ياسر بركات يكتب عن : ليلة سقوط العجل الكبير

فوربس تعلن الفضيحة الرسمية لسمسار قطر

ـ ثروته بلغت 1.2 مليار دولار فى عام 2018

ـ نهب ثروات الشعب برعاية شخصية من الشيخة موزة

ـ ظل ضمن قائمة أغنياء العالم على مدار خمس سنوات

ـ ديون الدوحة وصلت إلى 25.3 مليار دولار

ـ الحكومة تصدر سندات جديدة فى الأسواق العالمية بـ12 مليار دولار

ـ مصرف قطر المركزى يؤكد فى بيان رسمى: مطالبات البنوك المحلية بلغت 7 مليارات ريال

ـ محكمة كاليفورنيا تلاحق شقيق أمير قطر

وتطالب برأس أحمد الرميحى

ـ الهوس بشراء الأسلحة يدعو صحف العالم إلى السخرية من دويلة تحتمى بقاعدة عسكرية أمريكية

دويلة قطر التى لعبت -وما تزال- دوراً مشبوهاً وخطيراً فى الأحداث التى تشهدها المنطقة، ما زالت تراهن على المشروع الغربى لخط الغاز المنافس للخط الروسى القائم الذى يمد أوروبا بالطاقة مع أنها ليست أكثر من حصان على رقعة الشطرنج، ولها دور حددته الولايات المتحدة، لا يمكنها غير الالتزام بأدائه، وهذا الدور هو دعم الإرهاب وتمويله. وبفشلها فى أداء هذا، ظهرت مؤشرات قوية على أن الولايات المتحدة قررت أن تتخلى عن الأمير الصغير.

أحد تلك المؤشرات، كان خروج حمد بن جاسم رئيس الوزراء ووزير خارجية قطر السابق، من قائمة فوربس لأغنى أغنياء العالم، بعد 5 سنوات قضاها فى القائمة بدون سلطة، فى تأكيد جديد للفضائح التى لاحقته وكشفت استغلاله للنفوذ والمنصب من أجل تحقيق مكاسب وثروات شخصية على حساب مقدرات البلاد ومستقبل الوطن والمواطنين. وبحسب مجلة فوربس خرج بن جاسم من قائمة أغنى أغنياء العالم بعد أن انخفض صافى ثروته فى عام 2018 إلى 1.2 مليار دولار، مشيرة إلى أنه صنع ثروته عبر "استثمارات".

لا تتبع فوربس إلا الثروات والأصول المعلنة، حيث يدير بن جاسم استثماراته عبر كيان يدعى "بارامونت سيرفيسز هولدينجز". وكانت ثروة بن جاسم قدرت بـ12 مليار دولار عندما استقال من منصبه كرئيس لوزراء قطر ووزير خارجيتها فى يونيو عام 2013. وكان بن جاسم قد تقلد منصب وزير خارجية قطر فى سبتمبر 1992 ثم جرت مكافأته على خيانة أمير قطر الأسبق الذى عيّنه وزيرا لكنه شارك فى الانقلاب عليه، وتم تعيين بن جاسم رئيسا للوزراء مع احتفاظه بحقيبة الخارجية فى أبريل 2007، قبل أن يفقد المنصبين فى 2013، ويحتفظ فقط بمنصب دبلوماسى "اسمي" يمنحه الحصانة من نهر الملاحقات القضائية التى تسعى لتنفيذ العدالة ومعاقبته على جرائمه.

السمسرة وطلب العمولات الشخصية واستغلال النفوذ والتربح والفساد، كان ملخص مشوار بن جاسم فى السلطة مستغلا تقلده مناصب هامة تحكم من خلالها فى مقدرات البلاد، مثل رئاسة مجلس إدارة الخطوط الجوية القطرية وجهاز قطر للاستثمار، وكانت آخر فضائحه ما كشفه مسئولون كبار سابقون فى بنك باركليز الإنجليزى عن أن بن جاسم طلب "عمولات شخصية باهظة" مقابل توجيه وضخ استثمارات من بلاده إلى البنك لإنقاذه من الانهيار. وبحسب ما كشفه المسئولون، طلب حمد بن جاسم عمولة شخصية للاستثمار فى بنك باركليز وتأمين استثمارات قطرية أخرى خلال فترة احتياج المصرف الإنجليزى إلى تمويل طارئ لتفادى الانهيار فى عام 2008،

