البابا فرانسيس.. كل ما تريد أن تعرفه عن "نصير الإسلام "

حرص البابا فرانسيس، منذ اعتلائه الكرسي البابوي عام 2013 علي مد جسور الحوار والسلام بين الأديان والشعوب، معتبراً الإسلام حجر الزاوية في دعم هذا التقارب وظهر ذلك جلياً من خلال زيارته للعديد من البلدان التي يوجد فيها عدد كبير من المسلمين.
من هذا المنطلق جاءت الزيارة الحالية للبابا فرانسيس إلي منطقة الخليج باعتبارها الأولي من نوعها التي يقوم بها بابا الفاتيكان إلى المنطقة، حيث استهلها بزيارة دولة الإمارات العربية المتحدة في 3 فبراير الجاري، ومن المقرر أن يسافر إلى المغرب في مارس، لتصبح المحطة الثامنة للتلاقي مع المسلمين.
ففي زيارة أخوة إنسانية تجمعه وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، رئيس مجلس حكماء المسلمين، حل قداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية ضيفاً على دولة الإمارات العربية المتحدة من 3 إلى 5 فبراير الجاري.. وجاءت الزيارة بالتزامن مع إعلان الإمارات 2019 "عام التسامح"، الذي يأتي انسجاماً مع رؤيتها القائمة على قيم التسامح، وسعيها النبيل لنشر القيم والفضيلة وإرساء قيم التعايش وقبول الآخر، وتحقيق الانسجام والوئام في المنطقة والعالم.
وتطرق البابا خلال زيارته للإمارات، للحديث عن القديس فرنسيس الأسيزي فذكر موقع "كروكس ناو" الكاثوليكي أن قداسة البابا أخبر سفراء الكرسي الرسولي أن "الزيارة تعتبر فرصة على قدر كبير من الأهمية؛ لتعزيز الحوار بين الأديان والتفاهم المتبادل بين المسلمين والمسيحيين خلال العام الجاري، الذي يوافق الذكرى 800 للقاء القديس فرنسيس الأسيزي، بالسلطان الكامل في مصر".
وكان الأب مايكل بيري، الرئيس العام للرهبنة الفرنسيسكان في العالم، قد تحدث خلال خطاب ألقاه في بداية يناير الماضي، عن رحلة القديس فرنسيس إلى مصر خلال الحملة الصليبية الخامسة، وكيفية وصوله إلى معسكر الصليبيين وطلبه لقاء سلطان مصر، رغم أعمال العنف التي وقعت حينها بحق المسلمين، وموافقة السلطان على اللقاء، ما مهد لعلاقات أفضل بين الجانبين.
وقال بيري إنه "في عام 2019، يجب على الفرنسيسكان تجديد التزامهم بالعمل مع المسلمين وجميع المعتقدات، بصفتهم رفقاء السفر وبناة التمدن، وبصفة أساسية كأخوة وأخوات".. ودعا جميع أبناء الرهبنة الكبوشية - رهبنة كاثوليكية إصلاحية - للاحتفال بالذكرى السنوية للقاء، قائلًا إنه "في الوقت الذي يحرض فيه الناس على خشية المسلمين، يشجع هو أبناء الفرنسيسكانية على اتباع نهج مؤسس طائفتهم، واتخاذ خطوة بسيطة لكن ملموسة هي لقاء أحد المسلمين والتعرف عليه عن قرب".
وأشار المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام بالأردن إلى أن "ما كسبه فرنسيس في رحلته هو بناء جسر من الثقة والحوار المتواصل مع سلاطين العرب، وأئمة الإسلام والمسلمين في البلاد العربية التي زارها".
ولا تعد زيارة البابا فرانسيس الحالية إلي منطقة الخليج ودول العالم الإسلامي هي الأولي من نوعها فقد سبق ذلك عدة محطات بارزة في زيارته الخارجية خلال الـ5 سنوات الماضية.
