الدواء المر.. المصريون يحصدون ثمار الصبر

الموازنة تحقق فائضا لأول مرة منذ 15 عاما

كل الشواهد تؤكد أن مصر تسير على الطريق الصحيح فى طريقها للنمو، وأنها نجحت فى إحراز عدد من الأهداف، تشمل تقليص التضخم وزيادة صافى احتياطياتها الدولية. ورغم الاعتقاد بأن المستوى الحالى العالى للدين المحلى يمثل عبئا على الموازنة العامة، فإننا على ثقة من أن التزام مصر ببرنامج الإصلاح وبخطة تصحيح أوضاع المالية العامة، سيؤدى إلى الانخفاض التدريجى لنسبة الدين المحلى إلى الناتج المحلى الإجمالى. أول ما يطمئن هو أننا حققنا فائضا أوليا فى موازنة السنة المالية 2017 - 2018، للمرة الأولى فى 15 عاما، مع تراجع عجز الموازنة العامة للدولة ليسجل 9.8 فى المائة من إجمالى الناتج الداخلی، فى ما بلغ معدل النمو للعام الماضى أعلى نسبة له منذ عشر سنوات عن مستوى 5.3 فى المائة. والإشارة هنا مهمة إلى أن تلك هى المرة الأولى منذ ست سنوات التى يصل معدل العجز الكلى إلى أقل من نسبة 10 فى المائة، ويسجل 434 مليار جنيه (نحو 24.2 مليار دولار). مع تحقيق معظم أهداف "المالية العامة" لذلك العام المالى رغم كل الصعوبات التى مرت على المواطن والدولة والموازنة العامة. برنامج الإصلاح هو دواء مر خلّف آثاره على المواطنين، إلا أن الدولة بدأت تستعيد عافيتها فى نواح كثيرة ومنها الجزء الخاص بالمالية والاقتصاد. بعد أن تم إطلاق البرنامج الحكومى للإصلاح الاقتصادى عام 2014 وحصلت بموجبه مصر فى 2016 على قرض بقيمة 12 مليار دولار على ثلاث سنوات من صندوق النقد الدولى. وكان على رأس الإصلاحات التى قامت بها الحكومة، قرار البنك المركزى فى نوفمبر 2016 بتعويم الجنيه، ما تسبب بارتفاع سعر الدولار من 8.8 جنيه إلى نحو 17.5 جنيه حاليا. وكان الناتج المحلى الإجمالى قد نما فى النصف الأول من السنة المالية 2017/2018 من 3.83% إلى 5.23% مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، وهى الأرقام التى من المرجح أن تستمر فى التحسن بموجب نمو الاستثمار وعدد من الإصلاحات التشريعية القادمة. وهو ما يدفعنا إلى توقع أن يبلغ الناتج المحلى الإجمالى 5.3% فى السنة المالية 2017/2018، قبل أن يصل إلى 6% فى السنة المالية 2018/2019، و6.2% فى السنة المالية 2019/2020" تعويم العملة تسبب فى موجة تضخم غير مسبوقة للأسعار عانى منها المصريون وبلغت ذروتها فى يوليو 2017 حين سجّل المؤشر السنوى لأسعار المستهلكين 34.2 فى المائة، إلا أنه أخذ فى الانخفاض وصولا إلى 13.8 فى المائة مع نهاية يونيو. وإضافة إلى تعويم الجنيه، تضمن برنامج الإصلاح خفض دعم المحروقات وفرض ضريبة القيمة المضافة، إذ بلغ دعم المواد البترولية 121 مليار جنيه فى السنة المالية 2017 - 2018، وذلك بزيادة عشرة فى المائة عما كان مستهدفا. ودعم الكهرباء بلغ 29 مليار جنيه فى السنة المالية 2017 - 2018، مقارنة مع 30 مليارا كانت مستهدفة. بالإضافة إلى دعم السلع التموينية الذى بلغ 80.5 مليار جنيه فى السنة المالية الماضية المنتهية فى 30 يونيو. اللافت هو أن مصر لم تتخذ أى قرار حتى الآن بشأن برنامج إصدار السندات الدولية للسنة المالية الحالية 2018 - 2019 ومن المستبعد أن يكون هناك قرار قبل شهر أو شهرين. وأن إجمالى الإيرادات الضريبية، بلغت 628 مليار جنيه خلال العام المالى الماضى. وأضاف أن الإيرادات غير الضريبية بلغت 161 مليار جنيه والمنح بلغت مليار جنيه. واللافت