ياسر بركات يكتب عن : الإرهابيون الألمان على أرض مصر.. الخريطة الكاملة لتنظيمات الدواعش القادمة من برلين إلى الأسكندرية وسيناء

حذرنا من هذا المخطط
3 آلاف عضو من جماعة الإخوان المسلمين فى ألمانيا يشكلون رابطة اسمها IGD تشرف على تصدير الإرهابيين إلى مصر

بعد تنازله عن الجنسية المصرية، قررت السلطات المصرية ترحيل شاب ألمانى من أصل مصرى، إلى دولة الجنسية الخاصة به (ألمانيا)، بالتنسيق مع السفارة الألمانية. وهناك شاب آخر ينتظر قرارا شبيها لأنه أيضا كان يحاول الانضمام للعناصر الإرهابية فى سيناء.

كانت صحف ألمانية قد ذكرت أن "السلطات الألمانية تحقق فى واقعة اختفاء مواطنين ألمانيين فى مصر". وطبقا لما ذكرته جريدة "دى تسايت" الألمانية، الاثنين الماضى، فإن المتحدث باسم وزارة الخارجية الألمانية، كريستوفر بورجر، أكد أن "السفارة الألمانية على اتصال بالسلطات المصرية، والتى عثرت بحوزة الشابين على خرائط لمحافظة شمال سيناء. وأنهما على علاقة بتنظيم داعش الإرهابى فى ألمانيا، وارتبطا إلكترونياً ببعض عناصره هناك، وجاءا إلى مصر بغرض الانضمام إلى صفوف العناصر الإرهابية فى شمال سيناء.

كنا أول من حذر من لعب ألمانيا فى الداخل المصرى وتصديرها للمتطرفين وأشرنا إلى قيام سلطات مطار القاهرة الدولى، بمنع المتطرف الألمانى "سيفين لو" من دخول البلاد لدى وصوله من هولندا فى (5 أغسطس 2013) وتم ترحيله إلى حيث أتى، تنفيذا لتعليمات جهاز الأمن الوطنى بوضع اسمه على قوائم الممنوعين من دخول البلاد. وفى تلك الأثناء، وأثناء إنهاء إجراءات جوازات ركاب الطائرة الهولندية القادمة من أمستردام، تقدم الألمانى سيفين لو، وهو متطرف معروف باسم "أبو آدم" لإنهاء إجراءات وصوله. وبوضع بيانات الألمانى المذكور على جهاز الحاسب الآلى الخاص بالجوازات، تبين وجود اسمه على قوائم الممنوعين من الدخول تنفيذا لقرار من الأمن الوطنى بوضع اسمه على القوائم وتم إبلاغه بالقرار واحتجازه بصالة الترانزيت لحين ترحيله إلى خارج البلاد.

فى مارس 2010 رصدنا اهتمام الصحف الألمانية بأخبار عن وجود خلية من الشباب الألمانى المنتمى لفكر السلفية الجهادية فى محافظة مرسى مطروح، كما أكدت نقلا عن مصادر بالمخابرات الألمانية هجرة 60 سلفياً ألمانياً إلى مصر، وأن غالبيتهم يتمركزون فى حى المندرة بمحافظة الإسكندرية. وهى الأخبار التى دفعت "تاكيس فورجر" المحقق بمجلة "دير شبيجل" كبرى المجلات الألمانية، إلى المجىء إلى مصر والبحث فى تلك الظاهرة.

"فورجر" وصف رحلته بالمثيرة، حيث بدأت منذ أن وطأت قدماه أرض مطار الإسكندرية. وكان "راث كامب"، 24 عاما، فى انتظاره، واصطحبه هذا الشاب الألمانى ذو اللحية الطويلة ذات اللون الأحمر التى تشبه حلقة النار حول وجهه ذى الملامح الأوروبية، إلى منزله الكائن بحى المندرة. وهناك فى أحد أركان المنزل، شرع "كامب" فى أداء صلاة الظهر، وما إن انتهى من صلاته حتى بدأ يحكى لـ"فورجر" ملابسات هجرته من ألمانيا وقدومه إلى مصر، وكيفية تحوله من المسيحية إلى الإسلام. واستهل "كامب" حكايته مع السلفية حين قرر أن يتحول من المسيحية إلى الإسلام، بعد أن وجد الإسلام دينا سمحا يسعى لنشر السلام على الأرض، ولذلك قرر المجيء إلى الإسكندرية ليتعلم مبادئ الدين الإسلامى ولغة القرآن الكريم، بعيدا عن وطنه ألمانيا، التى ينظر مجتمعها بعين الريبة والتوجس من كل ما هو إسلامى، حتى إنهم يعتقدون أننى أخفى تحت ملابسى البسيطة المكونة من جلباب قصير، وبنطلون أبيض اللون حزاماً ناسفاً طوال الوقت!