كان مكتب مكافحة جرائم الاحتيال الخطيرة فى المملكة المتحدة قد اتهم 4 من كبار المسئولين التنفيذيين السابقين فى باركليز، هم: جون فارلى رئيس البنك السابق، ومسئول الخدمات المصرفية الاستثمارية روجر جنكينز، وتوماس كالاريس رئيس أعمال إدارة الثروات بالبنك، وريتشارد بوث الرئيس السابق لمجموعة المؤسسات المالية الأوروبية، بأنهم دفعوا سراً 322 مليون جنيه إسترلينى إلى قطر مقابل استثمارها الذى كفى باركليز الحاجة إلى خطة إنقاذ من الحكومة البريطانية. ووفقا لمكتب جرائم الاحتيال، استثمر بن جاسم فى باركليز بشكل شخصى إلى جانب صندوق الثروة السيادية القطري، وكان يريد الرسوم نفسها التى سيحصل عليها الصندوق (وهى رسوم أعلى من التى تدفع لبقية المستثمرين وقبلها البنك نظرا لاحتياجه الشديد للتمويل)، وبالفعل حصل على 42 مليون جنيه إسترلينى إضافية.

كان بن جاسم قد أفلت بالفعل فى وقت سابق من المقاضاة أمام المحكمة العليا البريطانية فى دعوى سابقة أقامها فواز العطية، وهو مواطن بريطانى وناطق رسمى سابق باسم قطر، يتهم فيها بن جاسم باختطافه وتعذيبه، بعدما رفض العطية "عرضا بخسا" من بن جاسم لشراء قطعة أرض مملوكة له؛ ما أغضب بن جاسم فقرر عزل العطية من منصبه كناطق رسمى للخارجية القطرية ثم استولى بعد ذلك على قطعة الأرض عنوة. وآنذاك قال العطية إن نحو 2 تريليون دولار من أموال القطريين ذهبت أدراج الرياح خلال قيادة بن جاسم بسبب فساده ومغامراته وتبذيره وفشله.

فضائح بن جاسم لم تتوقف عند هذا الحد، بل ظهر اسمه فى ملفات فساد عديدة بين عمولات فى صفقات أسلحة وغسيل أموال واستغلال لمقدرات بلاده النفطية، وسمسرة لتسهيل تمويل الإرهاب، كما ورد اسمه فى"وثائق بنما" عام 2016 كأحد مستخدمى الملاذات الضريبية الخارجية لتخبئة أمواله. لكن يبدو أن "صنبور الثروة" قد أغلق فى وجه بن جاسم، فى وقت يمر فيه نظام الدوحة بأزمات اقتصادية متتالية، دفعته إلى الاستدانة بجنون محليا وعالميا، فى ظل مقاطعة عربية لقطر تقودها السعودية والإمارات والبحرين ومصر.

يشار إلى أن حكومة قطر أصدرت، الأسبوع الماضي، سندات فى الأسواق العالمية بقيمة 12 مليار دولار، للمرة الثانية فى أقل من عام، ما يثقل الأسواق المحلية، ويزيد الأعباء على الأجيال القادمة، إذ إن قيمة السندات التى أصدرتها الدوحة قفزت إلى 25.3 مليار دولار فى أقل من عام. كما أظهرت بيانات صادرة، الإثنين الماضي، عن مصرف قطر المركزى أن إجمالى مطالبات البنوك المحلية للقطاع العام القطرى صعدت بنحو 7 مليارات ريال (1.92 مليار دولار أمريكي) فى يناير الماضي.

بين مؤشرات اقتراب سقوط النظام الحاكم القطري، أيضا، قيام محكمة كاليفورنيا، بإصدار 8 أوامر استدعاء إلى المتهمين فى قضية قرصنة رسائل البريد الإلكترونى لإليوت برويدي، جامع التبرعات البارز للرئيس الأمريكى دونالد ترامب. وهناك وثائق تم نشرها كشفت صدور أوامر استدعاء قضائية ضد دولة قطر، ومحمد بن حمد آل ثاني، شقيق أمير قطر، وأحمد الرميحي، الرئيس السابق للاستثمارات فى صندوق الثروة السيادى القطري، وديفيد باول، ضابط المخابرات البريطانى السابق، مدير شركة "جلوبال ريسك أدفيزرز"، ونيكولاس موزين، مالك شركة "ستونينجتون استراتيجيز إل إل سي"، وكيفن شالكر، ضابط الاستخبارات البريطاني، صاحب ترخيص فرع شركة "جلوبال ريسك أدفيزرز" فى قطر، بالإضافة إلى الشركتين الوارد اسمهما سابقاً.

