إبراهيم نجم.. مستشار المفتى الذي فضح الإرهابيين وكشف زيف أفكارهم

لا تقتصر مواجهة الإرهاب الذي تعاني منه كل دول العالم على المحور الأمني فقط، فهناك مواجهة من نوع خاص تعتمد على مقارعة الحجة بالحجة، والفكر بالفكر، حتى يمكن اجتثاث هذا الفكر الخبيث من جذوره. في هذا السياق جاء إصدار كتاب "Insight Egypt’s Dar al-Ifta Combats Extremism"، باللغة الإنجليزية للدكتور إبراهيم نجم، مستشار مفتي الديار المصرية حيث يحاول دحض وتفنيد أراء الإرهابيين التي يعتمدون عليها في تبرير جرائمهم.
ويحمل إبراهيم نجم الحاصل على شهادة الدكتوراه في مجال "الدراسات الإسلامية والعلاقات الإسلامية المسيحية" من جامعة إنديانا بالولايات المتحدة الأمريكية، على عاتقه الدفاع عن القضايا الإسلامية ونشر الفكر الوسطي المستنير وتصحيح صورة المسلمين في الخارج بعدما لحق بها الشبهات، بسبب ممارسات التنظيمات الإرهابية وقد أنشأ مرصد للأقليات المسلمة وآخر للفتاوى التكفيرية إضافة إلى تدشين قاعدة بيانات للمراكز الإسلامية بالخارج والجولات الأوروبية مما دفع البعض إلى تلقيبه بـ"دينامو" دار الإفتاء، الذي لا يهدأ حتى يُصحح صورة الإسلام في الخارج.
حاول "نجم" من خلال الإصدار، إيضاح مفاهيم الشريعة وعلاقة المسلم بغير المسلم، والقيم العليا والحاكمة في الإسلام، حتى يمكن تجفيف منابع الجماعات المتطرفة، وتطرق إلى الجماعات المتطرفة، وكيف تحاول أتباع مسار المسلمين الرائدين في وقت مبكر من خلال الصياغة الحرفية التي تنطق بها أو يلتزم بمواقفهم الفقهية التي اتخذتها فيما يتعلق بالقضايا الثانوية، والتي لا تميز جوهر الإسلام؛ لهذا كان لزامًا على "الإفتاء" أن تبذل جهدًا واسعًا لمحاربة هذه الأيديولوجية المتطرفة التي لم تُعد تُمثل خطرًا على نفسها وحدها، ولكنها تشكل تهديدًا واضحًا وصريحًا على الشباب والمجتمع ككل، ليس في مصر فقط وإنما عالميًا.. وجاء اختيار اللغة الإنجليزية كأهم العوامل التي ساهمت في تميز هذا الإصدار حتى يصل إلى أكبر عدد من القراء المسلمين وغير المسلمين حول العالم.
يقدم الكتاب مائدة عامرة لكل من أراد التعرف على حقيقة الجماعات الإرهابية وكشف زيف هؤلاء المنتمين لتلك التنظيمات المتطرفة دوليًا حيث يتألف الكتاب من مقدمة وعشرة فصول أساسية يحتوي كل منها على أهم المقالات البحثية والفتاوى والآراء الفقهية الصادرة عن دار الإفتاء حول تلك الموضوعات المختلفة.
في المقدمة أوضح "نجم" الهدف الأساسي الذي ينشده الكتاب وهو اضطلاع المؤسسة الدينية "دار الإفتاء" بدورها في تفكيك وتفنيد الأيدولوجيات المتشددة التي تخالف تعاليم الدين الإسلامي السمحة بل تتخذ من تحريف النصوص الشرعية وإخراجها عن سياقها ذريعة لاستباحة الدماء والهدم والخراب في شتى بقاع الأرض متخذين من الدين ستارًا.
استباحة الدماء
يلي المقدمة 10 فصول يمثل كل منها عدد من أعداد المجلة التي أصدرتها دار الإفتاء المصرية شهرياً وهي مجلة "Insight".. الفصل الأول من الكتاب يكشف النقاب عن حقيقة وجذور الجماعات الإرهابية وأوضح أن الجماعات الإرهابية كافة ما هي إلى وجوه متعددة لعملة واحدة همها الوحيد استباحة الدماء والأعراض باسم الدين.
