لأول مرة.. قصة خطف البابا واعترافات زعيم التنظيم الذى خطط لذلك

شهد تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية العديد من حركات التمرد التي استهدفت الثورة علي السلطة الكنسية وهددت بانهيار دولة "السمع والطاعة" من خلال تشكيل كيانات معارضة تعمل علي إفساد العلاقة بين البابا وشعبه، ومن أشهر تلك التمردات ما قادته جماعة الأمة القبطية التي أسسها عدد من الشباب المسيحي في بداية خمسينيات القرن الماضي للتخلص من الأنبا يوساب بطريرك الكنيسة وقتها.
وقد حظي تاريخ تلك الجماعة باهتمام كثير من الباحثين والكتاب باعتبارها أخطر حركة ثورية شهدتها الكنيسة الأرثوذكسية وخرج من رحمها كثير من حركات المعارضة الحديثة، ومن بين هؤلاء الباحثين الكتاب معاذ محمد الذي استعرض تاريخ الجماعة موضحاً أنه في 11 سبتمبر 1952، الموافق بداية السنة القبطية، شهد حوش مدرسة "ثمرة التوفيق" القبطية بالقاهرة احتفالًا بتأسيس جماعة الأمة القبطية على يد المحامي المصري الشاب إبراهيم هلال، ووصل عدد المدعوين إلى ما يقرب من ألف شخص، بين قيادات كنسية وشخصيات عامة، وشهد الاحتفال قبولًا وتشجيعًا من الكنيسة، إذ لم يعلم أحد آنذاك أن نهاية هذا التشجيع ستكون أسوأ من تصورات أكثر المتشائمين.
وأضاف: بعد عامين فقط من هذا التاريخ تصاعد الصدام بين الجماعة ودولة يوليو حديثة النشأة، للدرجة التي استدعت حل "الأمة القبطية" ومطاردة قياداتها، في إطار حملة الدولة آنذاك على التنظيمات والأحزاب، بعدما استطاع شباب الأقباط تأسيس تنظيم عقدي ذي ميل عسكري، يشبه بدرجة كبيرة نظيره الإسلامي الأشهر، "الإخوان المسلمين"، وإن استمر لفترة أقصر كثيرًا، ولم يُكتب له الانبعاث مجددًا، كما حدث للتنظيمات الإسلامية في سبعينيات القرن العشرين.
إصلاح الكنيسة
وأشار الكاتب إلي أن كان توقيت إعلان الجماعة متزامنًا مع "تردي" حال الكنيسة المصرية تحت قيادة الأنبا يوساب، مطران جرجا الذي تولى منصب البابا عام 1946 بأمر ملكي. وتحكي المؤرخة المصرية إيريس حبيب المصري، في كتابها عن تاريخ الكنيسة القبطية، أن الأنبا يوساب لم يتمتع بشعبية كبيرة وسط الأقباط، إذ كان زاهدًا في أمور الدنيا ومتفرغًا للعبادة والصلاة، فترك شؤون الكنيسة لخادمه كامل جرجس، الذي بلغ من النفوذ والسطوة حدًا كبيرًا، فتدخل في تعيين المطارنة والأساقفة وكوّن ثروة شخصية ضخمة، ووصل به الأمر إلى تزويره رسالة عزل باسم البطريرك لأحد الأساقفة الذين وقفوا في وجهه.
شعار الجماعة

واستعان الكاتب بحوار لـ "إبراهيم هلال" أجراه عام 2010 قال خلاله كيف أن بعض فئات الشباب القبطي شعرت بالغضب جراء ما اعتبروه فسادًا طال الكنيسة، فتحمسوا لإنشاء كيان يهتم بشؤون الأقباط ويحيي هويتهم على غرار جماعة الإخوان المسلمين التي تأثرت بها الجماعة القبطية بدرجة كبيرة، إلى حد اقتباس شعارهم "الله غايتنا والرسول زعيمنا والقرآن دستورنا والجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا" وتحويره إلى "الله ملكنا ومصر بلدنا والإنجيل شريعتنا والصليب رايتنا والقبطية لغتنا والشهادة لأجل المسيح غايتنا"، إضافة إلى اقتباس الشعار المصور للإخوان وتحويله إلى صليب وكتاب مقدس، وتحتهما عبارة "سيأتي اليوم".
وبحسب هلال، شكلت الجماعة بديلًا اجتماعيًا لأقباط مصر الذين أهملتهم الكنيسة، وبدأت في التوسع بدرجة ملحوظة، فزاد عدد أعضائها ومكاتبها، وانضم لها بعض أصحاب النفوذ المالي والاجتماعي، وهو ما ساهم في تقوية شوكتها، خصوصًا أن الجماعة لم تكن مجرد كيان غير رسمي، بل كانت جمعية مرخصة من وزارة الشؤون الاجتماعية واتخذت مقرًا رئيسيًا في حي الفجالة.

