ياسر بركات يكتب عن : الذين ساندوا تنظيمات الإرهاب.. يتجرعون كأس الفوضى! الجحيم يحرق العالم

تنظيمات القتل والتدمير التى ترعاها أجهزة المخابرات العالمية

IGD .. أخطر تنظيمات الإخوان المسلمين فى ألمانيا

ـ محمد العريفى قام بتجنيد الشباب البريطانى للمشاركة فى الجهاد تحت حراسة المخابرات

ـ جماعة دولة الخلافة التركية تخترق العالم تحت رعاية الحكومة الألمانية

ـ صفقات الأجهزة السرية سمحت بدخول 12 ألف مقاتل إلى سوريا جاءوا من 81 دولة!

قوائم الإرهابيين التى سمحت السى آى أيه بدخولها للعالم العربى

روسيا الاتحادية 800 ـ فرنسا 700ـ بريطانيا 400ـ تركيا 400

ـ أستراليا 150ـ الدنمارك 100ـ الولايات المتحدة 70

سرى للغاية :

شبكات تسفير الشباب إلى جبهة الإرهاب

الهجوم الإرهابى البشع الذى نفّذه عنصرى أسترالى وراح ضحيته ما لا يقل عن 49 شخصاً فى مسجدين بمدينة كرايست تشيرش فى نيوزيلندا، هز العالم بأسره، وأثار صدمة عارمة فى نيوزيلندا، هذا البلد الذى يبلغ عدد سكانه 5 ملايين نسمة، واحد فى المائة فقط منهم مسلمون. وهى لا تسجل سوى خمسين جريمة قتل فى المتوسط فى السنة، وتفخر بأنها مكان آمن.

رئيسة الوزراء النيوزيلندية، جاسيندا أرديرن، وصفت يوم وقوع الحادث بأنه «أحلك يوم» فى تاريخ هذا البلد، الواقع فى جنوب المحيط الهادى والمعروف بأمنه، وصنّفت الهجوم مباشرة أنه «إرهابي». وقالت الشرطة النيوزيلندية إن المقاطع التى نشرها منفذ الهجوم «مؤلمة جداً»، بينما حذّرت السلطات بأن من ينشر تلك المقاطع قد يعاقب بالسجن إلى ما يصل لـ10 سنوات. وظهر فى الفيديو الذى صوره المهاجم بتثبيت كاميرا على جسمه رجل أبيض حليق يقود سيارته حتى مسجد النور. ثم يدخل إلى المسجد ويطلق النار على الموجودين متنقلاً من قاعة إلى أخرى.

بالإضافة إلى الفيديو، أظهرت صور مرتبطة بمنفذ الهجوم على مواقع التواصل أسلحة شبه آلية كُتب عليها أسماء شخصيات تاريخية عسكرية، بينهم أوروبيون قاتلوا القوات العثمانية فى القرنين الخامس عشر والسادس عشر. كما أشارت تقارير إلى أن اسم لوكا تراينى، وهو إيطالى يمينى متشدد مسجون لإدانته بتنفيذ عمليات قتل ذات دوافع عنصرية العام الماضى، كان محفوراً على قطعة سلاح استخدمت فى مجزرة كرايست تشيرش. وسارع محامى تراينى إلى التأكيد عبر الإذاعة أن موكله تاب و»ينأى بنفسه بشدة» عن منفذ عملية نيوزيلندا.

قبل وقت قصير من وقوع الهجوم، أفاد منشور من شخص مجهول على منتدى «إنفنيت تشان» المعروف بتقديم محتوى متنوع يشمل خطاب الكراهية، بأن كاتب المنشور «سينفذ هجوماً ضد الغزاة». وتضمن المنشور، وفق وكالة «رويترز»، روابط لموقع للبث الحى على «فيسبوك» ظهرت عليها لقطات هجوم أمس وبيان الإرهابي. وأفيد بأن منفذ الهجوم الإرهابى ضد مسجد النور غادر بعد الانتهاء من تنفيذ جريمته وقاد سيارته إلى مسجد آخر فى ضاحية لينود حيث نفّذ جريمته الثانية ضد المصلين هناك. وفرضت قوات الأمن حصاراً فى مدينة كرايست تشيرش، قبل أن ترفع تلك الإجراءات بعد بضع ساعات. وطلبت الشرطة من المسلمين تفادى الذهاب إلى المساجد «فى جميع أنحاء نيوزيلندا». ورفعت البلاد مستوى الإنذار فيها إلى «عالٍ». وكإجراء وقائى، فجرت الشرطة حقيبتين بدا أنهما متروكتان قرب محطة قطار فى أوكلاند. وداهمت الشرطة كذلك منزلاً له علاقة بالهجوم، وأخلت الحى الذى يوجد فيه.