يتألف هذا الفصل من جزئين رئيسيين هما: فهم حقيقة التهديد الذي يسببه التطرف الديني والجزء الثاني بعنوان: الجماعات المتطرفة: وجوه متعددة لعملة واحدة؛ وينتهي بطرح سؤال هام حول ماهية التطرف وكيف يمكن تعريفها، مما يمهد لما سيأتي من محتوى في الفصول التالية، حيث يمكن أن نعتبر أن الفصل الأول هو بمثابة مدخل أو فصل تمهيدي هام جدًا في هذا السياق المعقد.
أما الفصل الثاني من الكتاب والذي يعتبر نقطة الانطلاق في عرض ألوان التطرف وتوضيح حقيقة الأحكام الشرعية يتناول قضية "استعباد المرأة والطفل في معسكرات الإرهابيين" حيث ركز المحتوى على مراعاة الإسلام للأبعاد النفسية لكل من المرأة والطفل وكيف جاءت الأحكام الشرعية لتحمي وتؤمن حقوقهما في الرعاية والحماية كما ذكر الدكتور نجم في مقال له في هذا الفصل عن قضية القوامة التي هي أساس العلاقة السوية بين الجنسين كما أرادها الشرع الحنيف، حيث أوضح الدكتور نجم أن القوامة في الإسلام تعني "تحمل الرجل مسؤوليته تجاه أسرته وتوفير الرعاية المادية والمعنوية لهم" أي لا تعني التسلط أو التجبر على المرأة، فالقوامة هي تكليف وليست تشريف. وكذلك تعرض هذا الفصل لحقوق الأسيرات وقضية الزواج الإجباري التي مازالت تعاني منها بعض المجتمعات المسلمة حول العالم إلى يومنا هذا.
ويشتمل هذا الفصل على خمس موضوعات هامة هي تجنيد النساء والأطفال في معسكرات داعش، جرائم الإرهابين ضد النساء، النساء بين التخفي التام والإباحية الصارخة، ثم فتوى عن العبودية في الإسلام والتي تنصل على أن العبودية ليس لها مكان في الإسلام وأخيرا الحديث عن الزواج الإجباري والإجبار على التحول للإسلام وفرض زي معين على المرأة.
أفكار المتطرفين
ويتناول الفصلان الثالث والرابع التحقيق في فكر الجماعات الإرهابية من خلال فضح وكشف فكرهم المعوج ومفهوم الحاكمية بناء على قوله تعالى (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ( وكذلك حكم انضمام الشباب لتنظيم "داعش" كما جاء في فتوى دار الإفتاء المصرية وهو تحريم الانضمام لأي منظمة أو مؤسسة مسلحة او دعمها بأي شكل من الأشكال لما يتنافى مع قواعد الشرع الشريف التي تدع المسلمين إلى نشر السلام والحب والخير وعمارة الأرض وإراقة الدماء واستباحة الأعراض، موضحًا أن الإسلام إذ يحرم ذلك فهو دين الفطرة التي يشترك فيها البشر جميعا وميلهم إلى الاستقرار والأمن وهذا ما يحققه الإسلام من خلال نشر تعاليم التسامح والعفو، وهذا ما لا نجده في تلك الأفعال المشينة التي يرتكبها هؤلاء المجرمون باسم الدين.
غير المسلمين
أما الفصل الخامس، والذي يمكن اعتباره بأنه محوري، فقدم عرضًا متميزًا لما أقره الإسلام لمعاملة غير المسلمين وحكم الاعتداء على أهل الكتاب "المسيحيين" في ضوء الأحداث الإرهابية التي أحلت بالعديد من الكنائس المصرية ودور العبادة في العالم، فالإسلام حرَم شرعًا هدم الكنائس أو تفجيرها أو قتل من فيها أو ترويع أهلها.