أيضا هو أن استثمارات الأجانب فى أدوات الدين الحكومية، بلغت 17.5 مليار دولار منذ تحرير سعر الصرف وحتى نهاية يونيو 2018. ويقل ذلك عن مستوى 23.1 مليار دولار المسجل فى نهاية مارس 2018. وبدأنا نرى عودة استثمارات الأجانب فى أدوات الدين الحكومية خلال الأسبوعين الأخيرين. وكان نحو ثلاثة إلى أربعة مليارات دولار قد خرجت من استثمارات الأجانب فى أدوات الدين الحكومية وقت أزمة الأسواق الناشئة الأخيرة... لكن معدلات العائد لدينا ما زالت الأفضل بين الأسواق الناشئة. لكن قرار البنك المركزى تحرير سعر صرف العملة المحلية فى نوفمبر 2016 ساهم فى إنعاش التدفقات الأجنبية على السندات وأذون الخزانة الحكومية المصرية. ارتفاع معدل نمو الناتج المحلى ليصل إلى 5.4 فى المائة فى الربع الرابع من العام المالى 2017 - 2018 مقارنة بـ5 فى المائة عن العام المالى السابق له، فى ما شكلت نسبة الاستثمار وصافى الصادرات 76 فى المائة من النمو باعتبارهما المصدر الرئيسى للنمو الاقتصادى عن الربع الرابع من العام المنتهى لتبلغ نسبتهم عن العام ذاته 74 فى المائة حيث سجل معدل نمو الناتج المحلى الإجمالى نسبة 5.3 فى المائة عن العام المالى 2017 - 2018 مقارنة بنسبة 4.2 فى المائة عن العام 2016 - 2017. وعلى مستوى معدلات النمو القطاعية، استطاعت كل القطاعات تحقيق معدلات موجبة فى الربع الرابع من العام المالى المنتهى 2017 - 2018، وكذلك على مستوى العام لتكون بذلك قد استطاعت جميعها تحقيق نمو موجب للمرة الأولى منذ عشر سنوات؛ حيث ارتفع قطاع قناة السويس ليبلغ نسبة الـ10.7 فى المائة عن الربع الرابع من العام المالى المنتهى 2017 - 2018 ونسبة 10.2 فى المائة عن العام عامة، تلاه قطاع التشييد والبناء بنسبة 9.1 فى المائة عن الربع الرابع ونسبة 9.5 فى المائة عن العام ذاته كما ارتفع قطاع الاتصالات ليصل إلى 9 فى المائة عن الربع الأخير من العام المالى 2017 - 2018 ونسبة 9.4 فى المائة على مستوى العام ليبلغ القطاع الخاص بالاستخراجات نسبة 8.5 فى المائة عن الربع الرابع من العام 2017 - 2018 ونسبة 8.6 فى المائة عن العام ذاته. نحو 76 فى المائة من المُساهمة فى نمو الناتج المحلى خلال الربع الرابع من العام المالى 2017 - 2018 تأتى من قطاعات الاستخراجات بنسبة 17.6 فى المائة والتشييد والبناء بنسبة 10.9 فى المائة والصناعات التحويلية بنسبة 9.9 فى المائة إلى جانب قطاع تجارة الجملة والتجزئة بنسبة 8.7 فى المائة تلاه قطاع الأنشطة العقارية بنسبة 7.4 فى المائة والزراعة بنسبة 6.3 فى المائة. وعلى مستوى العام المالى المنتهى حققت القطاعات ذاتها نسبة مساهمة فى نمو الناتج المحلى بنسبة 77 فى المائة ليسجل قطاع الاستخراجات 15.8 فى المائة يليه قطاع الصناعات التحويلية بـ12.2 فى المائة والتشييد والبناء بنسبة 10.3 فى المائة، كما سجل قطاع تجارة التجزئة والجملة نسبة 9.6 فى المائة والأنشطة العقارية بنسبة 7 فى المائة وقطاع الزراعة بنسبة 6.8 فى المائة. وحول تحسن بيئة الأعمال، ارتفع المتوسط السنوى لمؤشر مديرى المشتريات ليقترب من 50 نقطة خلال العام المالى 2017 - 2018، بما يعكس التأثير الإيجابى للإصلاحات الاقتصادية على نمو الأعمال وحركة التصدير مقارنة بمتوسط 45.6 نقطة خلال العام المالى 2016 - 2017 بنسبة ارتفاع بلغت نحو 8 فى المائة. بالإضافة إلى التطور فى معدل نمو الصادرات غير البترولية ليبلغ نسبة 12.3 