اقتداء بالإجراءات الأمنية فى نيوزيلندا، أعلنت شرطة لندن «تعزيز دوريات الحماية فى محيط المساجد وزيادة الانخراط مع المجتمعات من جميع العقائد وتقديم النصائح بشأن الكيفية التى يمكن للأشخاص والأماكن حماية أنفسهم من خلالها». وفى أستراليا، أكدت الشرطة فى نيو ساوث ويلز أنها ستكثف الدوريات فى محيط المساجد كإجراء احترازي. وقالت الشرطة إنه «لا يوجد تهديد محدد قائم حاليا تجاه أى مسجد أو دار عبادة». كما قال وزير الداخلية الفرنسى، كريستوف كاستانير، إن السلطات شددت إجراءات الأمن قرب دور العبادة.

لكن هل هذا يكفي؟!

أصوات الاستنكار، والرفض العالمى لهذه الجريمة، التى هزّت وجدان العالم، كانت محفّزاً ضرورياً، ودافعاً مهماً للوقوف أمام هذا الفعل المشين، إلا أنها غير كافية لوقف أشكال الإرهاب، التى تهدد عالمنا.

ويقع على عاتق الغرب دور مهم فى التصدى للإرهاب المتمثل فى «الإسلاموفوبيا»؛ إذ لا يقل خطراً عن أوجه الإرهاب الأخرى، التى على الدول أن تتحد جميعاً للتصدى لها ووأدها بكل أشكالها، وأن تعى أن رسالة الأديان هى نشر التسامح والقيم والمحبة. بعد أن بشرونا بأن العولمة ستحمل فى طياتها تواصلاً إنسانياً خلاقاً، يبشر ولا ينفر، وييسر ولا يعسر، غير أن ما جرت به المقادير، وفى جزء غالب منه، لم يكن كذلك على الإطلاق، والذين قدر لهم مشاهدة صور المذبحة الإنسانية البشعة فى مدينة كرايست تشيرش يختلط عليهم الأمر جراء الصور التى لا يدرون إن كانت حقيقية أم هى بعض من ألعاب العنف والموت المنتشرة عبر وسائط التواصل الاجتماعى، التى تحث على الانسلاخ من الإنسانية، وتوجيه الأدمغة فى طريق القتل والدمار.

تقرير صادر عن الشرطة الأوروبية «يوروبول»، يوم الأربعاء 20 يوليو 2016، أشار إلى ارتفاع عدد الأشخاص الذين قتلوا فى هجمات متطرفة فى أنحاء أوروبا مقارنة بالعام السابق. وحذر التقرير من أن تنظيم داعش ربما «يزيد التركيز على العمليات بالخارج»، ورسم «يوروبول» صورة مقلقة للاتحاد الأوروبى، وفيه تظهر تهديدات متطرفة من غير المحتمل أن يتم التخلص منها قريبا. وحذر من أن طالبى اللجوء السوريين يمكن أن يكونوا عرضة للاستهداف، وتحويلهم سريعا لمتطرفين على يد أشخاص يقومون بتجنيد مقاتلين لتنظيم لداعش، فيما يتم تنشئة جيل جديد من المقاتلين فى الأراضى التى يسيطر عليها التنظيم فى سوريا والعراق.

