ياسر بركات يكتب عن : كواليس فضيحة قطر فى لندن

بنك باركليز يتورط مع الدوحة فى 322 مليون جنيه إسترلينى

اتهام الرئيس التنفيذى السابق للبنك بجمع 11 مليار جنيه إسترلينى لصالح قطر

ـ مكتب مكافحة جرائم الاحتيال: الطريقة التى حصلت بها قطر على القرض «غير قانونية»،

ـ مجلس التعاون الخليجى يعيد النظر فى الوضع الاقتصادى لبنك قطر الوطنى بعد تجدد الفضيحة

فى قضية تعود أحداثها إلى سنة 2008، أعلن المدعى العام فى لندن، أن 4 مسئولين سابقين فى بنك باركليز تواطأوا لإخفاء مدفوعات غير قانونية إلى مسئولين قطريين، قيمتها 322 مليون جنيه إسترلينى (420 مليون دولار).

سبق أن تم اتهام الرئيس التنفيذى السابق، جون فارلى، وثلاثة آخرين، بالاحتيال عندما استخدم البنك «وسائل غير مشروعة» لجمع 11 مليار جنيه إسترلينى (14.35 مليار دولار) من مستثمرين خليجيين لإنقاذه من أزمته المالية، فى مقابل إخفاء التحويلات المذكورة. وبحسب وسائل إعلام بريطانية، كانت قطر قد قامت وقتها بضخ أربعة مليارات جنيه إسترلينى فى بنك باركليز، مقابل فائدة قدرها 3.25٪، التى تمثل أكثر من ضعف ما دفعه «باركليز» للمستثمرين الآخرين فى ذلك الوقت.

مسئول مكتب المدعى لمكافحة جرائم الاحتيال الخطيرة، إدوارد براون قال: إن الطريقة التى منحت بها قطر قرضاً بقيمة 322 مليون إسترلينى لبنك باركليز فى خضم الأزمة المالية العالمية عام 2008، كانت «غير قانونية»، لإخفاء رسوم إضافية من مستثمرين آخرين. وأضاف: «إن إخفاء الرسوم الإضافية فى قلب هذه القضية»، مشيراً إلى أن البنك وافق على دفع عمولة أكثر بكثير لقطر؛ ما حصل عليه مستثمرون آخرون، مقابل الحصول على سيولتها النقدية. وقال فى المحاكمة المتوقع لها أن تستمر 6 أشهر، إنه «تم وضع آلية لدفع رسوم أعلى للقطريين من تلك التى يدفعها البنك للمستثمرين الآخرين؛ حتى لا تكشف عن موقف البنك الحقيقى (أثناء الأزمة)».

تهمة التآمر لارتكاب جرائم احتيال، تم توجيهها إلى كل من جون فارلى وروجر جينكينز، الذى تولى فى السابق منصب رئيس مجلس إدارة الذراع المصرفية للبنك فى الشرق الأوسط، وتوم كالاريس الذى تولى منصب الرئيس التنفيذى السابق لقطاع الثروات، وريتشارد بوث الرئيس السابق للقطاع الأوروبى. ويواجه فارلى وجينكينز اتهامات منفصلة بمساعدة مالية غير قانونية، وهو تصرف تقوم من خلاله الشركات بإقراض المال لتمويل شراء أسهمها.

استثمرت «قطر القابضة»، وهى جزء من صندوق الثروة السيادى جهاز قطر للاستثمار، و«تشالنجر» وهى شركة استثمار تابعة لرئيس الوزراء القطرى السابق الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثانى، نحو ستة مليارات جنيه إسترلينى فى البنك. وفى أكتوبر الماضى، أعاد مدعون عامون فى بريطانيا فتح قضية الاحتيال التى قام بها بنك باركليز مع مستثمرين قطريين، كان أبرزهم رئيس الوزراء القطرى ووزير خارجيتها السابق، حمد بن جاسم بن جبر آل ثانى، الذى استثمر فى البنك، عبر شركة «تشالنجر» التابعة له. وتمكن بنك باركليز خلال الأزمة المالية فى 2008 من تفادى مصير بنوك بريطانية أنقذتها الحكومة، فجمع أكثر من 12 مليار دولار من مستثمرين قطريين، وبعد مضى فترة قصيرة قدم المصرف قرضاً لقطر قدره 3 مليارات دولار على شكل استثمارات لصندوق قطر السيادى وشركة حمد بن جاسم. ووجّه مكتب مكافحة جرائم الاحتيال الخطيرة تهماً بالاحتيال للبنك وللشريكين القطريين؛ إذ إن البنك قام بإقراض نفسه، بشكل غير مباشر، ما يتنافى مع القوانين المالية فى بريطانيا.

