ياسر بركات يكتب عن : دافوس.. صراع الكبار وفضائح رجال الأعمال

رئيس الوزراء الإيطالى يلعن أوروبا ويتهم اليورو بتدمير العالم

ـ الملياردير جورج سوروس يفتح النار على بكين ويصف الرئيس الصينى بـ«عدو البشرية»!

ـ الولايات المتحدة تلوح بمعاقبة روسيا وتضييق الخناق على البنوك

المنتدى العالمى يعيد قراءة المشهد ويستضيف الأطباء وعلماء الأحياء

خصص المنتدى الاقتصادى العالمى، الذى ينعقد سنويا فى قرية دافوس السويسرية عدداً من الجلسات حول آفاق العالم العربى الأمنية والاقتصادية، أجمع المشاركون فيها على أن الاستقرار السياسى هو مفتاح التنمية والازدهار. أما الجلسات التى تناولت المستقبل الأمنى للشرق الأوسط فناقشت سبل إرساء الاستقرار السياسى فى المنطقة، وحظى الوضع السورى باهتمام خاص فى هذا السياق.

القرية السويسرية تتحول خلال هذه الأيام الخمسة سنويا إلى ماكينة مالية وسياسية تضبط عقارب العالم، وترسم توجهاته. وقد اكتسب المنتدى الاقتصادى العالمى سمعته القوية فى السنوات العشرين الماضية، بعد أن أصبح ساحة القادة المفضلة للكشف عن سياساتهم الدولية، ولقاء نظرائهم بعيداً عن عدسات الإعلام، والإعلان عن صفقات مليارية مع كبرى الشركات.

دورة المنتدى هذا العام، جاءت مختلفة، ولم ينجح حضور نجوم عالم المال والأعمال وندواتهم الكثيرة فى إخفاء الغياب الصارخ لأبرز قادة العالم، إذ لم يحظَ أىّ من المشاركين بالحماس والترقب نفسهما اللذين أحاطا، السنتين الماضيتين، بالأمريكى دونالد ترامب، والفرنسى إيمانويل ماكرون، والصينى شى جين بينج، والهندى ناريندرا مودى، وحتى الكندى جاستن ترودو، والألمانية أنجيلا ميركل.

يصعب تجاهل التباين الكبير فى السياسات الأوروبية، خاصة فيما يتعلق بمستقبل الاتحاد الأوروبى والتعاون الدولى واتفاقيات التجارة الحرة. ففى الوقت الذى دافعت فيه ميركل عن «التعددية والإصلاح» لمواجهة تفاقم الاختلالات العالمية، هاجم رئيس الوزراء الإيطالى جوزيبى كونتى المشروع الأوروبى، واليورو الذى «تسبب فى تنامى الدين العام وتباطؤ نمو الناتج المحلى الإجمالى»، على حد قوله. وتحدث كونتى عن حاجة ملّحة لرؤية جديدة «تركّز على الإنسان والعائلات والمجتمعات». كما فرضت قضية خروج بريطانيا نفسها على فعاليات هذا العام، رغم غياب رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماى. وقوبلت جهود أعضاء الوفد الذى ضمّ وزير الخزانة فيليب هاموند والتجارة الدولية ليام فوكس لطمأنة المستثمرين الدوليين بكثير من التشكك.

مشاركة بكين فى فعاليات «دافوس» كانت هى الأبرز هذا العام، بفضل تقاطع عوامل تشمل مواجهتها التجارية المستمرة مع أكبر اقتصاد فى العالم، وتأثير تباطؤ نموها على الأداء الاقتصادى العالمى، والانتقادات الغربية المحيطة بعملاقى الاتصالات «هواوى» و«زى تى إى». وفيما حمل وانج ووفده الكبير رسالة تفاؤل وتحد، لم يتردد مشاركون فى انتقاد سياسات الصين المتعلقة بالملكية الفكرية ومزاعم التجسس عبر شركات الاتصال، وعمليات التجسس الإلكترونى التى اتهم الغرب بكين بالوقوف وراءها. وكان آخر المنتقدين الملياردير جورج سوروس، الذى هاجم الرئيس الصينى شى جين بينج، معتبراً إياه «أخطر عدو» للمجتمعات الحرة والديمقراطية. وأوضح سوروس فى خطابه التقليدى على هامش أعمال «دافوس»، أن «الصين ليسَتْ النظام المستبد الوحيد فى العالم، لكنها بلا شك الأغنى والأقوى والأكثر تطوراً فى مجال الذكاء الاصطناعى». وأضاف أن «هذا يجعل شى جين بينج أخطر عدو للذين يؤمنون بالمجتمعات الحرة»، كما نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية.