زيارات متعددة
في 24 مايو 2014، تلقى قداسة البابا فرنسيس ترحيباً حاراً في العاصمة الأردنية عمان من الملك عبدالله الثاني، والتقى اللاجئين السوريين.. وفي اليوم التالي، بدأ الحج إلى الأراضي المقدسة في بيت لحم بالضفة الغربية المحتلة، وتوقف من أجل صلاة صامتة أمام الجدار العازل المثير للجدل الذي أقامه الإسرائيليون.
كما زار قداسة البابا فرانسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية بعض المواقع المقدسة في الإسلام واليهودية، بما في ذلك مجمع المسجد الأقصى وحائط البراق.
وفي 21 سبتمبر من العام نفسه، زار البابا ألبانيا حيث أشاد بالتعايش السلمي بين الكاثوليك والمسيحيين الأرثوذكس والمسلمين، واصفاً إياه بأنه "هدية ثمينة للبلاد".. وقال إن هذا مهم بشكل خاص "في هذه الأوقات التي يجري فيها إفساد الروح الدينية الحقيقية، وحيث يتم تشويه الخلافات الدينية".
وفي 28 نوفمبر 2014سافر البابا فرانسيس إلى تركيا، حيث توجد جالية مسيحية صغيرة نسبياً تقدر بنحو 80 ألف فقط بين 75 مليون مسلم.
وفي المسجد الأزرق الشهير في اسطنبول، شبك قداسة البابا فرانسيس يديه أثناء الصلاة إلى جانب رجل دين إسلامي كبير، وهي لفتة أخوية مع الإسلام شبيهة بذكريات سلفه بنديكت السادس عشر، في المكان نفسه قبل 8 سنوات، ودافع خلال الزيارة قداسة البابا فرانسيس عن تحالف الأديان ضد الإرهاب.
وحرص البابا فرانسيس في 29 نوفمبر 2015 علي زيارة جمهورية أفريقيا الوسطى وهي بلد يعاني من العنف الطائفي وتلقى هناك ترحيباً حاراً من شعبها.. وخلال 26 ساعة قضاها هناك، زار أحد المساجد في حي (PK5) المسلم في العاصمة بانغي.
ووسط الحشد كان العديد من المسلمين يرتدون قمصاناً تحمل صورة قداسة البابا فرانسيس، الذي قال، آنذاك، إن المسيحيين والمسلمين "إخوة"، مضيفا: "يجب أن نقول معا لا للكراهية وللانتقام وللعنف".
وفي 5 أكتوبر عام 2016، قام قداسة البابا فرانسيس بزيارة قصيرة لأذربيجان التي تسكنها أغلبية مسلمة، وهي منطقة قوقازية سوفيتية سابقة.. وهناك أثنى على "فوائد التعددية الثقافية والتكامل الضروري للثقافات"، حيث تمارس الأديان المختلفة "التعاون والاحترام المتبادلين".
وفي 28 أبريل 2017، قام البابا فرانسيس بالزيارة البابوية الثانية لمصر ، بعد 17 سنة من زيارة البابا يوحنا بولس الثانية، وأكد "فرانسيس" أن "الإيمان الحقيقي" يعتمد على "ثقافة اللقاء والحوار والاحترام والأخوة"، كما قام بزيارة إلى جامعة الأزهر.
وفي 1 ديسمبر 2017، أثناء زيارة لبنغلاديش، طلب قداسة البابا فرانسيس "المغفرة" من لاجئي الروهينجا المسلمين الذين فروا من الاضطهاد في ميانمار المجاورة بمئات الآلاف.. وقال بعد أن التقى 16 لاجئا من الروهينجا: "أطلب منكم المغفرة نيابة عن هؤلاء الذين أساؤوا إليكم خصوصا وسط لامبالاة في العالم"، ودعا رجال الدين البوذيين للتغلب على "التحيز والكراهية"، دون الإشارة صراحة إلى الروهينجا بالاسم.