هنا تكون الإشارة مهمة إلى أنه بعد اعتقال ضابط سلاح الحدود الأمريكى المتطرف، الذى كان يخطط لاغتيال ساسة ديمقراطيين من العيار الثقيل، ومجموعة من الإعلاميين الكبار، الذين دأبوا على انتقاد الرئيس ترامب، الذى يرى فيه المتطرفون البيض أملاً لاستعادة أمجاد غابرة، اتضح أنه كان على تواصل مع بعض الزعامات العنصرية، وهى زعامات تقود منظمات كثيرة، تتمحور أيديولوجيتها حول سيادة العرق الأبيض، وهذه الزعامات كانت، ولا تزال، موجودة فى الساحة الأمريكية، ولكنها مثل معظم زعامات التنظيمات المتطرفة، تتحدث ولا تفعل، بل تنتظر ضحايا مغرراً بهم، يصدقون أطروحاتهم النظرية، ويبذلون أرواحهم فداءً لها، وقد رأينا ذلك من خلال تنظيم داعش، على سبيل المثال، الذى يتمتع قادته بالمال والثراء والحسناوات، ويتركون التضحية بالحياة للأتباع، وغالباً ما يكون هؤلاء الأتباع ممن يسهل خداعهم، نتيجة للضحالة الفكرية والجهل.

إن أيديولوجية اليمين المتطرف تؤكد على الحكومة الفيدرالية فى أمريكا مخترقة من الأعداء، وبالتالى تُكنُّ العداء لها، وتعترض على كل سياساتها، خصوصاً ما يتعلق بقوانين المساواة بين الأعراق، فهى تؤمن بأن العرق الأبيض يأتى فى المرتبة الأعلى بين الأعراق البشرية، كما أنها ضد دفع الضرائب لهذه الحكومة، ويحسن أن نتحدث عن واحد من أشهر العنصريين المتطرفين فى أمريكا حالياً، والذى خبا نجمه فترة، ثم عاد للبزوغ مرة أخرى، بعد فوز ترامب بالرئاسة، ونحن نتحدث عن ديفيد دوك، الذى سبق أن قال فى معرض حديثه عن المواطنين السود، معترضاً على منحهم الحرية والحقوق ومساواتهم مع البيض: «إن الخيل قدمت للحضارة الأمريكية أكثر مما قدّم لها السود!»، وكعادة الزعماء المتطرفين الجبناء، لم يضح دوك بأى شيء، إذ لا يزال يعيش حياة الرفاه، ويستمتع بشهرته ونفوذه وأمواله.

ديفيد دوك اعتنق أفكاره المتطرفة عن طريق أحد أشهر العنصريين فى ستينات القرن الماضى، وليام بيرز، ثم أصبح تلميذاً نجيباً، دفعه طموحه لأن يترشح لانتخابات الرئاسة لعام 1988 و1992، كما ترشح لمجلس الشيوخ ولمجلس النواب، ولمجلس شيوخ ولاية لويزيانا، التى يعيش فيها، وكذلك لمنصب الحاكم لذات الولاية، ومع ذلك لم ينجح إلا بالفوز فى مقعد بمجلس نواب ولاية لويزيانا، وذلك فى الفترة بين 1989- 1992، وهو منصب لا يوازى طموحه بلا شك، فلو عاش فى فترة ما قبل إقرار قانون الحقوق المدنية، أى فى خمسينات القرن الماضى، لفاز بمنصب أعلى بكل سهولة، وذلك لما يتمتع به من قدرات على الحشد، وهو لا يزال يطمح فى أن يأتى اليوم، الذى تتغيّر فيه موازين القوى فى الإمبراطورية الأمريكية، ليتمكَّن من تحقيق حلمه، وحلم المتطرفين البيض، وقد منحه فوز ترامب بالرئاسة بصيص أمل، ولذا عاد للظهور مجدداً،.