أوامر الاستدعاء القضائية الصادرة من محكمة كاليفورنيا تم تسليمها إلى المتهمين: نيكولاس موزين وكيفن شالكر، وشركة "ستونينجتون استراتيجيز إل إل سي"، وشركة "جلوبال ريسك أدفيزرز إل إل سي"، وبانتظار تسليم أوامر الاستدعاء للمتهمين: دولة قطر، ومحمد بن حمد آل ثاني، وأحمد الرميحي، وديفيد باول. وكان برويدى رفع دعوى قضائية ضد عملاء استخبارات أمريكيين وبريطانيين سابقين شاركوا فى "مؤامرة جنائية" بالنيابة عن قطر، لتشويه سمعته بسبب عمله ضد الدوحة، عبر اختراق رسائل بريده الإلكتروني، ما تسبب فى إلحاق الأذى بصورته.

أوراق الدعوى كشفت عن اثنين من المتهمين، هما كيفن تشوكر وديفيد باول، حيث شاركا فى عملية القرصنة، بعد أن استأجرهما محمد بن حمد بن خليفة آل ثاني، شقيق أمير قطر، وأحمد الرميحي، الرئيس السابق للاستثمارات بصندوق الثروة السيادى القطرى للقيام بالأمر. وكانت قطر تلقت صفعة قوية بعد تسارع التحركات داخل الكونجرس لسن قانون لمواجهة دعم الدوحة للتنظيمات الإرهابية، وألزمت محكمة أمريكية، أحد عملاء قطر بتقديم وثائق تدين أمراء الدوحة فى قضية برويدي. وحاول رجل الأعمال السورى جوزيف اللحام، أحد وكلاء قطر الذى أعلن مؤخراً قطع علاقته بالدوحة فى واشنطن، التهرب من تفاصيل اتصالاته ومراسلاته السرية مع الدوحة فى الدعوى القضائية لبرويدي، لكن قاضية مقاطعة مانهاتن كاثرين فورست، رفضت إعطاءه مهلة أخرى لتقديم المعلومات.

قرار المحكمة جاء بإلزام اللحام بتقديم الوثائق بعدما بدأت تتكشف أسباب استهداف عملاء قطر لبرويدى المناهض لسياسات قطر الذى أظهرت وثائقه المسربة عمله مع أعضاء بالكونجرس على مشروع قانون دعم قطر للتنظيمات الإرهابية. وقال برويدى خلال بيان سابق له، إن الأدلة واضحة فيما يتعلق بشن قطر حملة ضده لإسكاته، بسبب آرائه السياسية القوية ضد رعايتها للإرهاب، وحقيقة أنه لم يخش الجهر بموقفه من الدوحة. وقال السمان، وهو مستشار تخطيط استراتيجى مقيم فى واشنطن، إن مشروع قانون منع دعم الإرهاب الذى تقدم به نائب عن فلوريدا يدعى برايان ماست منتصف عام 2017، وافقت عليه لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب منتصف نوفمبر عام 2017، وينص على فرض عقوبات على حركات وأشخاص تدعمهم قطر.

يحدث ذلك، بينما النظام القطرى مستمر فى تبديد مئات الملايين من الدولارات على شراء أسلحة ومعدات عسكرية، وأرغمته كذلك على إبرام صفقات تسلحٍ باهظة التكاليف مع الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية. وكانت جريدة "وول ستريت جورنال" الأمريكية قد أكدت أن الجهود المحمومة التى يبذلها ذلك النظام فى هذا الشأن شملت شراء مقاتلات جديدة، وتعزيز الدفاعات الصاروخية، بل وتجنيد مزيد من الجنود. وأشار كاتب التقرير جاريد مالسين بلهجة مستهزئة، إلى أن هذه المحاولات اليائسة للتوسع فى القدرات العسكرية، تندرج فى إطار مساعٍ تقوم بها هذه "الدولة بالغة الصغر.. للخروج من ظلال جيرانها الأكثر قوة"، وذلك فى تأكيد على الفارق الكبير بين الإمكانيات المحدودة لقطر فى هذا المضمار، ومقومات دول الجوار الخليجى وعلى رأسها السعودية والإمارات. وأكد أن الإنفاق القطرى المهووس على التسلح بدأ منذ 2014 عقب القطيعة الدبلوماسية الأولى، ثم المقاطعة العام الماضى بعد اتهام "نظام الحمدين" بدعم الجماعات الإرهابية والقوى المتطرفة مثل جماعة "الإخوان" التى تأوى قطر الكثير من قياداتها.

التقرير أشار إلى أن قطر واجهت العزلة المتفاقمة باستجداء دعم الولايات المتحدة، عبر عدة طرقٍ من بينها وضع خططٍ لتوسيع قاعدة "العديد" التى يرابط فيها نحو ثمانية آلاف جندى أمريكى قرب الدوحة، تشمل إنشاء مهاجع تكفى لاستيعاب خمسة آلاف عسكرى ممن يتمركزون فى القاعدة، التى بدأت كمعسكرٍ متواضع الحال فى تسعينيات القرن الماضي. وأشار كذلك إلى أن النظام الحاكم فى الدوحة كان قد سعى - بعد اندلاع أزمته الأولى مع جيرانه فى 2014 بسبب روابطه الوثيقة بـ "الإخوان"- إلى زيادة عدد الجيش القطري.

