ياسر بركات يكتب عن : سوريا فى أحضان العرب

الشركات العربية الكبرى تستعد لعمليات إعادة الإعمار

الانسحاب الأمريكى المفاجئ أربك حسابات القوى الإقليمية الأخرى ..والروس يتبنون خطة سيطرة جديدة

بينما يشهد الجيب الأخير الواقع تحت سيطرة تنظيم داعش فى شرق سوريا، موجات نزوح مستمرة، وبعد أن شهد الأسبوعان الماضيان حركة النزوح الأكبر للتنظيم بفرار أكثر من 11500 شخص منه، غالبيتهم من عائلات الإرهابيين. وبعد قرار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب سحب قوات بلاده من سوريا، أعلنت وزارة الخارجية والتعاون الدولى عودة العمل بسفارة الإمارات فى دمشق، حيث باشر القائم بالأعمال بالنيابة عبد الحكيم النعيمى مهام عمله من مقر السفارة فى سوريا، اعتباراً من الخميس. وقالت الوزارة إن هذه الخطوة تؤكِّد حرص حكومة دولة الإمارات على إعادة العلاقات بين البلدين إلى مسارها الطبيعى، بما يعزز ويفعِّل الدور العربى فى دعم استقلال وسيادة سوريا ووحدة أراضيها وسلامتها الإقليمية، ودرء مخاطر التدخلات الإقليمية فى الشأن العربى السوري. وأعربت عن تطلع الإمارات إلى أن يسود السلام والأمن والاستقرار فى ربوع سوريا.

الإمارات قررت فتح سفارتها فى دمشق، بعد سبع سنوات من إغلاقها فى عام 2011، فى الوقت الذى تتزامن فيه هذه الخطوة مع مؤشرات حول مساع جارية لإعادة تفعيل العلاقات بين سوريا وبعض الدول العربية، قبل ثلاثة أشهر من قمة عربية تُعقد فى تونس، علماً بأن جامعة الدول العربية علَّقت عضوية سوريا فيها منذ عام 2011. وبحسب وكالة الأنباء الفرنسية، تم رفع العلم الإماراتى على مقر السفارة الواقعة فى حى أبو رمانة فى وسط دمشق، فى حضور مدير المراسم فى وزارة الخارجية والمغتربين حمزة الدواليبى، وعدد من الدبلوماسيين العرب الموجودين فى دمشق، ويُتوقَّع أن تشهد تحركات عربية تجاه سوريا، خصوصاً فى ظل الزيارة الأخيرة التى أجراها الرئيس السودانى عمر البشير لسوريا قبل عشرة أيام، التى كانت الأولى لرئيس عربى لدمشق منذ اندلاع النزاع. كما دعا البرلمان العربى هذا الشهر إلى «إعادة سوريا إلى العمل العربى المشترك»، مكرراً دعوة ترددها وسائل الإعلام المصرية الحكومية منذ عدة أشهر.

من جانبه قال الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة للشئون الخارجية فى الإمارات، إن قرار بلاده بعودة عملها السياسى والدبلوماسى فى دمشق يأتى بعد قراءة متأنية للتطورات، ووليد قناعة بأن المرحلة المقبلة تتطلب الحضور والتواصل العربى مع الملف السورى، موضحاً أن ذلك يأتى حرصاً على سوريا وشعبها وسيادتها ووحدة أراضيها. وأضاف قرقاش فى تغريدات على موقع التواصل الاجتماعى، «تويتر»، أن الدور العربى فى سوريا أصبح أكثر ضرورة تجاه التغوُّل الإقليمى الإيرانى والتركى، وأن الإمارات تسعى اليوم، عبر حضورها فى دمشق، إلى تفعيل هذا الدور، وأن تكون الخيارات العربية حاضرة، وأن تُسهِم إيجاباً تجاه إنهاء ملف الحرب وتعزيز فرص السلام والاستقرار للشعب السوري.

العديد من الشركات فى قطاع المال والأعمال التى مقرّها الإمارات العربية المتحدة، تستعد، بشكل جدى، لبدء أعمال جديدة لها فى سوريا والانخراط فى مرحلة إعادة الإعمار. وفى غضون ذلك، حطَّت أول طائرة سورية تنطلق من دمشق فى مطار المنستير التونسى بعد توقّف لهذا الخط منذ ثمانى سنوات، وتقل طائرة «أجنحة الشام» المقبلة من سوريا قرابة 150 مسافراً سورياً، ضمن عروض رحلات سياحية بأسعار تشجيعية لمدة أسبوع، وبحسب مصادر إعلامية تسعى شركة «أجنحة الشام» السورية الخاصة، إلى وضع برامج مجدولة للرحلات إلى تونس، باعتبارها إحدى محطات الانطلاق إلى أوروبا.