هذه الأرقام ليست إلا نقطة فى بحر المليارات القطرية الكثيرة التى يجرى استثمارها هنا وهناك، وقد تصاب بقدر من الصدمة لو عرفت أن لتلك الدويلة أصولاً قيمتها 335 مليار دولار بمختلف دول العالم، وأن ممتلكات هيئة الاستثمار القطرية ومستثمرين قطريين آخرين، تتضمن استوديوهات فى هوليوود، ومكاتب فى نيويورك، وعقارات سكنية فى لندن، وصولاً لمجال الأزياء وشراء نادى كرة قدم فى إيطاليا. وتعد هيئة الاستثمار أيضاً هى أكبر مستثمر فى البورصة القطرية، وتملك أغلبية أسهم بنك قطر الوطنى، والذى يعد أكبر بنوك مجلس التعاون الخليجى، كما تستثمر الهيئة أيضاً فى شركة الاتصالات الكبرى أوريدو، والتى تعمل فى 12 دولة مختلفة، ويشغل منصب رئيس مجلس إدارتها عبدالله بن محمد بن سعود آل ثانى، والذى يشغل منصب الرئيس التنفيذى لجهاز قطر للاستثمار أيضاً.

بحسب تقرير سابق لوكالة «بلومبيرج»، فدائماً ما كانت أوروبا مقصداً مهماً للأموال القطرية، إذ تستثمر الدويلة مليارات الدولارات فى مناطق مختلفة، من بينها صناعة السيارات فى ألمانيا، وصناعة الموضة، وأندية كرة القدم فى إيطاليا. ودخلت قطر باستثمارات كبرى فى بنكى باركليز، وكريدى سويس خلال فترة الأزمة الاقتصادية العالمية فى 2008، كما ضخ رئيس الوزراء السابق حمد بن جاسم آل ثانى 1.75 مليار يورو (1.85 مليار دولار) فى بنك دويتشه الألمانى عام 2014، عندما اتجه البنك لبيع نسبة من أسهمه لحصد دعم مالى.

التقرير نفسه، أشار أيضاً إلى أن جهاز قطر للاستثمار هو أكبر مساهم فى شركة فولكس فاجن الألمانية الكبرى لصناعة السيارات، إلى جانب صفقة استحواذ كبرى لشركة جلينكور على شركة إكستراتا عام 2012، وهى الصفقة التى بلغت قيمتها 29 مليار دولار.

ويضاف إلى ذلك استثمارات فى علامة Valentino الإيطالية للموضة، والتى استحوذت عليها Mayhoola للاستثمارات المدعومة من مستثمرين قطريين، فى صفقة تجاوزت 700 مليون يورو. أشار التقرير أيضاً إلى شراء رئيس الوزراء الأسبق حمد بن جاسم لـ10% من شركة إل كورت أنجلوس، والتى تعد أكبر سلسلة متاجر فى إسبانيا.

وطبقا للتقرير، قُدِرت الاستثمارات القطرية فى المملكة المتحدة بما لا يقل عن 35 مليار دولار عام 2014، وفقاً لتقارير إعلامية محلية، إذ تملك البلاد عقارات سكنية ومتاجر وفنادق فى أرقى أحياء لندن، أبرزها استثمارات فى كنارى وارف، وحصص من فندق سافوى، وناطحة السحاب شارد، ومتاجر هارودز، والقرية الأوليمبية، وبرج HSBC، كما تحول ديار -وحدة الاستثمار العقارى التابعة لجهاز الاستثمار- مبنى السفارة الأمريكية القديم بساحة جروسفينور إلى فندق فخم، كما تبنى منازل جديدة فيما كان يعرف بثكنات تشيلسى.

ولا تقتصر الاستثمارات القطرية فى المملكة المتحدة على العقارات فحسب، إذ تملك هيئة الاستثمارات 22% من مجموعة جيه سينزبيرى، وتعد أكبر المساهمين فيها. وفى عام 2012، اشترى الصندوق السيادى للبلاد حصة 20% من مطار هيثرو الدولى، فيما رفعت الخطوط الجوية القطرية حصتها فى الشركة المالكة للخطوط الجوية البريطانية IAG SA إلى 20% العام الماضى. وعلى الرغم من أن أكبر الاستثمارات القطرية هى بالأساس فى أوروبا، توجه البلاد أنظارها حالياً نحو الولايات المتحدة، إذ افتتحت هيئة الاستثمار مكتباً فى نيويورك عام 2015، ووضعت خططاً لاستثمار 35 مليار دولار فى الولايات المتحدة بحلول عام 2020 لتنويع مصادر اقتصادها.