فى المائة لتسجل قيمة تلك الصادرات 24.1 مليار دولار عن العام 2017 - 2018 مقارنة بـ21.3 مليار دولار فى العام 2016 - 2017 حيث بلغ نصيب الدول العربية من صادرات مصر السلعية غير البترولية نسبة 39 فى المائة ونصيب دول الاتحاد الأوروبى نسبة 28 فى المائة. الزيادة فى الدين الخارجى الذى بلغ 100 مليار دولار أمريكى وفقا لأحدث الأرقام المعلنة، بعد أن كان 67 مليار دولار أمريكى فى ديسمبر 2016، تمثل مصدرا رئيسيا لتحديات الاقتصاد المصری، كما تشتمل المخاطر الخارجية الأخرى على زيادة أسعار النفط العالمية، ما قد يخل بالتوازن بين استقرار الأسعار، وبين خطة تصحيح أوضاع المالية العامة. كما نؤمن بأن نمو استثمارات القطاع الخاص عامل رئيسى لزيادة استدامة نمو الناتج المحلى الإجمالى. ومع التطلع إلى نمو أكثر شمولا، نتوقع أن تتبنى الحكومة عددا من التدابير النقدية والمالية، لتحفيز نمو استثمارات القطاع الخاص، خاصة أن تباطؤ التضخم يدعو بقوة لسياسة تيسير نقدية، ونتوقع أن يبلغ إجمالى خفض أسعار الفائدة 800 نقطة أساس طوال الفترة 2018-2019، حيث سيواصل التضخم السنوى التباطؤ إلى متوسط قدره 13% فى السنة المالية 2018/2019، و11% فى السنة المالية 2019/2020، مع تحقيق استقرار إلى حد كبير فى سعر الصرف الأجنبى فى المدى القصير، وهو أمر من شأنه أن يؤدى إلى تحسين مناخ الاستثمار فى مصر، وتحفيز النمو. التضخم كان وصل إلى ذروته خلال شهر يوليو 2017 بعدما رفعت الحكومة أسعار الوقود ضمن خطتها لترشيد الدعم، لتسجل 33% و35.3% للتضخم العام والأساسى على التوالی، ثم أخذت فى الانخفاض منذ أغسطس وحتى يناير الماضی، لتسجل أدنى مستوى منذ أكتوبر وسبتمبر 2016. وعليه، سيكون أمام البنك المركزى خياران: الأول ينطوى على تثبيت سعر الفائدة لمواصلة استيعاب السوق لتبعات تحرير سعر الصرف، بينما الخيار الآخر هو تخفيض أسعار الفائدة فى ضوء انخفاض معدلات التضخم. أسعار الفائدة مرشحة للتراجع على مدار العام الجارى. وهو ما يعنى أن المركزى قد يخفض الفائدة مجددا بين 1 و3% خلال الأشهر المقبلة من العام الجارى. وبالتالى نتوقع أن إصلاحات "دعم الطاقة" خلال النصف الثانى من العام الحالى ستسهم فى رفع أسعار المنتجات البترولية، وذلك سيسهم فى ثبات معدلات التضخم بين 12 و13% خلال النصف الثانى من 2018، ما قد يدفع البنك المركزى إلى تثبيت أسعار الفائدة حتى انتهاء الفترة التضخمية. استمرار تحقيق معدلات التضخم وفقا لمستهدفات البنك المركزى عند 13% قبل نهاية العام، يدعم توجه للبنك المركزى فى تخفيض الفائدة، ونستبعد أن يعاود البنك المركزى سياسة رفع الفائدة خلال العام الحالى. ولاحظ أن صندوق النقد الدولى أشاد باتجاه البنك المركزى لخفض أسعار الفائدة خلال اجتماع لجنة السياسات النقدية بعد أن أبدى تحفظه على سياسة الخفض خلال اجتماع يناير الماضى. كما أن مصر مرتبطة باتفاق برنامج إصلاح اقتصادى يتسم بالمرونة مع صندوق النقد الدولى. وهناك اجتماعات دورية بين الجانبين للاطلاع على جميع التطورات، وسبق أن أشار الصندوق فى بعض تقاريره إلى ضرورة التأنى قبل تيسير السياسة النقدية، وإلى أن خفض الفائدة ضرورى لتحقيق مستهدفات الحكومة فى ما يتعلق بمعدل النمو الاقتصادی، حيث إن أهداف الحكومة لزيادة النمو الاقتصادى لن تتحقق دون جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية التى يعوق وجودها ارتفاع سعر الفائدة.


التعليقات