خلال السنوات الثمانى الماضية، ومع توقف معظم خطوط الطيران بين دمشق وأوروبا وغالبية الدول العربية، لجأ السوريون إلى مطار بيروت محطةً للسفر. وكانت السلطات التونسية خلال فترة حكم «حزب النهضة» بعد 2011 وخلال فترة حكم الرئيس السابق المنصف المرزوقى قد قطعت العلاقات الدبلوماسية مع سوريا. وبعد انتخابات 2014 قررت السلطات فتح مكتب قنصلى للتعاون الأمنى بين البلدين، وتيسير الخدمات الإدارية للتونسيين الموجودين فى سوريا.

مصادر بجامعة الدول العربية أكد، الخميس، أن عودة سوريا إلى ممارسة نشاطها فى الجامعة مرهون بالتوافق العربى لكل الدول الأعضاء، موضحة أنه سبق أن تمت مناقشة الموضوع، ولم يحدث توافق. أما فيما يتعلق بموضوع إعادة فتح سفارة الإمارات فى دمشق، فأشارت المصادر إلى أن «هذا الموضوع يُعد ضمن سيادة الدول العربية ولا دخل للجامعة به». وكان السفير حسام زكى الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، قد أكّد أن قرار إنهاء تعليق عضوية سوريا بالجامعة العربية يحتاج إلى توافق بين الدول الأعضاء، مشيراً إلى أن هذا مرتبط بإرادة الدول العربية، وهذا التوافق ليس موجوداً حتى الآن... ولن نصادر على ما يحدث فى المستقبل.

وفى كلمة ألقاها فى ندوة «تجربتي» التى نظمتها جامعة القاهرة، أشار أحمد أبوالغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، إلى أن أحداث «الربيع العربي» لم تخلِّف سوى الدمار وانتشار الإرهاب فى المنطقة. وقال إن «هناك خطأ يجب أن نقف فى وجهه ونقوّمه، موجوداً حالياً، أدى إلى انتشار موجات التطرف والإرهاب، وهو ما يسمى بـ(ثورات الربيع العربي)»، مضيفاً أن «تدمير الدول العربية وقتل مئات الآلاف من العرب لا يمكن أن يُسمى ربيعاً عربياً، فثورات الدول العربية لم تكن ربيعاً، بل كانت دماراً لكونها أدت إلى انتشار الإرهاب والتطرف».

جانب آخر من المشهد يوضحه قيام وفد تركى رفيع المستوى، السبت، بزيارة إلى موسكو، لإجراء مباحثات مع المسئولين الروس حول الانسحاب الأمريكى من سوريا وعملية شرق الفرات العسكرية التى تعتزم تركيا تنفيذها ضد القوات الكردية فى شمال شرقى سوريا، والتمهيد لزيارة محتملة للرئيس رجب طيب أردوغان لروسيا. وفى السياق نفسه يزور مستشار الأمن القومى الأمريكى جون بولتون أنقرة فى مطلع يناير المقبل لإجراء مباحثات مماثلة. وقال المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم فى تركيا، عمر تشيليك، إن وفدا تركيا رفيعا يضم وزيرى الخارجية مولود جاويش أوغلو والدفاع خلوصى أكار، ورئيس جهاز المخابرات هاكان فيدان، والمتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين، سيزور موسكو السبت، وسيجرى مباحثات، يتم فى إطارها وضع خطة للقاء بين الرئيسين التركى رجب طيب أردوغان ونظيره الروسى فلاديمير بوتين.