وفي كتابه "فتنة طائفية أم شرارة صراع على الهوية"، يروي عبد الله الطحاوي أن الجماعة حددت أهدافًا رئيسية، منها إصلاح شؤون الكنيسة ونشر تعاليم المسيح وتقديم المساعدة للشعب القبطي ونشر اللغة القبطية وتوجيه شباب الأقباط والاهتمام بجوانب حياته الروحية والرياضية والاجتماعية، وإصدار جريدة للتحدث باسم الأقباط والعمل على تكريم الكرسي البابوي واحترامه، بالإضافة إلى أن الجماعة كانت ترى أن مهمتها ليست فقط مساعدة الأقباط اجتماعيًا، وإنما كذلك "بناء الإنسان القبطي" وإعادة إحياء القومية القبطية، في وقت كان فيه المصريون يتجهون نحو إعادة اكتشاف هويتهم الدينية والقومية.
طرحت الجماعة مفهومها عن الإصلاح بقوة في بيانها الأول "إلى المسيحيين عامة والأقباط خاصة"، ورأت أن البذخ والفساد المستشريين في الكنيسة لا ينتميان للمسيح، وأن بناء الكنائس والأديرة لا يهم بقدر بناء الإنسان القبطي العالم بهويته، وغير المنفصل عن محيطه ومجتمعه.
واستنتج الكاتب من ذلك أن هدف الجماعة الرئيسي كان إعادة طرح مسألة الهوية على الأقباط في نفس الوقت الذي كانت جماعة الإخوان تطرح القضية نفسها على المسلمين.
وقال وفقًا للطحاوي الذي ينقل في كتابه كذلك عن إبراهيم هلال، عكفت الجماعة على طبع المنشورات الدينية وتوزيعها في ربوع مصر، وطالبت الدولة بحصة في الإذاعة الرسمية.
وتابع: وصلت عضوية الأمة القبطية عام 1954 إلى قرابة 90 ألف عضو، وكان العضو الجديد يؤدي طقوسًا أشبه بطقوس الولاء، فيضع يده على الكتاب المقدس ثم يقرأ بعض آياته ويدفع عضوية الاشتراك، وجرى كل هذا وفق نظام إداري شبيه كذلك بتنظيم الإخوان المسلمين، فكان للجماعة تقسيم إداري منظم يحتوي على لجان إعلامية وثقافية واجتماعية ومالية ورياضية.
وأضاف الكاتب كانت الجماعة ترى أن مهمتها ليست فقط مساعدة الأقباط اجتماعيًا، وإنما كذلك "بناء الإنسان القبطي" وإعادة إحياء القومية القبطية.
ومن بين الحملات السياسية التي قامت عليها الجماعة مثلًا أنها أرسلت مذكرة للجنة الدستور التي انعقدت عام 1953 لصياغة دستور جديد يحل محل دستور 1923 المُلغى بعد حركة الضباط الأحرار.
اعترضت الأمة القبطية على اعتبار الإسلام دينًا رسميًا للدولة، وعلى المادة التي توجب أن يكون رئيس الجمهورية مسلمًا، ودعت إلى فصل الدين عن الدولة والتمسك بالهوية المصرية عوضًا عن العربية وطبع التنظيم هذه المذكرة ووزع منها نصف مليون نسخة.
وبحسب رواية هلال، كانت الجماعة ترى نشاطها بالضرورة خارج الإطار الرسمي للكنيسة القبطية، فعندما طالب بعض الأقباط بدمج التنظيم مع "مدارس الأحد"، التي تأسست عام 1918 بهدف إصلاح الكنيسة كذلك، رفضت "الأمة القبطية" هذا المقترح رفضًا قاطعًا، لأن مدارس الأحد تسلك مسارًا إصلاحيًا من داخل الكنيسة، يعتمد على تعليم النشء وتثقيفه بدءًا من مرحلة الحضانة وحتى ما بعد الجامعة، ما يجعلها أقرب لمعاون تربوي يعمل دون صدام مع الكنيسة، ومن داخل أروقتها، ويعتمد على سياسة النفس الطويل. أما الأمة القبطية فكانت تستهدف هوية وحقوق الأقباط "دون أي تنازلات" ودون تضييع وقت في المهاترات مع قيادات الكنيسة في مسألة الإصلاح، بالإضافة إلى تبنيها رؤية قد تكون علمانية قليلًا بالقياس إلى الاتجاه الإصلاحي التقليدي لمدارس الأحد، وهو الأمر الذي تؤكده توجهات هلال نفسه، الذي حاول التحالف مع التيار العلماني المصري المزدهر آنذاك، وسعى لتقديم رؤية جديدة عن المسيح تشدد على الجانب الإنساني والاجتماعي من حياته وعدم حصره في الجانب الكهنوتي فقط.
مؤسس الجماعة