إن حجم الحقد الذى يجتاح العالم، ليس بسيطا وجريمة قتل المصلين، جاءت لتؤكد أن الإرهاب لا دين له، وأن التطرف الدينى والتعصب القومى هما المسئولان عن ارتكاب الجرائم الإرهابية ضد الأبرياء بغض النظر عن دينهم. ليس فى قواميس القيم جميعاً ما يمكن تأويله لقتل المصلين داخل المسجد، فلا يوجد دين يمكن أن يأمر أو يسوغ أو يبرر هذه الجريمة الوحشية، فالإرهاب يحاول التقنُّع بقناعِ الدِّين، والدِّينُ براء منه، لكن للأسف ساعدت التكنولوجيا الحديثة على انتشار فكر الإرهاب، بعدما باتت عدد من وسائل التواصل الاجتماعى الأرضية التى تنشط فيها الأفكار السامة، بما يعزز من تفشى الكراهية فى العالم. فالخطابات المفعمة بالكراهية لديها القدرة على التأثير على عددٍ من الشباب، وتحويلهم إلى متطرفين. فإذا كان تسليط بعض الدول الضوء على أخطاء بعض المسلمين التى تقع منهم، فليس معناه التخلص من الخطأ بخطأ أكبر منه، وهو التساهل مع التطرف والحقد ضد المسلمين.

عقيدة التطرف والعنصرية لو هيمنت على عقل إنسان ما ستخرجه من آدميته وإنسانيته، وتحوله إلى وحش لا يحمل عقلاً، ولا ضميراً، ولا أخلاقاً. يجب حسم المتطرفين والإرهابيين أياً كان مشربهم، فالإرهاب جريمة عظمى فى حقِّ الإنسان والحياة والدِّين والقيم والمبادئ. وعلى الغرب أن يقر بأن هناك أخطاراً وأعمال عنف تنبع من داخل المجتمع، وليس من خارجه فقط، وأنه حان الوقت لمواجهة التيارات المتطرفة التى تحرض على الكراهية فى أدبياتها السياسية ومواقعها الإلكترونية، حيث نجد العديد من الدراسات والندوات العالمية تناولت ما أسمته «الإرهاب الإسلامي»، فى حين قل التركيز على دراسة أبعاد التطرف والكراهية ضد المسلمين. فيجب أن نسير فى اتجاه التصدى للفكر المتطرف بكافة صوره وأشكاله بعيداً عن النظرة الانتقائية.

ولعل ما يثير الضحك هو أن بريطانيا سبق أن قامت بإعفاء جنودها من القانون الإنسانى الأوروبى لتفادى تعرضهم لملاحقات تعسفية تتعلق بعملياتهم الخارجية. وأقرت قانونا يسمح للعسكريين البريطانيين بعدم الخضوع للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان حين يشاركون فى نزاعات فى الخارج. واستهدف القانون، الذى تم الإعلان عنه خلال مؤتمر حزب المحافظين المنعقد فى بيرمنجهام وسط إنجلترا، منع رفع شكاوى ضد القوات المسلحة البريطانية. ونشير بالمرة، إلى أن «فريق الادعاءات التاريخية فى العراق» المكلف بالتحقيق فى الاتهامات، التى يوجهها مدنيون عراقيون إلى جنود بريطانيين خلال الفترة ما بين اجتياح العراق عام 2003 ورحيل القوات القتالية من هذا البلد عام 2009.

أيضا، تسعى بريطانيا إلى التخلص من قوانين حقوق الإنسان العالمية وسن قانون خاص بها لحماية جنودها وصحفييها من الملاحقات القضائية. وهو ما جعل المكتب البريطانى لحقوق الإنسان يوجه رسالة استغاثة للسياسيين البريطانيين، تطالب بانقاذها من نوايا الحكومة البريطانية وحزب المحافظين على وجه الخصوص الداعية إلى سن قوانين حقوق إنسان خاصة بالمملكة المتحدة والخروج من مظلة منظمة حقوق الإنسان العالمية ومحكمتها وقوانينها.