من التحقيق الذى نشرته "ديرشبيجل، عرفنا أن سيفين لو أو أبو آدم جندى سابق فى الجيش الألمانى، وتحول إلى الإسلام منذ 14 عاماً، وأن المخابرات الألمانية تضعه تحت المراقبة منذ ذلك الوقت. وفى التحقيق وصف "فورجر" الجالية السلفية الألمانية فى الإسكندرية، بالمنظمة والمترابطة، موضحا أن "أبو آدم"- بوصفه قياديا فى الجماعة- يقوم بتوفير حجرة فى مسكنه لكل مهاجر من ألمانيا، حتى يستطيع الأخير توفير مسكن خاص به، يصلح بيتا للزوجية، بعدما ينجح "أبو آدم" فى تزويجه من فتاة مسلمة ألمانية تأتى إليه فى الإسكندرية. وأشار "فورجر" إلى أن هؤلاء السلفيين الألمان، جاءوا إلى مصر لمجرد أنهم يحسون بالاضطهاد فى ألمانيا، على خلفية اتهام العديد منهم بالضلوع فى عمليات إرهابية فى كل من ألمانيا و بريطانيا، لذا هربوا من ألمانيا إلى مصر وبالتأكيد لحقهم من يؤمنون بأفكارهم وأيديولوجيتهم.

علينا حتى نرى الصورة كاملة أن نوضح عددا من الحقائق أبرزها أن ألمانيا يعيش فيها أكثر من 3 ملايين مسلم، نحو 38 ألفاً منهم بما يعادل 1%، ينضوون تحت لواء الحركات الإسلامية بمختلف ألوانها، وأكبرها حركة "ميلى جيروش" التى تتبنى أفكار نجم الدين أربكان مؤسس حزب "الرفاة" التركى، ويبلغ عدد أعضائها 31 ألفاً، لكنها وإن كانت تلقى امتعاضاً بين الألمان عموماً فإن كثيرين يرون أنها لا تشكل تحدياً كبيراً أو تمثل مشكلة عويصة؛ لأن هذه الحركة تنبذ العنف والتطرف، وتندمج فى المجتمع الألمانى، وذلك على العكس من "جماعة دولة الخلافة" التركية أيضاً، التى ترفع شعار "القرآن دستورنا" وتدعو للعودة إلى إقامة "الخلافة" الإسلامية من غانا إلى فرغانة، وترفض الديمقراطية، ولذا تم حظرها، لكن أفرادها موجودون فى ألمانيا، يحاولون أن يمارسوا عملهم فى سرية وتكتم.

أما عدد من ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين فى ألمانيا فيبلغ نحو 3 آلاف عضو تحت اسم "رابطة المسلمين فى ألمانيا" IGD وينشغلون بتصحيح المفاهيم الخاطئة عن دعوتهم وجماعتهم باعتبارها تجسد "الطريق الإسلامى الصائب" من وجهة نظرهم، وينتقدون أفكار وتصرفات السلفيين الألمان ويبتعدون عنهم بقدر الإمكان، وهم يؤكدون دوماً أنهم غير تابعين مباشرة للجماعة الأم، لكنهم يستقبلون قيادات إخوانية عربية، ولاسيما مصرية، ويجرون اجتماعات مستمرة معهم، ويحرصون على وصفها بأنها "اجتماعات تناقش قضايا عامة" لكن الحكومة الألمانية تضعهم تحت المراقبة الدائمة الناعمة، وفق ما قاله د. فارشيلد، ولديها معلومات يقينية أن هذه الاجتماعات لها علاقة بما يشغل "التنظيم الدولى للإخوان"، وأنها جزء لا يتجزأ منه.