وعرض الدكتور نجم من خلال هذا الفصل نموذجاً للوثيقة التي أبرمها النبي (صلى الله عليه وسلم) مع المسيحيين في المدينة ونص فيها على أنهم مواطنون لهم حقوق وعليهم واجبات وعاهدهم أن يحميهم ويحمي أعراضهم وممتلكاتهم ودور عبادتهم وعدم تكليفهم بما لا يطيقون، فمن أين أتي هؤلاء المتطرفين بهذه النصوص التي تستبيح قتلهم وتشريدهم والاعتداء على حرماتهم؟.
والموضوع الثاني الذي تطرق له هذا الفصل هو تفنيد ودحض أفكار وثقافة الكراهية تجاه المواطنين المسيحيين من خلال القرآن والسُنة المطهرة التي تتوافق مع الفطرة البشرية ولا تخالفها وتنشر الحب والتسامح بين أهل الأديان لتثبت للعالم الضلال المبين الذي تعيش فيه وبه تلك الجماعات.
ومن أهم الموضوعات التي تستحق الوقوف عندها في هذا الفصل من الكتاب هو ذكر الدكتور نجم لنماذج مشرقة من تعاملات بين المسلمين والمسيحيين على مدار التاريخ الإسلامي والتي تعكس مدى مساحة الدين الإسلامي، وكيف سطر لنا التاريخ نماذج بارزة من التعايش واحترام الأديان من أجل إعمار الأرض وسعادة البشرية.
ومن بين تلك النماذج التي ساقها نموذج المسلمين في الحبشة وموقف النجاشي في حمايتهم وتوفير الملاذ الآمن لهم عندما فروا من اضطهاد أهل مكة لهم فيما يسمى بالهجرة الأولى، هنا أنقذ الملك المسيحي المسلمين دون النظر إلى أي اعتبارات او اختلافات في المعتقد، أو العرق أو اللون.
وتمثل النموذج الثاني في الخليفة عمر بن الخطاب عند فتح القدس وكيف عامل أهل المدينة، وكان حريصاً ألا يصلي داخل الكنيسة حتى لا يظن المسلمين في الأجيال التالية أن هذا حق لهم.. واختتم نجم هذا الفصل بإيراد بعض الفتاوى الهامة التي أصدرتها دار الإفتاء لتوضح حكم الاعتداء على الكنائس وهدمها وقتل من فيها، وهو الأمر الذي تحرمه كل الأديان.
تحريف السنة
يقدم الفصل السادس من الكتاب عرضاً شاملاً لتفنيد ودحض مزاعم هؤلاء المتطرفين فيما يروجونه من تحريف لأقوال النبي محمد صلى الله عليه وسلم وتوظيف نصوص السُنة - وهي المصدر الثاني الرئيس للتشريع - في غير محلها لتبرير الأعمال الإرهابية تحت مسمى "الجهاد" المزعوم من قبل تلك الجماعات المتطرفة، ليشتمل هذا الفصل على مجموعة من الشبهات التي ينسبها هؤلاء المتطرفين زورًا للإسلام وتفنيدها بما يتوافق مع أحكام الشرع الشريف مثل حديث "جئتكم بالذبح" وحديث "بعثت بالسيف".
وظّف نجم في هذا الفصل مجموعة من الأدوات منها إثبات أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو المثل الأعلى لكل المسلمين وقبلتهم الهادية، ووضّح معنى الجهاد في السُنة حيث يتمثل في العديد من المعاني منها طاعة وبر الوالدين، وخدمة الأرامل والمحتاجين، والعمل والسعي على طلب الرزق للإنفاق على من نعولهم والوالدين، والحج والعمرة ومجاهدة النفس وأهوائها، ثم تطرق إلى دف المنشود من الجهاد في التشريع الإسلامي، ثم انتقل إلى توضيح حكم حرق المخالفين لنا في العقيدة، وقتل المرتدين عن الإسلام.