أوضح الباحث أن الموقف الثوري لهذا التنظيم يتسق مع شخصية إبراهيم هلال نفسه، وقصة حياته كما يرويها، إذ عمل بعد تخرجه في النيابة لمدة لم تصل إلى أربعة شهور، ثم استقال مبررًا ذلك بأنه لم يقوَ على حياة الأوامر والالتزام داخل السلك الروتيني للترقي الوظيفي. تركت الدولة هلال وتنظيمه يعملان بحرية نسبية طالما لم يتجاوزا خطوطًا حمراء بعينها، لكن هذا الاتفاق المضمر لم يكن ممكنًا له أن يستمر.

الإطاحة بالبابا
أكد الباحث أنه بعد أن فاض الكيل ببعض فئات الأقباط والقيادات الكنسية بسبب ما رأوه فسادًا استشرى في الكنيسة قررت جماعة الأمة القبطية أن الوقت قد حان للإطاحة بالبابا، في عملية مستقلة عن أي تدخل للدولة.
وبحسب الرواية الرسمية التي ذكرتها الصحف القومية حينها، فإنه وفي فجر أحد أيام يوليو 1954، وقبل الذكرى الثانية لحركة الضباط الأحرار بأيام، تحرك خمسة أعضاء مسلحين من الجماعة للبطريركية حيث يقيم البابا، وقيدوا عامل البوابة الرئيسية واقتحموا غرفة البابا، ثم قدموا إليه أوراق تنص على تنازله عن كرسي البابوية، وتعيين الأنبا ساويرس مطران المنيا آنذاك بدلًا عنه، ودعوة المجمع المقدس والمجلس الملي لانتخاب بطريرك جديد، وتوصية بتعديل لائحة انتخاب البطريرك كي يشترك في انتخابه جموع رعاياه بشكل ديموقراطي.
وأشار الكاتب إلي أن البابا وقع على الأوراق دون مقاومة، ثم اصطحبه أعضاء الجماعة إلى دير الراهبات في مار جرجس بمصر القديمة بناءً على رغبته، وأرسلت الجماعة بيانًا للصحف تعلن فيه أن البابا قد تنازل عن منصبه، وتطلب من الشعب القبطي المشاركة في انتخاب بطريرك آخر، وتحذر الدولة من التدخل.
وفي اليوم التالي أرسلت الحكومة وزير التموين القبطي جندي عبد الملك لاحتواء الأزمة، لكنه فشل، فتدخلت الشرطة وحاصرت الكنيسة بقوات ضخمة، ثم اقتحمتها وقبضت على أعضاء التنظيم، وسط تجمهر من الأقباط المتعاطفين في الخارج، يذكر هلال أن نصف مليون قبطي تجمعوا في ميدان باب الحديد هاتفين "إبراهيم إبراهيم" دعمًا لمؤسس الحركة.
التحالف مع المجمع
أوضح الكاتب أن تعاطف الأقباط مع الجماعة في ذلك الوقت كان مفهومًا، إذ أن البابا لم يكن يلقى أي قبول شعبي، وكان كذلك دائم الصدام مع قيادات أخرى في الكنيسة، وبحسب إيريس المصري، كان النزاع بين المجمع المقدس والبابا محتدمًا إلى حد إغلاق باب البطريركية في وجه أعضاء المجمع لمنعهم من تقديم مطالبهم الإصلاحية، ولم يكن المجمع المقدس قادرًا مع ذلك على عزل البابا دون تأييد من الدولة أو من قاعدة شعبية لأن العزل لا يتم بشكل رسمي إلا في حالة "كُفر" البابا ، وكان الحل في رأي هلال أن يمرر المجمع قرار العزل وتتحمل الجماعة المسؤولية السياسية أمام الدولة، باعتبارها وسيطًا بين الكنيسة والدولة من جهة، وبين عموم الأقباط من جهة أخرى.
ولفت الباحث إلي أنه وفقًا لرواية هلال للواقعة نفسها، فإنه يختلف مع الرواية الشائعة في نقطة أن عزل البابا حدث بالاتفاق مع المطارنة المستاءين من الأوضاع داخل الكنيسة وهم الذين دخلوا غرفة البابا وتولوا مهمة إقناعه بالتوقيع دون عنف، ولم يتوجه أي عضو مسلح ناحية الكنيسة.
