيع؛ حيث حارب فيها الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف، بكل ما أوتي من قوة ولم يراع مكانة الأزهر وشيخه وعلمائه، الذي رفض الفكرة وأنها ليست لصالح الإسلام أو الدعوة، لاسيما عدم التدبر في انتمائه وتعليمه وأنه ترعرع منذ البداية في كنف تلك المؤسسة، إلَّا أن "الطيب" لم يستسلم لذلك.
تحدى مختار جمعة، الأزهر، وأصرَّ على تطبيق الخطبة المكتوبة، رغم رفضها رسميًا من قبل المشيخة ومن هيئة كبار العلماء. ومع ذلك أصدر الإمام "الطيب"، توجيهات لقيادات الأزهر بعدم تناول الموضوع بالتعليق اكتفاءً بما أصدرته هيئة كبار العلماء بإجماع أعضائها، وهى الهيئة العلمية الكبرى فى العالم الإسلامى، والتركيز على العمل الميدانى للنهوض بالعمل الدعوى وتصحيح الفكر المغلوط بما يخدم المجتمع وقضاياه.

وتجاهل الدكتور محمد مختار جمعة، رفض هيئة كبار علماء الأزهر للخطبة المكتوبة، واعتبارها تسطيحاً للفكر وتجميداً للخطاب الديني، ودعا أئمة الأوقاف، لتنفيذ قراره بالالتزام بالخبطة المكتوبة، إلا أنه أعلن عدم إلزام الأئمة التابعين للأزهر بها.

إلا أن لقاءً بين "الطيب" والرئيس عبدالفتاح السيسي، حمل الانتصار لشيخ الازهر، إذ أكد "السيسي" دعم الدولة الكامل والمتواصل لمؤسسة الأزهر الشريف، جامعًا وجامعة، وكذلك دوره المحوري في التعريف بصحيح الدين الإسلامي.
وأظهر الاجتماع عدم صدق وزير الأوقاف في إعلانه دائمًا أنَّ الخطبة المكتوبة جاءت وفق توجيهات "السيسي" بحجة الارتقاء بالدعوة، حيث تأكيد الرئيس أنَّ الأزهر هو المسئول عن الدعوة وأمرها في يد الدكتور أحمد الطيب، الذي وجَّه بالعدول عن الفكرة.
وفي هذا السياق يمكن القول أن مناقشة "الطيب" مع قيادات الأزهر، ووزير الأوقاف ومفتي الجمهورية الدكتور شوقي علام، جاءت بالحل النهائي لأزمة "الخطبة المكتوبة" التي افتعلها جمعة، حيث أشار "السيسي" إلى أنَّ الأزهر هو المسئول عن الدعوة في الدولة، و دوره في مواجهة دعوات الغُلو والتطرف، من أجل الحفاظ على الصورة الحقيقية للدين الحنيف، ومواصلة مسيرة التنمية.
"الطيب" تسبب في إحراج مختار جمعة، حيث خرج الوزير بتصريح نص على "أنَّ وحدة الصف فوق كل اعتبار، وأن مصلحة الدين والوطن تتطلبان تضافر الجهود لا تفرقها، وسنعمل معًا على كل ما يخدم الدين والوطن، أئمة ووعاظًا وأساتذة على قلب رجل واحد".. وجاءت تلك الكلمات منافية تمامًا لسياسة "جمعة" منذ توليه الأوقاف، إذ خرج عن عباءة الأزهر وأصبح يحاول تجديد الخطاب الديني منفردًا بعقد المؤتمرات فقط، متطلعاً بذلك إلى كرسي مشيخة الأزهر، ما دفعه للتعارض مع الدكتور أحمد الطيب في كثير من الأمور.


موضوعات ذات صله

التعليقات