علينا حتى نرى الصورة كاملة أن نوضح عددا من الحقائق أبرزها أن ألمانيا مثلا يعيش فيها أكثر من 3 ملايين مسلم، نحو 38 ألفاً منهم بما يعادل 1%، ينضوون تحت لواء الحركات الإسلامية بمختلف ألوانها، وأكبرها حركة «ميلى جيروش» التى تتبنى أفكار نجم الدين أربكان مؤسس حزب «الرفاة» التركى، ويبلغ عدد أعضائها 31 ألفاً، لكنها وإن كانت تلقى امتعاضاً بين الألمان عموماً فإن كثيرين يرون أنها لا تشكل تحدياً كبيراً أو تمثل مشكلة عويصة؛ لأن هذه الحركة تنبذ العنف والتطرف، وتندمج فى المجتمع الألمانى، وذلك على العكس من «جماعة دولة الخلافة» التركية أيضاً، التى ترفع شعار «القرآن دستورنا» وتدعو للعودة إلى إقامة «الخلافة» الإسلامية من غانا إلى فرغانة، وترفض الديمقراطية، ولذا تم حظرها، لكن أفرادها موجودون فى ألمانيا، يحاولون أن يمارسوا عملهم فى سرية وتكتم.

أما عدد من ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين فى ألمانيا فيبلغ نحو 3 آلاف عضو تحت اسم «رابطة المسلمين فى ألمانيا» IGD وينشغلون بتصحيح المفاهيم الخاطئة عن دعوتهم وجماعتهم باعتبارها تجسد «الطريق الإسلامى الصائب» من وجهة نظرهم، وينتقدون أفكار وتصرفات السلفيين الألمان ويبتعدون عنهم بقدر الإمكان، وهم يؤكدون دوماً أنهم غير تابعين مباشرة للجماعة الأم، لكنهم يستقبلون قيادات إخوانية عربية، ولاسيما مصرية، ويجرون اجتماعات مستمرة معهم، ويحرصون على وصفها بأنها «اجتماعات تناقش قضايا عامة» لكن الحكومة الألمانية تضعهم تحت المراقبة الدائمة الناعمة، وفق ما قاله د. فارشيلد، ولديها معلومات يقينية أن هذه الاجتماعات لها علاقة بما يشغل «التنظيم الدولى للإخوان»، وأنها جزء لا يتجزأ منه.

والمدهش أيضا هو أن تقرأ تقريرا صادرا عن مكتب المخابرات الألمانية BfV سنة 2012، يؤكد أن «الإخوان» فى ألمانيا يظهرون عداءً واضحاً لقوانين الدولة. واستند تقرير المكتب - المعنى فى الأساس بحماية الدستور إلى أن عدد مجلة «الإسلام» الصادر فى فبراير، من العام نفسه، يبين بوضوح كيف أن «الإخوان الألمان» يرفضون مفهوم الدولة العلمانية، إذ يقول:

«إن المسلمين لا يمكن أن يرتضوا، على المدى الطويل، قوانين الأسرة وقانون الملكية العقارية وقانون المحاكمات الألمانية.. يجب أن يتوجه المسلمون إلى إجراء اتفاق بينهم وبين الدولة الألمانية من أجل سلطة قضائية منفصلة للمسلمين». وذكر التقرير: «خلال السنة الماضية (2012)، شهدت المنظمات الإسلامية فى ألمانيا، تصاعدا فى الدعم.. وأن عدد أعضاء ومؤيدى جماعات مثل (رؤيا الملة) التركية - وهى أكبر منظمة إسلامية فى البلاد، وتتداخل بشكل لصيق مع تنظيم «الإخوان» الدولى - أو (حزب الله) فى ألمانيا ارتفع من 38080 نسمة فى العام 2011م، إلى 42550 نسمة فى العام الماضي.. كما شهدت البلاد نمواً ملحوظاً بين أعضاء وأنصار التيار السلفى، إذ ارتفع عددهم من 3800 إلى 4500.. مما دفع وزير الداخلية الألمانى «هانز بيتر فريدريش»، لحظر ثلاث من هذه الجماعات.

بهذا الشكل، يمكننا أن نقول إن السحر انقلب على الساحر، وإن تجنيد العرب والأجانب الذى كان الهدف منه احتلال دول المنطقة (وبينها مصر) تحت لافتة داعش، أتى بنتائج عكسية، ونشير هنا إلى أن كل أجهزة المخابرات العالمية كانت تتابع تدفق الإرهابيين من مختلف الجنسيات، ولم تتدخل لمنعها من دول المنبع، باستثناءات قليلة. وهناك ما يؤكد أن أجهزة مخابرات «بعينها» دعمت الإرهابيين وقامت بتسهيل وصولها اعتقادا بأن ذلك سيساعد فى تنفيذ المخطط المعروف باسم الربيع العربى إضافة إلى أن تكتل الجماعات الإرهابية فى مكان واحد يساعد على مراقبتها وإبعاد خطرها عن أوروبا والولايات المتحدة!