وقال "لم تكن الدولة بالطبع راضية عن التحالف بين الأمة القبطية والمجمع المقدس، فأعادت البطريرك إلى كرسيه في اليوم الرابع للحادث، لكن المجمع أصر على تنحيته وأصدر بيانًا بذلك، وانتهى الصراع برضوخ الدولة، فأُرسل البابا إلى دير المحرق في أسيوط وتم تكليف ثلاثة أساقفة بتولي شؤون البطريركية فيما رُحِّل المقبوض عليهم من أبناء الأمة القبطية إلى سجن القلعة الذي كان مخصصًا للضباط الإنجليز".
وتابع: دعم المجمع المقدس أبناء التنظيم، وطالب البطريرك بالتنازل عن القضية والصفح عن المتهمين، فأفرجت الدولة عنهم تحت ضغط مطالب المجمع والمطالب الدولية، التي بلغت أن طلب السفير الأمريكي بالقاهرة مقابلة قيادات الجماعة بمحبسهم.
قانون الأحوال الشخصية
وأشار الكاتب إلي أنه عندما بدأت الدولة التخطيط لإصدار قانون موحد للأحوال الشخصية يترتب عليه إلغاء المحاكم الشرعية والمجالس الملية، وقف المجمع المقدس بقوة معارضًا لهذا القانون، وخرج أبناء الجماعة إلى الشوارع في مظاهرة أمام مجلس الوزراء، وعندها قررت الدولة أن تضرب الجماعة بعنف، فاعتقلت إبراهيم هلال وباقي القيادات وقدمتهم لمحاكمات عسكرية عام 1954، لينتهي الحال بهم جميعًا إلى السجن مرة أخرى.
وقال: كان حادث خطف البابا تتويجًا لنشاط الجماعة الذي سبب قلقًا مفهومًا للدولة، فالمذكرة التي قدمتها الأمة القبطية إلى لجنة الدستور، والموقف الرافض لقانون الأحوال الشخصية والمظاهرة الضخمة التي حشدوا لها، رسخ كل ذلك خوفًا عند الدولة من قيادة التنظيم للمسيحيين خارج الأطر الرسمية المتمثلة في الكنيسة، وأصبحت قدرتهم على بسط سيطرتهم على الكنيسة وشيكة، خصوصًا بعد تحالفهم مع المجمع المقدس.
وأوضح الباحث أنه رغم أن الأمة القبطية كانت تسير علي خطي جماعة الإخوان المسلمين إلا أن نهاية الأولي كانت أسرع كثيرًا من نظيرتها، إذ كان حل الجماعة وسجن قياداتها نهاية لأي صوت مخالف لوجهة النظر الرسمية التي مثلتها الكنيسة، فاتجه أعضاؤها إلى الهجرة خارج البلاد أو الرهبنة، ليُسدل الستار على آخر حركة قبطية سلكت مسارًا مختلفًا.
تكرار التجربة
واختتم الكاتب حديثه بطرح تساؤل حول ما إذا كان يمكن للتجربة أن تتكرر؟.. وأجاب قائلاً" لا يمكن استنساخ التجربة مرة أخرى لسببين. الأول هو السياق التاريخي الذي شهدته التجربة، فالدولة في سبتمبر 1952 كانت تشهد تحركات كبيرة حوّلت شكلها من مملكة إلى جمهورية، وكان الإخوان المسلمون يطرحون سؤال الهوية على المسلمين المتحمسين، والدولة الناشئة تبدأ زرع بذور القومية التي ستشكل هوية المصريين فيما بعد في هذه الأجواء، وكان إبراهيم هلال قد فكر في طرح السؤال نفسه على المسيحيين، لأن المناخ كان ملائمًا لطرح هذه الأسئلة ولهذا لاقت الفكرة صدىً كبيرًا، هذا الصدى وهذه الأجواء غير موجودة الآن، والسياق التاريخي تجاوزه.

أما السبب الثاني، فهو اختلاف علاقة المجموع المسيحي بكنيسته الآن عما كانت في الخمسينيات، فلم تكن علاقة المسيحيين المصريين بالكنيسة بالقوة التي نراها الآن. وقتها، لم تكن الكنيسة تهتم كثيرًا بشؤون رعاياها، ولم تكن تهتم بالجوانب الاجتماعية، منذ مجيء البابا شنودة إلى رأس الكنيسة، إذ عمل على تغيير هذه المعطيات، والفراغ الذي كان موجودًا في العلاقة بين المسيحيين وكنيستهم ملأته دعوة هلال لأنها كانت البديل الوحيد لدى المواطن المسيحي البسيط، وهذا الفراغ تم ملؤه الآن، وتم إضفاء الكثير من القدسية على قيادة الكنيسة، مما يفشل كل دعوات للتمرّد على الكنيسة.


موضوعات ذات صله

التعليقات