فى المؤتمر الصحفى الذى انعقد مساء الأربعاء، عقب اجتماع للجنة الإدارة المركزية بالحزب الحاكم، أضاف تشيليك أن مشهدا جديدا ظهر على الساحة مع قرار انسحاب القوات الأمريكية من سوريا. ولفت إلى أنه، فى هذا الإطار، ستستمر الاتصالات بين تركيا وروسيا وإيران بشكل مكثف، بوصفهم شركاء فى مسار آستانة، إضافة إلى تكثيف المباحثات مع مكونات جنيف. وأوضح أن بلاده ستطلع حلفاءها على موقفها إزاء مكافحة الإرهاب عقب الانسحاب الأمريكى من سوريا. وفى السياق ذاته، قال تشيليك، إن مستشار الأمن القومى الأمريكى جون بولتون سيزور تركيا مطلع العام المقبل، مشيرا إلى أن تركيا تقوم بتنسيق جاد مع الولايات المتحدة وروسيا، وتواصل لقاءاتها مع إيران أيضا. وأضاف أن وفدا تركيا يترأسه سادات أونال، نائب وزير الخارجية التركى، سيتوجه إلى الولايات المتحدة، (دون تحديد موعد الزيارة)، قائلا إن تركيا تريد الحفاظ على وحدة الأراضى السورية عقب الانسحاب الأمريكى منها، وأن يكون هناك مستقبل كريم وآمن للشعب السورى، و»أولويتنا هى مواصلة محاربة التنظيمات الإرهابية التى تهدد بلادنا وأمننا القومي». وأشار إلى أن الهدف الوحيد لحزب الاتحاد الديمقراطى السورى (الكردي) وذراعه العسكرية (وحدات حماية الشعب)، هو تشكيل «دويلتهم الإرهابية الخاصة بهم»، وأن الشعب السورى، ليس له أى علاقة عضوية مع التنظيمات الإرهابية.

تشيليك أوضح أن الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابى، حققت قدرا كبيرا من النجاح، وبخصوص بقايا التنظيم فإن تركيا كانت تقول منذ البداية للأمريكيين، تعالوا لنقاتل «داعش» سويا، ولا توجد أى حاجة للوحدات الكردية. وأكد أن الجهود المبذولة للتنسيق ستتواصل مع حلفاء تركيا بالشكل الذى يسهم بمحاربة الإرهاب. وتابع أن تطهير الساحة السورية من الوحدات الكردية وكسر نشاطها، مهم بقدر أهمية محاربة «داعش». وحول إبداء الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون أسفه لقرار الولايات المتحدة بالانسحاب من سوريا، وتأكيده دعم بلاده لـ»قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التى تشكل الوحدات الكردية أبرز مكوناتها، أكد تشيليك ضرورة أن تكون فرنسا، فى تنسيق مع تركيا فيما لو كانت تريد أن تسهم فى تحقيق مستقبل آمن لسوريا، معتبرا أنه «لا يليق ببلد حليف أن يقدم الدعم لتنظيمات تعتبر عدوا لتركيا، ولا داعى لتكرار أخطاء دول أخرى فى وقت سابق (فى إشارة ضمنية إلى الولايات المتحدة)».

فى السياق، أعلنت وزارة الخارجية الروسية، الخميس، أنها تعمل بالتنسيق مع الأمم المتحدة على عقد مؤتمر دولى خاص حول ملف اللاجئين السوريين، ودعت «كل الأطراف المعنية بإنجاح الجهود فى هذا الاتجاه، إلى الانضمام للخطوات الجارية». وقال إيجور تساريكوف، ممثل الوزارة لدى «مركز التنسيق المشترك فى ملف اللاجئين السوريين» الذى أسسته موسكو قبل شهور، إن بلاده تنسق مع المفوضية السامية لشئون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة للتحضير لهذا المؤتمر، من دون أن يوضح تفاصيل عن موعد محتمل لانعقاده. وأوضح أن موسكو تناقش الفكرة مع «أعضاء المجتمع الدولى المهتمين»، موضحا أن إحدى مزايا مثل هذا الحدث يمكن أن تكون أنه «سيجمع على منصة واحدة كل الأطراف التى تطمح بإخلاص إلى تسوية سريعة فى سوريا».

الدبلوماسى الروسى أشار خلال اجتماع موسع لمقرات التنسيق الروسية والسورية لعودة اللاجئين، إلى أن «معطيات الأمم المتحدة تشير إلى أن أكثر من 80 فى المائة من اللاجئين السوريين يرغبون فى العودة إلى بلادهم». موضحا أنه «وفقا لمفوضية الأمم المتحدة السامية لشئون اللاجئين، هناك 82 فى المائة مستعدون للعودة إذا توفرت الظروف المناسبة»، وزاد أنه «حاليا، يصل يوميا أكثر من ألف لاجئ من لبنان والأردن. وتجاوز العدد الإجمالى للذين عادوا منذ إطلاق المبادرة الروسية فى يوليو الماضى، 70 ألف شخص»، علما بأن معطيات المفوضية السامية التى نقلها تساريكوف خلال الاجتماع ذاته، أشارت إلى أن عدد اللاجئين الذين عادوا خلال عام 2018 إلى سوريا لم يزد على 37 ألف شخص، وهو رقم أقل من تعداد العائدين إلى بلادهم فى العام الماضى بنحو 13 ألف لاجئ. ونقل الدبلوماسى الروسى عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لشئون اللاجئين، أنه يوجد حاليا 5 ملايين و654 ألفا و768 لاجئاً من سوريا مسجلون رسمياً حول العالم، معظمهم فى تركيا ويبلغ عددهم هناك أكثر من 3.6 مليون شخص، وفى لبنان يقدر العدد بـ951 ألفا، والأردن 673 ألفا، والعراق 251 ألفا، ومصر 132 ألفا. ويقدر عدد الأطفال الذين ولدوا خارج سوريا بنحو مليون طفل سوري.