سوروس دعا أمام حشد من الصحفيين والسياسيين والاقتصاديين الولايات المتحدة إلى التحرك ضد مجموعتى الصناعات التقنية الصينيتين «هواوى» و«زى تى إى». واعتبر أنه «إذا تمكنت هذه الشركات من السيطرة على أسواق الجيل الخامس من تقنيات الهواتف الجوالة، فإنها ستمثل خطراً غير مقبول على أمن العالم». وتابع: «العام الماضى كنت أعتقد أنه يجب تعزيز استيعاب الصين فى مؤسسات الحوكمة العالمية، لكن منذ ذلك الحين، دفعنى سلوك شى إلى تغيير رأيى». ولم تتأخر الخارجية الصينية فى الرد على هذا الهجوم اللاذع، وقالت إن تصريحاته بلا معنى «ولا تستحق التفنيد». وبعيداً عن التصعيد السياسى بين الصين والغرب، سعت بكين إلى طمأنة المستثمرين. وقال أحد أعضاء الوفد الصينى إن تراجع نمو الاقتصاد الصينى «لا يشكل كارثة». وأوضح فانج شين هاى، نائب رئيس هيئة تنظيم سندات الضمان الصينية، مخاطباً جلسة حول «المخاطر المالية الدولية» أن السياسات الاقتصادية الصينية سريعة الاستجابة للمتغيرات، وتقوم على الانفتاح وإتاحة فرص استثمار للشركات عبر العالم. وعزز نائب الرئيس الصينى هذه الرسالة الأربعاء، بقوله إن اقتصاد بلاده لا يدخل نهاية دورته التوسعية، وإنه سيواصل تحقيق نمو مستدام على الرغم من الشكوك العالمية. ووجّه وانج رسالة مبطّنة لواشنطن بتأكيده على الترابط العضوى للاقتصادين الصينى والأمريكى، وإشارته إلى أن «أى مواجهة (بين البلدين) ستلحق ضرراً بمصالح الجانبين».

أيضا، تنوعت الموضوعات التى ركز عليها أعضاء الوفد الروسى فى مداخلاتهم وتعليقاتهم، خلال المشاركة فى أعمال منتدى دافوس الاقتصادى الدولى، وعرض بعضهم توقعات للاقتصاد الروسى فاقت التوقعات الرسمية، بينما تحدث آخرون عن «محادثات خلف الأبواب المغلقة» حول خصخصة المزيد من الشركات الحكومية. وكان لافتاً أن فرضت العقوبات الأمريكية ضد روسيا نفسها فى سياق الحديث حول كل تلك القضايا، بصفتها عامل تأثير رئيسى، ملازماً لأى من النشاطات فى المجالات الاقتصادية التى توقف عندها أعضاء الوفد الروسى.

على هامش مشاركته فى منتدى دافوس، عرض كيريل دميتريف، رئيس «الصندوق الروسى للاستثمارات المباشرة»، توقعاته للاقتصاد الروسى العام المقبل، وعبر عن قناعته بأن «الناتج المحلى الإجمالى لعام 2019 سينمو، دون شك، بمعدل نحو 2٪، لكن بعد عام نرى أنه من الممكن زيادة وتيرة نمو الاقتصاد الروسى أعلى من هذا المعدل». وتعكس توقعاته نظرة أكثر إيجابية للاقتصاد الروسى، مقارنة بنظرة وزارة المالية الروسية التى توقعت وتيرة نمو بمعدل 1.3٪، وكذلك بالنسبة لتوقعات صندوق النقد الدولى، بمعدل نحو 1.6٪ خلال عام 2019.

