ياسر بركات يكتب عن : جرائم الشركات متعددة الجنسيات فى مصر!

- صراع إيطالى ـ فرنسى يفتح ملفات الفساد فى قطاع الاستثمار

-200 شركة تسببت فى دخول مصر «كماشة الاقتصاد»

قائمة شركات صناعات الحديد والأسمنت والدواء والغذاء والسيارات والنسيج والأثاث والمنظفات التى أصبحت أقوى من قوانين الدولة بفضل الحماية الخارجية !!

منظمة النزاهة تفضح عمليات اختراق 60 دولة بسلاح « الفواتير المزورة «

منظمة التعاون الاقتصادي تسعى إلى تحطيم قواعد الدول وفرض سيطرة رجال الأعمال

بمنتهى الوضوح اتهم ماتيو سالفيني، نائب رئيس الوزراء الإيطالي، فرنسا بأنها لا ترغب في تهدئة الأوضاع في ليبيا بسبب مصالحها في قطاع الطاقة. كما اتهم لويجي دي مايو، وهو نائب آخر لرئيس الوزراء الإيطالي، باريس بإشاعة الفقر في أفريقيا والتسبب في تدفق المهاجرين بأعداد كبيرة إلى أوروبا. وأعرب دي مايو عن أمله في أن يفرض الاتحاد الأوروبي «عقوبات» ضد الدول التي تقف حسب قوله وراء مأساة المهاجرين في البحر المتوسط، من خلال «تهجيرهم» من أفريقيا، بدءا بفرنسا. وقال دي مايو، «إذا كان هناك اليوم أفراد يرحلون، فلأن بعض الدول الأوروبية في طليعتها فرنسا لم تكف عن استعمار عشرات الدول الأفريقية».

الهجوم الذي شنه نائبا رئيس الوزراء الإيطالي على فرنسا، فرض طرح عدد من الأسئلة أبرزها: هل تهتم الدول الغنية فعلا بالدول الفقيرة؟! وهل تقدم لها المساعدات للقضاء على فقرها ومساعدتها على التنمية دون أن تستفيد في مقابل ذلك؟ وهل يمكنك أن تقتنع بأن الدول الغربية أو الغنية تدفع ما يتجاوز الـ125 مليار دولار سنويًا، لوجه الله؟

الإجابة جاءت من منظمة النزاهة المالية العالمية، والتي تقع في الولايات المتحدة الأمريكية، التي أجرت بالتعاون مع مركز الأبحاث التطبيقية بالمدرسة النرويجية للاقتصاد، دراسة مهمة، كشفت الكثير والكثير من المعلومات المدهشة، أبرزها أن تدفق الأموال من الدول الغنية إلى الفقيرة يتضاءل مقارنة بالتدفق العكسي، أي من الدول الفقيرة إلى الغنية.

التفاصيل تقول إنه خلال عام، تلقت الدول النامية، طبقا لآخر البيانات المسجلة، 1.3 تريليون دولار، تشمل كل المساعدات، والاستثمار، والدخل الآتي من الخارج. وفي العام ذاته خرجت من هذه البلاد 3.3 تريليون دولار. أي أن الدول النامية أرسلت 2 تريليون دولار فوق التي حصلت عليها، تمثلت في تحويلات نقدية مباشرة إلى البنوك الكبيرة في نيويورك ولندن، وتحويلات الأجانب من استثماراتهم. وهذا كله بالإضافة إلى رؤوس الأموال الهاربة، غير المسجلة، وغير القانونية. والتي وصل مجموعها إلى 13.4 تريليون دولار!

وطبقا لما جاء في التقرير فإن غالبية هذه التدفقات المالية غير القانونية تحدث من خلال نظام التجارة العالمي، بأن تقوم الشركات، الأجنبية والمحلية بإثبات أسعار مزيفة في فواتيرها التجارية من أجل تهريب الأموال خارج الدول النامية مباشرة إلى الملاذات الضريبية والنطاقات القضائية السرية، وهو ما بات معروفا باسم «تجارة الفواتير المزيفة»، والتي يكون الهدف منها التهرب من الضرائب، أو غسيل الأموال. ويوجه التقرير أصابع الاتهام إلى الشركات متعددة الجنسيات التي أشار إلى أنها تسرق أموال الدول النامية من خلال «تزوير الفاتورة»، بأن تقوم بتحويل الأرباح بشكل غير مشروع بين الشركات التابعة لهم من خلال التزوير المتبادل للفواتير التجارية على كلا الجانبين.

ويكشف التقرير عن معلومة صادمة بتأكيده أن أكثر من 60 دولة في العالم، بها ملاذات ضريبية آمنة منها دول في أوروبا مثل لوكسمبورج وبلجيكا، وفي أمريكيا مثل ديلاوير ومانهاتن. وأن أكبر شبكة من الملاذات الضريبية تتمحور حول مدينة لندن، التي تتحكم في النطاقات السرية في كل أنحاء وملحقات التاج البريطاني وأقاليم ما وراء البحار. وأن أكثر الدول التي تروج لتقديمها مساعدات هي تلك التي تقوم بسرقات ضخمة من الدول النامية. وأن هذه المساعدات ليس لها أي فائدة بل هي مجرد محاولات لإخفاء السرقات الرهيبة، وتجعل الناهبين أو اللصوص يظهرون في صورة المانحين، وبالتالي يحصلون على نوع من التفوق الأخلاقي!

وينتهي التقرير بمطالبة الدول الغنية بشطب ديون الدول الفقيرة، والسماح لها بإنفاق أموالها في التنمية بدلاً من استنزافها في الفوائد وخدمات القروض القديمة. مع ضرورة غلق النطاقات القضائية السرية والملاذات الضريبية الآمنة، وفرض عقوبات على البنوك التي تقوم بتسهيل التدفقات النقدية غير المشروعة، وعلى الشركات متعددة الجنسيات التي تقوم بتحويل الأموال بشكل سر وغير مشروع حول العالم.