بين يدى الآن، مثلاً، تقرير لمركز «سوفان جروب» الأمريكى، يوضح أن عدد المقاتلين الأجانب فى سوريا وصل إلى 12 ألف مقاتل، جاءوا من 81 دولة، وهو العدد الذى يزيد عن عدد «الأجانب» الذين حاربوا فى أفغانستان خلال حربها مع الاتحاد السوفييتى، التى استمرت 10 سنوات. وجاء بالتقرير أن التونسيين يتصدرون عدد الإرهابيين الأجانب بـ 3آلاف وكذلك الحال بالنسبة للسعوديين ويليهم المغاربة بــ1500 والجزائريون بــ200.

هناك أيضا إرهابيون من الجنسيات غير العربية، فمن روسيا الاتحادية 800 ومن فرنسا 700، ومن بريطانيا 400، ومن تركيا 400، من استراليا 150، ومن الدنمارك 100، ومن الولايات المتحدة 70. وفى التقرير أن عدد المقاتلين الألمان فى سوريا يقدرون بنحو 320 شخصا تتراوح أعمارهم ما بين 18 و25 عاماً وتمثل نسبة النساء 10%، وكذلك الحال بالنسبة للتقارير الخاصة بالمقاتلين من الدول المغربية وتحديداً تونس والمغرب والجزائر.

الأخطر هو أن الأرقام فى تزايد، والتجنيد مستمر فى العالم العربى وفى كل دول العالم، وقد يستوقفنا ما ذكرته صحيفة ديلى ميل البريطانية عن قيام السعودى محمد العريفى بتجنيد الشباب البريطانى للمشاركة فى الجهاد الإسلامى فى العراق وسوريا، الذى يديره داعش. مع الوضع فى الاعتبار أنه ثبت بشكل قاطع أن هناك شبكات خاصة تقوم بتسفير الشباب إلى بؤر القتال لخدمة أغراض دولية، وفى تونس مثلا تم إلقاء القبض على 293 متورطاً فى أنشطة إحدى هذه الشبكات.

نشاط هذه الشبكات يتركز فى الأساس على «المهمشين»، وأصحاب السوابق الإجرامية، لسهولة إقناعهم بالتطرف كمنهج حياة، وبانضمامهم إلى التنظيم يتطهرون فى نظرهم، ومن جهة أخرى يحققون نوعاً من الفاعلية وإثبات الوجود. وهذه الشبكات لا تعمل من نفسها، بل بتوجيهات وتكليفات من أجهزة مخابرات دول كبرى بينها المخابرات المركزية الأمريكية والدول التابعة والحليفة لها وفى مقدمتها ألمانيا وتركيا وقطر وإسرائيل!

ليس ذلك تخمينا أو استنتاجا لكنه ثابت ومؤكد وهناك تفاصيل أخرى كثيرة ومهمة فى كتاب «القوى الظلامية» للكاتب كينيث تيمرمان الذى كشف أن دعم الغرب لتنظيم داعش وغيره من التنظيمات الإرهابية يتم بطرق مبتكرة، للتخلص أو للإفلات من الرقابة البرلمانية ويكفى أن تعرف مثلا أن التنظيمات الإرهابية حصلت على ما يزيد عن مليار و250 مليون دولار على هيئة فدية مقابل إطلاق سراح أوروبيين وأمريكيين تم اختطافهم منذ 2008، وكانت حصيلة العام الماضى فقط 660 مليون دولار.