دميتريف ربط إمكانية تحقيق نمو الاقتصاد الروسى بعدة شروط يجب توفرها، مشيراً فى هذا السياق إلى الحاجة لـ«أسعار مرتفعة مستقرة للنفط»، و«إطلاق عدة مشروعات بنيوية»، و«التركيز على فعالية الكثير من المجالات» الاقتصادية - الإنتاجية من جانب الحكومة. غير أنه وحتى فى حال تحققت تلك الشروط للنمو الاقتصادى، فإن عوامل خارجية قد تعرقله، وعلى وجه الخصوص، العقوبات الأمريكية، التى وصفها دميتريف بأنها «عقبة رئيسية أمام النمو»، وأضاف: «أعتقد أن العقوبات تقوض جدول الأعمال الليبرالى فى روسيا».

العقوبات كانت حاضرة أيضا فى حديث أندريه كوستين، رئيس «فى تى بنك» الحكومى، فى ظل بقاء المخاوف من عقوبات لوحت بها الولايات المتحدة تضيق الخناق بشكل أكبر على مصارف حكومية روسية، وقد تطال سندات الدين العام الروسى. فى هذا الصدد كان كوستين حريصاً على التقليل من تلك المخاوف، وقال خلال منتدى دافوس: «ننطلق فى عملنا من الوضع، كما هو اليوم، ونمارس نشاطنا كله على هذا الأساس»، أى أنه لا عقوبات جديدة بعد. ومع إشارته بعد ذلك إلى «خطة موجودة لدينا لحالات الطوارئ» إذا قررت واشنطن فرض تلك العقوبات، عاد وأكد: «من وجهة نظر الوضع الراهن، نواصل بناء عملنا لعام 2019، مع توقعات بعدم حدوث تغيرات جذرية فى العقوبات ضد مصرفنا بصورة خاصة»، وقال إنه لا يتوقع تشديد العقوبات. وكان كوستين كشف فى تصريحات خريف العام الماضى، عن خطة لمواجهة حزمة العقوبات الجديدة المرتقبة، وضعها مصرف «فى تى بى بنك» بالتعاون مع الحكومة الروسية، والبنك المركزى. كما كشف مكسيم أوريشكين، وزير التنمية الاقتصادى الروسى، رئيس وفد بلاده إلى دافوس، عن محادثات «خلف الأبواب الموصدة» تجريها الحكومة الروسية حول خصخصة حصصها فى شركات حكومية، الأمر الذى قاله مسئولون من تلك الشركات بأنه يواجه عقبات بسبب العقوبات الأمريكية. وقال أوريشكين فى مداخلته بالمنتدى إن «العمل يجرى حول عدد من الصفقات المتنوعة. نعمل خلف الأبواب المغلقة»، موضحاً أن السرية فى صفقات كهذه أمر ضرورى للحفاظ على القدرة التنافسية.

تردَّدت فى أروقة «دافوس»، خلال الأيام الماضية، أسئلة حول ما إذا كان المنتدى يعمل فعلاً تجاه تحقيق الهدف الذى حدده لنفسه، الذى لخّصه مؤسسه الثمانينى كلاوس شواب بـ«تحسين وضع العالم»، حتى إن بعض المشاركين ذهبوا إلى اعتبار المنتدى «منفصلاً عن واقع مواطنى العالم»، وهمومهم اليومية. وفى محاولة لتفنيد هذه النظرة، عمد المنتدى إلى تنويع المشاركين ومجالات عملهم واهتماماتهم. فإلى جانب رجال وسيدات الأعمال والسياسيين والصحفيين، شارك فى المنتدى ناشطون بيئيون وموسيقيون وعلماء أحياء، وأطباء وغيرهم. كما سلط المنتدى الضوء على مبادرات لدعم ذوى الاحتياجات الخاصة، كمشروع موسيقى يُمكّن ضعيفى السمع من استشعار الموسيقى عبر «قمصان ذكية». كما اهتمّ منظمو «دافوس» بالمبادرات البيئية، عبر تخصيص ندوات لمواجهة الاحتباس الحرارى وتقديم تجربة واقع افتراضى تتيح لمستخدميها «تجربة الحياة كشجرة» لدقائق.


التعليقات