وبحسب التقرير، فقد استحوذت مجموعة بى إن سبورت الرياضية القطرية العام الماضى على شركة ميراماكس للإنتاج السينمائى والواقعة فى كاليفورنيا، وفى 2016، كان جهاز قطر للاستثمار رابع أكبر مستثمر فى المساحات المكتبية فى الولايات المتحدة، وتتركز أغلب الاستثمارات فى نيويورك ولوس أنجلوس، بحسب شركة Real Capital Analytics للإحصاءات. استحوذت الهيئة أيضاً على 10% من شركة Empire State Realty Trust المالكة لمبنى إمباير ستيت الشهير، كما عقدت شراكة مع شركة Brookfield Property Partners فى مشروع بنيويورك بلغت قيمته 8.6 مليار دولار.

وكان للغاز القطرى الذى يُصدر لآسيا أثرٌ كبيرٌ فى خلق استثمارات قطرية جديدة فى هونج كونج، واليابان، وكوريا الجنوبية وتايوان. تستوعب الأسواق الآسيوية نصف إنتاج قطر من الغاز المسال فى 2015، إلا أنها فشلت فى جذب استثمارات كبرى من هذه الدول حتى الآن.

وتسعى قطر لزيادة استثماراتها فى آسيا بشكل عام، إذ أعلن جهاز قطر للاستثمار فى 2014 عن نيته لاستثمار 20 مليار دولار فى آسيا على مدار 6 سنوات، والتوسع فى بكين ونيوديلهى. فى يونيو الماضى، أكمل جهاز الاستثمار صفقة شراء برج سكوير فى سنغافورة من شركة BlackRock فى صفقة بلغت 2.5 مليار دولار، بالإضافة لصفقات كبرى متعددة فى هونج كونج. يشير التقرير أيضاً إلى تطلع قطر لاستثمارات مستقبلية فى الصين بقيمة 10 مليارات دولار.

لعل أهم ما يلفت النظر فى هذه الصفقات، هو أن كثيراً منها يأتى على سبيل الفواتير أو الرشاوى التى تقدمها العائلة الملكية القطرية لتثبيت حكمها ولجعل العالم يغض بصره عن الجرائم التى ترتكبها تلك الأسرة. ومن الفواتير أو الرشاوى التى قدمتها قطر لبريطانيا، نتوقف مثلا عند صفقة القرية الأولمبية التى ما زالت تتصدر اهتمام الصحف البريطانية ومنها صحيفة دايلى ميل التى كشفت فى تقرير لها عن ضراوة الاستثمار القطرى فى لندن وبريطانيا بشكل عام، وتزايد الامتعاض منه بشكل متزايد، مع تأكيدات بأن الاستثمارات القطرية ليست لهدف اقتصادى بل سياسية بالدرجة الأولى.

فى البداية كان مقرّراً أن تكون القرية الأولمبية استثماراً خاصاً لا يكلف دافعى الضرائب شيئاً، لكن الأزمة المالية فى 2008 حتمت على الحكومة البريطانية الدخول فى المشروع عن طريق هيئات حكومية للقيام بأعمال البناء والإنشاء. وبعد سنتين طرحت الحكومة البريطانية نصف القرية الأولمبية للمنافسة على الشركات العالمية والبريطانية، لكن التقارير الإعلامية البريطانية تركز بشكل خاص على العرض القطرى، مع قناعة شبه راسخة بأن العطاء لن يفلت من يد شركة «ديار» التى عرضت أعلى الأسعار. وكان نصف القرية وقع بين يدى إحدى الشركات القطرية التى اشترت 1400 شقة فى القرية الأولمبية فى أوج الأزمة المالية التى عصفت بأسعار العقارات فى لندن بـ557 مليون يورو. ومن المنتظر أن تسمح الصفقة الجديدة للحكومة البريطانية بالتخارج من كامل القرية الأولمبية التى احتضنت 23 ألف رياضى ومسئول بمناسبة الألعاب الأولمبية والبار- أولمبية التى احتضنتها لندن فى 2012.

بقدر ما يثير الاستثمار القطرى ارتياح بعض المسئولين فى العاصمة البريطانية، إلا أنه يثير أيضاً تساؤلات كثيرة وشكوكاً حول هذه «الشراهة» أو الاستثمار المكثف بين الدوائر المعنية، خاصة فى ظل الارتفاع الكبير فى أسعار العقارات وتزايد الخوف من فقاعة عقارية جديدة، قد يكون لقطر دور كبير فيها. كما يطرح «النهم» القطرى والاستثمار المكثف فى العقار البريطانى، أسئلة أكبر وأخطر، ذلك أن هذه الاستثمارات فى العاصمة البريطانية التى بلغت حسب بعض التقارير إلى ما يعادل 13 مليار جنيه إسترلينى حتى منتصف 2013 (حوالى 21.4 مليار دولار) ليست سوى جزء بسيط من كمية ضخمة من التوظيفات المالية التى تكرسها الدوحة للفوز ببعض الـ«جوائز» الكبرى التى لا علاقة لها بالعمليات الاستثمارية الحقيقية.


التعليقات