المدهش أيضا هو أن تقرأ تقريرا صادرا عن مكتب المخابرات الألمانية BfV، يؤكد أن "الإخوان" فى ألمانيا يظهرون عداءً واضحاً لقوانين الدولة. واستند تقرير المكتب - المعنى فى الأساس بحماية الدستور إلى أن عدد مجلة "الإسلام" الصادر فى فبراير، من العام نفسه، يبين بوضوح كيف أن "الإخوان الألمان" يرفضون مفهوم الدولة العلمانية، إذ يقول: "إن المسلمين لا يمكن أن يرتضوا، على المدى الطويل، قوانين الأسرة وقانون الملكية العقارية وقانون المحاكمات الألمانية.. يجب أن يتوجه المسلمون إلى إجراء اتفاق بينهم وبين الدولة الألمانية من أجل سلطة قضائية منفصلة للمسلمين". وذكر التقرير أن المنظمات الإسلامية فى ألمانيا، صارت تتلقى مزيدا من الدعم.. وأن البلاد شهدت نمواً ملحوظاً بين أعضاء وأنصار التيار السلفى.

بهذا الشكل، يمكننا أن نقول إن السحر انقلب على الساحر، وإن تجنيد العرب والأجانب الذى كان الهدف منه احتلال دول المنطقة (وبينها مصر) تحت لافتة داعش، أتى بنتائج عكسية، ونشير هنا إلى أن كل أجهزة المخابرات العالمية كانت تتابع تدفق الإرهابيين من مختلف الجنسيات، ولم تتدخل لمنعها من دول المنبع، باستثناءات قليلة. وهناك ما يؤكد أن أجهزة مخابرات "بعينها" دعمت الإرهابيين وقامت بتسهيل وصولها لاعتقادها بأن ذلك سيساعد فى تنفيذ المخطط المعروف باسم الربيع العربى إضافة إلى أن تكتل الجماعات الإرهابية فى مكان واحد يساعد على مراقبتها وإبعاد خطرها عن أوروبا والولايات المتحدة!

بين يدى الآن، مثلاً، تقرير لمركز "سوفان جروب" الأمريكى، يوضح أن عدد المقاتلين الأجانب فى سوريا وصل إلى 12 ألف مقاتل جاءوا من 81 دولة، وهو العدد الذى يزيد عن عدد "الأجانب" الذين حاربوا فى أفغانستان خلال حربها مع الاتحاد السوفييتى، التى استمرت 10 سنوات. وجاء فى التقرير أن التونسيين يتصدرون عدد الإرهابيين الأجانب بـ 3آلاف وكذلك الحال بالنسبة للسعوديين ويليهم المغاربة بــ1500 والجزائريون بــ200. وهناك أيضا إرهابيون من الجنسيات غير العربية، فمن روسيا الاتحادية 800 ومن فرنسا 700، ومن بريطانيا 400، ومن تركيا 400، من استراليا 150، ومن الدانمارك 100، ومن الولايات المتحدة 70. وفى التقرير أن عدد المقاتلين الألمان فى سوريا يقدرون بنحو 320 شخصا تتراوح أعمارهم ما بين 18 و25 عاماً وتمثل نسبة النساء 10%، وكذلك الحال بالنسبة للتقارير الخاصة بالمقاتلين من الدول المغربية وتحديداً تونس والمغرب والجزائر.

الأخطر هو أن الأرقام فى تزايد، والتجنيد مستمر فى العالم العربى وفى كل دول العالم، وقد يستوقفنا ما ذكرته صحيفة ديلى ميل البريطانية عن قيام السعودى محمد العريفى بتجنيد الشباب البريطانى للمشاركة فى الجهاد الإسلامى فى العراق وسوريا،. مع الوضع فى الاعتبار أنه ثبت بشكل قاطع أن هناك شبكات خاصة تقوم بتسفير الشباب إلى بؤر القتال لخدمة أغراض دولية، وفى تونس ـ مثلا ـ تم إلقاء القبض على 293 متورطاً فى أنشطة إحدى هذه الشبكات!

نشاط هذه الشبكات يتركز فى الأساس على "المهمشين"، وأصحاب السوابق الإجرامية، لسهولة إقناعهم بالتطرف كمنهج حياة، وبانضمامهم إلى التنظيم يتطهرون فى نظرهم، ومن جهة أخرى يحققون نوعاً من الفاعلية وإثبات الوجود. وهذه الشبكات لا تعمل من نفسها، بل بتوجيهات وتكليفات من أجهزة مخابرات دول كبرى بينها المخابرات المركزية الأمريكية والدول التابعة والحليفة لها وفى مقدمتها ألمانيا وتركيا وقطر وإسرائيل!