سطوة ونفوذ الشركات متعددة الجنسيات، تنامت بالفعل بشكل مرعب بالتزامن مع تراجع دور الحكومات في إدارة الأنشطة الاقتصادية. وسبق أن نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تقريرا طويلاً أكدت فيه أن هذه الشركات حققت مكاسب مهولة رغم ما سببته من أزمات وكوارث مالية باتت تهدد العديد من دول العالم، وتلقي بظلال سلبية على اقتصاديات دول متقدمة. وأشار التقرير إلى استحواذ الشركات الأمريكية على نصيب الأسد من حيث عدد الشركات الأكثر نفوذا حول العالم بإجمالي تخطى 15 شركة ، وأن قائمة الشركات الـ25 الأكثر نفوذا حول العالم شملت شركات صينية وأوروبية أخرى.

في مصر، مثلاً، دخلت الشركات متعددة الجنسيات في صناعات الحديد والأسمنت والدواء والغذاء والإلكترونيات والسيارات والنسيج والأثاث والمنظفات الصناعية والبنوك والعقارات وقبلها البترول والغاز الطبيعي. ويكفى أن تعرف أن لدينا على الأقل 200 شركة متعددة الجنسيات شديدة النشاط في مصر، لها أكثر من 80 ألف وكيل محلى، وهو ما يعنى أننا دخلنا في حزام تلك الشركات أو وقعنا تحت سيطرتها، وقد حدث ذلك الوقوع أو الاختراق من بوابة الاستثمار الأجنبي بعد أن تغيرت قوانين الضرائب والجمارك والتحكيم في المنازعات لتشجيعه وتم توقيع العديد من اتفاقيات حمايته.. وبعد أن أنشئت وزارة خاصة للاستثمار.. وبعد أن تفرغت الدولة للترويج له فى الخارج من خلال سفاراتها ومكاتبها المختلفة. وذلك كله حدث في عهد الرئيس الأسبق، وهو العهد الذى رغم ذلك كله لم يتدفق فيه الاستثمار الأجنبي إلا بالتنقيط.. نقطة.. نقطة.. ومراجعة الأرقام، تجعلنا لا نصف ما تم ضخه إلا بأنه «تافه»، ويكفى أن تعرف أن مصر، في عهد الرئيس الأسبق، وبفضل رجال أعماله، كانت في مرتبة أقل من دول مثل نيجيريا وأنجولا وغينيا والسودان وكلها دول بها صراعات وحروب أهلية، كما تعرف!

ولعلنا لا نكشف سرا، حين نقول إن معظم أنشطة وأعمال منظمة التجارة العالمية تحدث في السر‏، وإن أهم‏ لجان المنظمة وهى اللجان القضائية تجتمع داخل غرف مغلقة‏،‏ والمحكمون أو القضاة الثلاثة داخل اللجنة تظل هويتهم الحقيقية مخفية ولا يتم الإعلان عن أسمائهم أو جنسياتهم‏،.. كما أن المداولات تتم في سرية‏.

ولدينا تفاصيل مرعبة تسربت من اجتماعات سرية عقدتها منظمة التعاون الاقتصادي ومقرها باريس‏،‏ وهى المنظمة التي تجمع في عضويتها الدول الأكثر تقدماً،‏ وكان موضوع الاجتماعات التخطيط لاتفاقية دولية للاستثمار المتبادل‏،‏ هدفها تجاهل القوانين الوطنية التي تعرقل أنشطة الشركات العالمية الكبرى والقوانين التي تميز بين شركات وأخرى‏ بحيث يصبح من حق أي شركة عالمية أن تقاضى أي دولة تستثنى شركة بعينها لتحصل على امتيازات لا تحصل عليها بقية الشركات‏.

‏وكان أهم ما في هذه الاتفاقية هو أنها تسمح للشركة بأن تجر الدولة إلى محاكم خاصة، وليست إلى محاكم تخضع للقانون الدولي أو القوانين الوطنية‏،‏ بمعنى آخر‏..‏ تنقل الاتفاقية السيادة في قطاع الاستثمار من الدولة إلى الشركات المتعددة الجنسية‏.‏

وغير غياب الشفافية التي تحاول الدول الكبرى إجبار بقية الدول على ممارستها وهى نفسها لا تمارسها‏،‏ فإن الاتفاقية التي أشرنا إليها وتمت مناقشتها في غرفة مغلقة لم يصدر بشأنها تصريح واحد‏.. وهى الصيغة التي صدرت بها قوانين واتفاقيات متعددة من قاعات الجات إلى منظمة التجارة العالمية ولم يطلع عليها معظم دول العالم النامي‏،‏ التي يتم إجبارها بعد ذلك بشكل أو بآخر على الانضمام إليها والالتزام بها.

لا هي ناقشتها ولا ناقشها الرأي العام العالمي‏ في الشرق أو الغرب‏،‏ ولا مورست الشفافية خلال أي مرحلة من مراحل التفاوض‏.‏ وبالإضافة إلى ما سبق، فإن هذه الاتفاقيات مثل كثير من القواعد الجديدة لمنظمة التجارة العالمية تمنح الشركات الكبرى سلطات تتجاوز سلطة الدولة، ومن هنا تأتى قوة بعض رجال الأعمال. وعلى هذه الخلفية، نستطيع أن نفهم بالضبط طبيعة الدور الذي يلعبونه، في تخريب الصناعة الوطنية لصالح كيانات أكبر معروفة بالاسم!


التعليقات