ياسر بركات يكتب عن : السيسى ـ بوتين لقاء الكبار فى منتجع سوتشي تفاصيل رحلة الرئيس إلى موسكو

بيان رسمي صادر عن المكتب الصحفي للكرملين، أُعلن أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيلتقي الرئيس عبد الفتاح السيسي في منتجع سوتشي بروسيا في 17 أكتوبر الجاري. وسيتم خلال محادثات الرئيسين في سوتشي التطرق لبحث مختلف جوانب العلاقات والتعاون بين البلدين إلى جانب أهم القضايا الإقليمية والدولية وفي ختام الزيارة سيتم التوقيع على عدد من الاتفاقيات.
جريدة موسكوفسكي كومسوموليتس ، توقعت أن يطرح الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال المباحثات موضوع استئناف الطيران العارض بين البلدين. بينما أشارت الوكالة الفيدرالية للأنباء ووكالة برايم للأنباء الاقتصادية وصحيفة روسيسكايا جازيتا الروسية الرسمية على أن يفجيني ديتريك وزير النقل الروسي كان قد صرح بأن الجانب الروسي على استعداد لبحث موضوع استئناف الطيران مع شرم الشيخ والغردقة خلال محادثات الرئيس المصري في روسيا. وفي ذات السياق نقلت وكالة تاس الروسية عن المكتب الصحفي لمجلس الفيدرالية الروسي – المجلس الأعلى في البرلمان الروسي، أن فالانتينا ماتفيينكو سوف تلتقى مع الرئيس المصرى عبد الفتاح السيسي يوم السادس عشر من أكتوبر الجارى، وذلك فى مقر المجلس بالعاصمة الروسية موسكو. بحكم المواقف كانت للقاهرة علاقات قوية من موسكو الوريث الشرعي للاتحاد السوفيتي الذي كان يدعم الدول المتبنية لأيديولوجياته وتوجهاته في بناء المجتمع وأعطاها المظلة السياسية، وبعد تفكك الاتحاد نسجت روسيا خيوط التعاون مع الدول العربية، بشكل ظهر فيه التنافسية الشديدة بينها وبين واشنطن، حتى انحسر النفوذ الروسي في المنطقة العربية وأصبحت السياسة الخارجية الروسية تعطى أسبقية لمجالها الحيوي وتطوير علاقتها مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، بيد أن الأمور اختلفت كثيرا بعد ثورات الربيع العربي وما تبعها من تدخلات - فعليا - في الشئون الداخلية، وتعاظمت بعد ثورة الثلاثين من يونيو، فعادت روسيا كحليف استراتيجي لعدد من دول المنطقة ومن ضمنها مصر، وانطلاقا من تشخيص محددات العلاقة بين القاهرة وموسكو نجد أن الملفات التي ستطرح خلال أيام بين الزعيمين المصري عبدالفتاح السيسي والروسي فلاديمير بوتين ستتركز حول العلاقات الثنائية والقضايا والأزمات الإقليمية والمواقف المصرية التي تتعرض لها من إرهاب، فالجانب الروسي لديه الآن قوة مؤثرة في مجال العلاقات الدولية من خلال عضويته الدائمة في مجلس الأمن الدولي فيسعى إلى التعاون مع كل دول العالم ومنها المنطقة العربية لتحقيق السلام الشامل والعادل بمنطقة الشرق الأوسط، بل واستمرار المشاركة في المساعي العربية للحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل في المنطقة. كما يعمل الجانبان على زيادة حجم التبادل التجاري مع العمل على جذب الاستثمارات وإقامة مشروعات مشتركة لتجاوز الأزمة الاقتصادية للبلدين، وقد ظهر ذلك في إعلان وزير الخارجية الروسي منتصف الشهر الماضي عن عزم بلاده الاتفاق مع مصر على إقامة منطقة تجارة حرة، فضلا عن إنشاء مشروع الضبعة النووي الذي بموجبه ستحصل مصر على أحدث التكنولوجيات النووية لإنتاج الطاقة حسب كلام الرئيس الروسي في القاهرة نهاية العام المنصرم. وإذا كانت مصر تمثل منطلقا مهما للجانب الروسي على الصعيدين السياسي والاقتصادي فإن سعي الإدارة الحالية لتعظيم الاستفادة من القدرات العسكرية يعد محورا مهما في كل اللقاءات، فروسيا لديها قدرات تقليدية وفوق التقليدية ونووية وموارد أولية هائلة وتكنولوجية متقدمة خاصة في مجال الفضاء قد تستطيع مصر من خلال علاقتها الاستراتيجية توظيف قدراتها الحالية للاستفادة من ذلك. أهم مفاتيح نجاح الشراكة الاستراتيجة بين البلدين هو في تعزيز التبادل التجاري خاصة أن روسيا هي عضو في منظمة البريكس من أهم التكتلات الاقتصادية في العالم الحالي. كما أن الجولة الآسيوية التي قام بها الرئيس وبدأت من مملكة البحرين مرورا بدولة الصين الشعبية وانتهت بأوزبكستان، أكدت أن الإدارة المصرية تتحرك في عدة دوائر أهمها الدائرة الأمنية في محيطها