وأشاد ممثل الخارجية الروسية بالتطورات الجارية حول بدء مسيرة تطبيع العلاقات بين الحكومة السورية وجامعة الدول العربية، وأشار إلى «أهمية الجهود الرامية إلى عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية كجزء من مساعى تحريك عجلة التسوية السياسية فى البلاد»، مشيرا إلى أن زيارة الرئيس السودانى عمر البشير إلى دمشق يوم 16 ديسمبر الجارى للقاء نظيره السورى بشار الأسد، تشكل خطوة ملموسة فى هذا الاتجاه، مجددا ترحيب الخارجية الروسية بأول زيارة لزعيم عربى إلى سوريا منذ تجميد عضوية دمشق فى الجامعة العربية فى شهر نوفمبر 2011، مضيفا أن هذه الزيارة «ستسهم فى استئناف العلاقات بكامل النطاق بين سوريا والدول العربية الأخرى وعودة دمشق إلى مقعدها فى الجامعة قريبا، ودفع عملية التسوية السورية بالتوافق مع المبادئ الأساسية للقانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة».

فى غضون ذلك، دعت الخارجية الروسية الولايات المتحدة إلى تقديم ضمانات لتأمين إيصال المساعدات الإنسانية إلى مخيم الركبان، الواقع عند الحدود السورية - الأردنية، قبل نهاية الشهر الحالي. وقال تساريكوف خلال الاجتماع إن «الأمم المتحدة تدرس حاليا فكرة تنظيم قافلة مساعدات إنسانية إلى مخيم الركبان، ونحن نعدّ أن الولايات المتحدة تحتل الأراضى السورية، التى يقع فيها مخيم الركبان، وبالتالى فهى المسئولة عما يحدث فى هذه المنطقة، ويتعين عليها أن تقدم للأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولى والهلال الأحمر السورى كل الضمانات الأمنية لإيصال المساعدات وتوزيعها».

كانت موسكو قد شددت بعد إعلان واشنطن عزمها الانسحاب من سوريا، على ضرورة أن تعود المناطق السورية التى ستنسحب منها القوات الأمريكية، إلى سيطرة دمشق. وأعلنت رئيسة مجلس الفيدرالية (الشيوخ) الروسى فالينتينا ماتفيينكو، أن بلادها نجحت فى «تقويض خطط أطراف عملت على هزيمة الدولة السورية وإطاحة سلطاتها الحالية». وقالت ماتفيينكو فى مقابلة صحفية، الخميس، إنه «بفضل الجهود الروسية فقط، وفيما بعد بمشاركة الدول الأخرى التى أصبحت حليفة لنا، نجحنا فى منع هزيمة سوريا بوصفها دولة، وعدم السماح بتكرار الأمثلة؛ وبينها العراق وليبيا (...). لم ينجحوا، ولم نسمح لهم بإطاحة النظام الذى قد لا يعجب بعضهم، بشكل غير شرعى وخلافا للقانون الدولي».

ولا يبقى غير لفت النظر إلى أن مصادر مطلعة ذكرت أن القاهرة تنظر بجدية كبيرة إلى دعوة وجهها على مملوك، مدير الأمن الوطنى فى سوريا، إلى اللواء عباس كامل، رئيس المخابرات العامة المصرية، لزيارة وفد أمنى مصرى إلى دمشق. وأكدت المصادر ذاتها أن القاهرة تثمن الخطوات الأخيرة التى اتخذتها دول عربية بخصوص إعادة العلاقات الدبلوماسية بين دمشق وتلك الدول، مشيرة إلى أنها تأتى فى إطار إعادة دمج سوريا فى الجامعة العربية، وأن القاهرة تتوقع أن تتخذ دول عربية أخرى مثل هذه الخطوة، غير مستبعدة أن تكون القاهرة من ضمن تلك الدول.


التعليقات