استعرض التقرير المقومات العسكرية الهزيلة لقطر، خاصة أن عدد سكانها لا يتجاوز 300 ألف نسمة، مُعتبراً أن زيادة حجم القوات المسلحة فى هذه الظروف تمثل "تحدياً فريداً من نوعه" فى ضوء ذاك العدد المحدود من السكان. وتطرق إلى اضطرار الحكومة القطرية فى وقتٍ سابقٍ من العام إلى زيادة مدة الخدمة العسكرية للشبان إلى عامٍ كاملٍ بعدما كانت لا تتجاوز ثلاثة أشهر حينما بدأ العمل بهذا النظام للمرة الأولى عام 2014. وأشار كذلك إلى فتح الدوحة الباب قبل شهورٍ أمام تطوع النساء فى صفوف القوات المسلحة.

توقف التقرير أيضا عند محاولات قطر لإيجاد موطئ قدمٍ لها فى العالم العربي، عبر شبكة "الجزيرة" التليفزيونية الموصومة بترويج الأكاذيب وإفساح المجال لدعاة التطرف والكراهية. وأوضح أن إغلاق هذا البوق الإعلامى القطرى المشبوه، شكَّل أحد المطالب الثلاثة عشر التى يشترط "الرباعي" تلبيتها قبل الإقدام على أى خطوةٍ على طريق إنهاء المقاطعة. ونقل عن متحدث باسم البحرية القطرية قوله، عندما سُئِلَ عما إذا كانت المقاطعة الحالية تشكل تهديداً حقيقياً: "أنا لا أثق بأى شخص". وألمحت الصحيفة إلى أن القطريين يائسون فى أن تُخفف عزلتهم عما قريب، ونسبت فى هذا الصدد إلى مسئولى نظام تميم بن حمد إشارتهم الأسبوع الماضى إلى أن طرفيْ الأزمة لم يقتربا من تسوية الخلافات القائمة بينهما، وإقرارهم بأن المقاطعة لا تزال مفروضةً على قطر، وليس هناك أى انفراجةٍ فى الأفق. وقال مسئول غربى "إن قطر ليست فى حالة مزاجية لمصادقة أى طرف"، متهماً إياها بأنها معنيةٌ بالسعى لإلحاق الضرر بالدول الرافضة لسياساتها وتوجهاتها، أكثر من كونها مهتمةً بإنهاء المقاطعة المفروضة عليها.

ولم تغفل الصحيفة الإشارة إلى الدعم الذى أبداه الرئيس دونالد ترامب لفرض المقاطعة على قطر، فور مضى "الرباعي" على هذا الدرب. وألقت الضوء كذلك على محاولات "نظام الحمدين" المستمرة لاستمالة البيت الأبيض والمؤسسات الفاعلة على صعيد عملية صنع القرار فى واشنطن، من خلال إغداق الأموال بإفراط على شراء الأسلحة من الولايات المتحدة. وأشارت إلى الصفقة التى أُبْرِمَتْ بين قطر وأمريكا عام 2017 بقيمة ستة مليارات دولار، وتقضى بشراء الدوحة 36 مقاتلةً أمريكيةً من طراز "إف 15"، وهى المقاتلات التى يُتوقع تسليمها بحلول عام 2022. واعتبرت أن شراء تلك المقاتلات يمثل نموذجاً على الكيفية التى تحاول من خلالها الدوحة تعميق علاقاتها مع الولايات المتحدة بعدما قُطِعَتْ الصلات بينها وبين الدول المجاورة.

قد يؤكد ما سبق الأنباء التى ترددت منذ فترة عن سيناريو أمريكى مرتقب للإطاحة بتميم. بما يعنى أن الولايات المتحدة قررت أن تتخلى عن الأمير الصغير بعد أن فشل رهانها على تقسيم دول المنطقة بعد ما عرف باسم الربيع العربي. وهو الرهان أو المخطط الذى استثمرت فيه الولايات المتحدة علاقة الأمير تميم بجماعة الإخوان وقامت بتصعيده إلى الحكم ليحقق لها عدة أهداف أبرزها تقديم الدعم المالى والسياسى لجماعة الإخوان فى مصر وليبيا وسوريا وتونس وبقية دول المنطقة لتكون هى مخلب القط الذى تستخدمه أمريكا فى تنفيذ مخطط الشرق الأوسط الكبير.

111111


التعليقات