ليس ذلك تخمينا أو استنتاجا لكنه ثابت ومؤكد وهناك تفاصيل أخرى كثيرة ومهمة فى كتاب "القوى الظلامية" للكاتب كينيث تيمرمان الذى كشف أن دعم الغرب لتنظيم داعش وغيره من التنظيمات الإرهابية يتم بطرق مبتكرة، للتخلص أو للإفلات من الرقابة البرلمانية ويكفى أن تعرف مثلا أن التنظيمات الإرهابية حصلت على ما يزيد على مليار و250 مليون دولار على هيئة فدية مقابل إطلاق سراح أوروبيين وأمريكيين تم اختطافهم منذ 2008، وكانت حصيلة العام الماضى فقط 660 مليون دولار. وغير استخدام حيلة دفع الفدية، أحيانا تتحايل الحكومات على الأمر بالتظاهر بأن ما تدفعه هو مساعدة مادية لتطوير البلاد، وهو ما كشفته جريدة "نيويورك تايمز" من خلال لقاءات أجرتها مع محتجزين سابقين عند تنظيم القاعدة، ومفاوضين، ودبلوماسيين ومسئولين حكوميين، من 10 دول أوروبية وأفريقية وشرق أوسطية مختلفة.

المفارقة هى أن الإجراءات التى يتم عادة الإعلان عنها على لسان هذا الرئيس أو ذاك باتت معروفة، فهى لم تتغير فى عناوينها وتفاصيلها، ولم تؤد حتى اللحظة إلى وقف تقدم الإرهاب ولا حتى إلى وقف تمدده ووصوله إلى العمق الأوروبى، وما يزيد الطين بلة هو ذلك الإصرار الغربى على المضى قدما فى سياسات دعم الإرهاب واحتضانه بشكل أعمى وغير مسئول.بينما يقول الواقع إن العالم اليوم فى أمس الحاجة إلى إجراءات فاعلة وحقيقية تقتلع الإرهاب من جذوره وذلك لن يكون إلا برفع اليد عن دعمه واحتضانه، ومن ثم التعاون مع مصر لمحاربته واجتثاثه، وهى الدولة التى أثبتت أنها الأقدر على محاربته وأنها ذات خبرة واسعة فى مكافحته والقضاء عليه.‏ ونعود ونكرر بأن "داعش" فى ظل خسارته لمعظم أراضيه وربما كلها، ودولة خلافتها بالتالى، ستكون أكثر شراسة وخطورة، من حيث عودتها الى استراتيجية تنظيم "القاعدة" الأم، أى الهجمات الإرهابية، بعد تخلصها من أعباء إدارة المدن التى كانت تسيطر عليها، ومتطلبات "مواطنيها" من الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والأمن، وهى أعباء باهظة التكاليف ماليا وبشريا.

لا نستبعد أن تشهد المرحلة المقبلة تنافسا أو تعاونا بين اخطر تنظيمين إسلاميين إرهابيين فى العالم أى "القاعدة" و"داعش"، فالاول فى حالة نهوض انطلاقا من قلب الجزيرة العربية واليمن تحديدا، وتتزعمه قيادة جديدة شابة، والثانى فى حالة انكماش جغرافى سيدفعه للانتقام والثأر من مهاجميه وأعدائه عبر التفجيرات الإرهابية. وبهذا الشكل، يكون الإرهاب مرشحا للعودة، وبصورة اكثر قوة فى الأشهر وربما السنوات المقبلة، لأن الحواضن والأسباب والنزعات الثأرية والانقسامات الطائفية والفوضى الدموية ما زالت موجودة، بل مرشحة للتوسع، فى ظل عدم وجود أى مخططات حقيقية لإزالتها، وتقديم النموذج الجاذب والبديل فى مرحلة ما بعد استعادة الموصل والرقة.. والأيام بيننا.

فى هذا السياق لم يعد مقبولاً بعد الآن من جميع الأطراف التى أصبحت جميعها، دون استثناء، هدفا واضحا ومعلنا للإرهاب أن تختبئ خلف التصريحات والشعارات الرنانة والإجراءات السطحية والفارغة التى لا تحقق أية فائدة أو نتيجة على الأرض سوى أنها مجرد جرعة تخديرية، أو مسكّن يخفف الألم قليلاً بينما الإرهاب يكبر وينمو ويتضاعف خطره بشكل يفوق كل التوقعات والحدود والخطوط التى ظن داعموه أنه لن يجرؤ على تخطيها وتجاوزها.‏


التعليقات