الإقليمي لمواجهة التهديدات الأمنية المشتركة في منطقتنا العربية بغية تحقيق أعلى مستوى من التنسيق والترتيب نحو الاستقرار، وقد ترجم ذلك في التعاون الاقتصادي والعسكري بين الأشقاء العرب وبعضهم البعض بالإضافة الى تنسيق المواقف السياسية نحو القضايا الراهنة في المحيط الإقليمي. الدائرة الاقتصادية الأفروآسيوية والتي اختصها الرئيس بمشاركته في قمة منتدى الصين - افريقيا، ولقاءاته المتعددة مع القادة الأفارقة بجانب الرئيس الصيني شين جين بينغ الذي أطلق في العام 2013 مبادرة "طريق واحد، حزام واحد" وهو ما يعزز التعاون الثلاثي في توقيت تترأس فيه مصر الاتحاد الافريقي من بداية العام المقبل وهذا يعني أن مصر طرف رئيسي في المشاركة في التنمية مع الصين والدول الافريقية. بحساب نتائج اللقاءات والقمم السابقة التي جمعت الرئيسين المصري والصيني بدءا من ديسمبر عام 2014، والقمة التي جمعتهما في القاهرة، يناير من العام 2016، إنما تؤكد سعي مصر الدؤوب نحو الدخول في التكتلات الاقتصادية الآسيوية - الآخذة في النمو - والتي ترتبط بتسارع خطى العولمة، وما يرافقها من عمليات اندماج تتزامن مع عمليات تحرير التجارة الدولية، وتحرير حركة رؤوس الأموال عالميا، وهو ما تبين من إصرار الرئيس الصيني على إحياء طريق الحرير القديم وحفر المصريين لقناة السويس الجديدة في عام واحد فقط. إن سياسة الصين في أفريقيا تختلف عن توجهات السياسة الأمريكية والأوروبية والتي بخلاف الصين تعتمد على شعار "رابح/ رابح"، وهذا الشعار يغري العديد من الدول الأفريقية التي تسعى إلى تطوير علاقاتها معها، عكس أوروبا وأمريكا التي أسست علاقتها مع هذه الدول على تأمين وتعزيز فرص التجارة والاستثمار وهو ما يؤكد عليه مبدأ "التجارة بدلا من المساعدات"، لذلك فإن الدول الافريقية تنظر إلى التقارب مع الصين في هذا السياق على أنها مختلفة. ولعل بروز التكتلات الاقتصادية والتي تضم في عضويتها الصين بهذا الزخم، يؤكد على قوة العوامل التي دفعت إلى ظهورها، وفى مقدمتها التحولات الهيكلية في الاقتصاد الدولي، وما ترتب عليها من إعادة توزيع للأدوار والمواقع النسبية للمشاركين فيه، ولعل هذه الشراكة لمصر ليست بعيدة التحقق إنما نذكر بأن لها درجات، تبدأ بالتدرج من رفع الحواجز الجمركية وغير الجمركية أمام السلع الوطنية للدول الأعضاء، أو ما يعرف بمنطقة التجارة الحرة، ثم الانتقال إلى مرحلة الاتحاد الجمركي ، والمرحلة اللاحقة هي السوق المشتركة التي يتم فيها تحرير تدفق رؤوس الأموال واليد العاملة فيما بين الدول الأعضاء. مصر تعطي لأية دولة في العالم القوة لتنافس القوى الكبرى الأخرى، لأسباب كثيرة أبرزها نفوذها الإقليمي وقوة جيشها وسياستها المتوازنة تجاه القضايا الإقليمية والدولية. وتعاملها مع الواقع ونجاح السياسة المصرية في تعريف نفسها للعالم، إضافة إلى القناعة الغربية بأن الوزن النسبي لدول عربية وإقليمية في المنطقة يتراجع بسبب أوضاعها الداخلية. بينما تواصل مصر تقديم حجتها القوية ورؤيتها الثاقبة، بعد ثورة 30 يونيو ورسم خارطة طريق إلي المستقبل بدأت مع الولاية الأولي للرئيس عبد الفتاح السيسي، وبدأت تدير علاقاتها مع دول العالم في إطار الشراكة وتبادل المصالح، لا التبعية أو الخضوع لإملاءات. لقد انتقلنا من حالة التابع إلى حالة الند أو الشريك، وهذا في رأيي هو أهم ما أنجزته الدولة المصرية منذ 30 يونيو 2013 وحتى الآن. وما يؤكد ذلك، هو تعامل واشنطن الحذر بعد سنوات من التغيرات التي فضحت تناقضات الإدارة الأمريكية في تعاملها مع الشأن المصري. وإجمالا، يمكننا أن نقول إن العلاقات المصرية الأمريكية شهدت تغيرات مهمة بعد ثورتى 25 يناير و30 يونيو, نقلتها من الشكل التقليدي الذي كانت فيه الولايات المتحدة المتغير المستقل, ومصر هي المتغير التابع, إلى نمط جديد يقوم على التعامل بندية, نتيجة لاستقلالية السياسة الخارجية المصرية وتعدد دوائرها, حيث لم تعد مقصورة فقط على الولايات المتحدة وأوروبا, بل شملت أيضا الدول الكبرى الأخرى فى النظام الدولي كروسيا والصين, وتنويع مصادر تسليحها حيث لم تقتصر على الولايات المتحدة فقط كمصدر للتسلح, كما برز فى صفقة الرافال من فرنسا.


التعليقات