قديس السلام
تعتبر بساطة وتواضع قداسة البابا فرانسيس ومنذ اللحظات الأولى لإعلان حبريته عام 2013 طريقه لا لقلوب الأوروبيين فقط، بل للشرق أوسطيين كذلك.
كما وجد العالم الإسلامي في الاسم الذي اختاره البابا رمزاً ودلالة لرجل سلام، فقد اختار الاسم تيمناً باسم فرانسيس الأسيزي الذي كتب العالم الإسلامي اسمه بحروف من نور، ذلك لأنه كان صرخة مسيحية حقيقية في وجه الحروب الصليبية، وقدر له أن يرفضها في زيارته لمصر في يونيو 1219، حين التقى السلطان الكامل ابن الملك العادل الأيوبي، الذي قربه إليه فأقام عنده أياماً غير قليلة، وجرت بينهما حوارات كثيرة، وبذلك كان فرنسيس الأسيزي أول من أسس للحوار الإسلامي المسيحي قبل ثمانية قرون.
وكشف بابا الفاتيكان عن رغبته في تكثيف الحوار مع المسلمين من أجل بناء جسور معهم، متعهداً بدعم العلاقات بين الكنيسة الكاثوليكية وباقي الأديان الأخرى لاسيما الإسلام.
وفي ذلك اللقاء تحدث قداسة البابا فرنسيس بالقول: "من المهم تكثيف الوصول إلى معتنقي الأديان الأخرى لكي لا تسود الخلافات التي تضرنا، بل تسود الرغبة في بناء علاقات حقيقية من الصداقة بين جميع الشعوب مع تباينهم، لاسيما وأنه من غير الممكن إقامة علاقات حقيقية مع الله تعالى في ظل تجاهل الآخرين، ومن ثم ـ على حد تعبير البابا ـ هناك ضرورة ملحة لـ"تكثيف الحوار بين مختلف أتباع الأديان، وبالأخص إجراء حوار مع الإسلام والمسلمين".
رسالة تصالح
وسار البابا فرانسيس منذ اعتلائه الكرسي البابوي في 2013 على نفس النهج فاستهل رسالته التصالحية مع العالم الإسلامي برسالة وجهها للمسلمين في كل أنحاء العالم في مناسبة عيد الفطر عام 2014، وفي شهر يوليو تحديداً. وكان قد جرى العرف من قبل بأن يوجه المجلس البابوي للحوار بين الأديان التهاني بالعيد، مرفقة بدعوة إلى النظر معاً في موضوع معين، غير أن قداسة البابا فرنسيس وفي السنة الأولى من حبريته قرر أن يوقع بنفسه تلك الرسالة، ووجهها إلى من وصفهم "الأصدقاء الأعزاء"، حيث هنأ المسلمين بالعيد قائلاً: "كما تعلمون جميعكم، عندما انتخبني مجمع الكرادلة أسقفاً لروما، وراعياً للكنيسة الكاثوليكية بأسرها، اخترت اسم فرنسيس، وهو قديس مشهور أحب الله وكل إنسان في خلق الله إلى حد أنه دعي بـ"أخ الجميع"، أحب وساعد وخدم المحتاجين والمرضى والفقراء، واهتم للخليقة كلها".

وأضاف: "أعي جيداً أن العائلة والأبعاد الاجتماعية تكتسب أهمية خاصة بالنسبة للمسلمين خلال هذه الفترة. والجدير بالذكر أن هناك أوجه الشبه في كل هذه المجالات مع الإيمان المسيحي وممارسته".
وحملت بابا الفاتيكان للعالم الإسلامي دعوة للعودة إلى الاحترام المتبادل في العلاقات بين المؤمنين، لاسيما بين المسيحيين والمسلمين؛ إذ يقول: "نحن مدعوون لاحترام ديانة الآخر، وتعاليمها ورمزها وقيمها، ويتوجب كذلك احترام خاص للقادة الدينيين ولأماكن العبادة، كم هي مؤلمة الاعتداءات التي يتعرضون لها".


موضوعات ذات صله

التعليقات