الجهاد الأعظم
يتناول الفصل السابع تصوراً متميزاً لشهر رمضان الكريم، ويصفه الدكتور نجم بأنه شهر "الجهاد الأعظم" في صورة لافتة إلى تفنيد ودحض تلك المزاعم التي يروج لها هؤلاء الشرذمة المتطرفين حول معني الجهاد في الإسلام، فالجهاد الحق في الإسلام هو جهاد النفس وأهوائها وهي الفائدة التي لابد أن يخرج بها المسلم من رحلته الروحانية في شهر رمضان ومنها التعرف على حكمة الصيام، حيث جاء في السنة أن النبي صرح بعد العودة من إحدى غزواته "عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"، يقصد بالجهاد الأكبر هنا "جهاد النفس" والتغلب على شهواتها التي يزينها الشيطان للمسلم، فأين هؤلاء المتطرفين من تلك المعاني الحقيقية التي أقرها الشرع، فما يرتكبونه من أفعل ما هو إلا إثبات حقيقي على عدم انتمائهم لهذا الدين الحنيف بأي صورة من الصور وجهلهم بحقيقة الدين، فالإسلام منهم بري.
عقلية المتطرف
وفي الفصول الثامن والتاسع والعاشر قدم شرحاً وتوضيحاً مفصلاً للغوص داخل عقلية المتطرف وتحليل أفكاره بما في ذلك قضية الخلافة التي اختص بها الفصل العاشر في عرض متميز وشرح تفصيلي لتوضيح معنى الخلافة في الإسلام وما هي مسؤوليات الخليفة وكشف حقيقة الخلافة المزعومة التي تدعيها داعش، في محاولة لاستكمال الهدف من الكتاب وهو إزاحة الستار وكشف النقاب عن تلك العقول المريضة حتى يصبح لدى القارئ تصور شامل لقضية التطرف وسبر أغوار نفسية المتطرف.
ويتناول الفصل التاسع بشكل مفصل وبحث مستفيض نفسية وعقلية المتطرف، بعنوان "سيكولوجية العنف" وقدم الفصل لقاء مقابلة مع الدكتور محمد المهدي أستاذ علم النفس بجامعة الأزهر، واشتمل اللقاء على طرح عدة أسئلة أجاب عنها الدكتور محمد باستفاضة منها على سبيل المثال لا الحصر: كيف يتحول المتطرف إلى إرهابي؟ ما هي العوامل التي تؤدي بالشخص إلى التطرف الفكري؟ هل الشخص المتطرف أو الإرهابي يُصنف على أنه مريض نفسي؟ ما هي السمات الرئيسية للجماعات الإرهابية المتطرفة؟ ما دور الدولة في محاربة التطرف والإرهاب؟
الفصل العاشر والأخير من الكتاب يركز بشكل تفصيلي على قضية الخلافة التي هي أساس الفكر المتطرف لجماعة داعش وغيرها من الجماعات الإرهابية، حيث عرض الدكتور إبراهيم نجم في هذا الفصل مقدمة حول تعريف مفهوم الخلافة موضحًا أنها تشير إلى فترة أو حقبة زمنية سياسية في تاريخ الإسلام وليست جزء من الشرع الشريف، وإنما نظام للحكم استرم لفترة حيث بدأ هذا النظام بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم للرفيق الأعلى حيث كان الخليفة يؤدي الدور الروحاني والسياسي والعسكري للقائد في حكمة لجموع المسلمين في المدينة (وهي محل الخلافة) آنذاك؛ كما أوضح الدكتور نجم في هذا التعريف أن مرحلة الخلافة التي جاء بهاء الخلفاء الراشدين (أبو بكر الصديق، عمر بن الخطاب، عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب) مثلت العصر الذهبي للخلافة على مستوى الحياة الاجتماعية والدينية والسياسية والدينية والقضائية.
وتطرق الدكتور نجم في الجزء التالي من هذا الفصل إلى توضيح ماهية الخلافة ومفهومها الأساسي والمهام الأساسية التي يتضلع بها الخليفة في إشارة إلى العصر الذهبي الحقيقي للخلافة، تلا ذلك عرض مقارن لما تدعيه داعش من مفهوم الخلافة الحالي الذي لا يمت للإسلام بصلة! ينتهي هذا الفصل بطرح سؤال هام جدا: هل منهجية داعش ترقى لكي يطلق عليها خلافة ونظاما للحكم المعتبر في الدول الإسلامية!


التعليقات