وغير استخدام حيلة دفع الفدية، أحيانا تتحايل الحكومات على الأمر بالتظاهر بأن ما تدفعه هو مساعدة مادية لتطوير البلاد، وهو ما كشفته جريدة «نيويورك تايمز» من خلال لقاءات أجرتها مع محتجزين سابقين عند تنظيم القاعدة، ومفاوضين، ودبلوماسيين ومسئولين حكوميين، من 10 دول أوروبية وأفريقية وشرق أوسطية مختلفة. وأشارت الجريدة الأمريكية إلى حادثة اختطاف فى مالى عام 2009، لمجموعة من السياح كانوا عائدين من النيجر، وكان بينهم ألمانية وزوجان سويسريان وبريطانى يدعى إدوين داير (61 عاماً)، وكالعادة، رفضت بريطانيا دفع الفدية فيما قبلت الدول الأخرى، ما أسفر عن رسالة بثها تنظيم القاعدة فى 31 مايو 2009، أعلن فيها عن قتله المواطن البريطانى، وعاد مواطنو الدول الأخرى سالمين إلى بلادهم!

ما حدث ويحدث وما سوف يحدث يؤكد أن كرة الإرهاب أصبحت فى ملعب الغرب. ولا نشك فى أن كرة الإرهاب غادرت الملعب الأوروبى أصلا منذ أن بدأ الإرهاب يضرب هناك قبل أعوام. ولا يختلف المشهد فى ميونيخ عن سابقاته فى المدن والمناطق التى ضربها الإرهاب فى وقت سابق ولم تعد هناك جدوى لـ»الجرعات التخديرية» التى تبثها تلك الدول فى جسد المجتمع الدولى عند كل حادث إرهابى بهدف امتصاص غضب الشارع واحتواء ردود الأفعال وتشتيت الانتباه ولفت الأنظار عن الخطر الحقيقى للإرهاب والاستراتيجيات المغيبة لمحاربته حتى إشعار آخر أو حتى تتحقق المكاسب والطموحات والمشروعات والخطط الاستعمارية، بعيدا عن مصلحة الشعوب وبغض النظر عن الأثمان الباهظة التى سيتم دفعها حتى تتحقق تلك الخطط والمشروعات التى بدت فى مجملها مجرد أوهام توجهها وتحكمها الرغبات والأحلام الاستعمارية التى تسيطر على مجمل العقل الغربي.‏

المفارقة هى أن الإجراءات التى يتم عادة الإعلان عنها على لسان هذا الرئيس أو ذاك باتت معروفة، فهى لم تتغير فى عناوينها وتفاصيلها، ولم تؤد حتى اللحظة إلى وقف تقدم الإرهاب ولا حتى إلى وقف تمدده ووصوله إلى العمق الأوروبى، وما يزيد الطين بلة هو ذلك الإصرار الغربى على المضى قدما فى سياسات دعم الإرهاب واحتضانه بشكل أعمى وغير مسئول.

لطالما حذرت الدولة السورية مرارا وتكرارا ان كرة الإرهاب تتدحرج بسرعة مفرطة وأن الإرهاب بات ظاهرة عالمية بعد تمدده وانتشاره فى مختلف الاتجاهات، وهذا يفرض على جميع دول العالم وخاصة الدول التى تدعمه وتحتضنه وتدافع عنه، اتخاذ إجراءات أكثر جدية وفاعلية، والأهم أكثر مصداقية لمحاربته ومكافحته، وهذا لا يكون إلا بوضع استراتيجيات واضحة ومعلنة وملزمة للجميع لمحاربته، بعيدا عن الزيف والخداع والمراهنة على ذلك الوحش الذى يواصل إجرامه بما يشبه فيلم رعب يتنقل من مكان إلى مكان بجواز سفر أمريكى أو أوروبى يسهل له الحركة والتنقل ويتيح له الدخول إلى المكان الذى يريده فى الوقت الذى يريده وبالكيفية أو الطريقة التى يريدها.‏

ونعود ونكرر بأن «داعش» فى ظل خسارته لمعظم أراضيها وربما كلها، ودولة خلافتها بالتالى، ستكون اكثر شراسة وخطورة، من حيث عودتها الى استراتيجية تنظيم «القاعدة» الأم، أى الهجمات الإرهابية، بعد تخلصها من أعباء إدارة المدن التى كانت تسيطر عليها، ومتطلبات «مواطنيها» من الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والامن، وهى أعباء باهظة التكاليف ماليا وبشريا. لا نستبعد ان تشهد المرحلة المقبلة تنافسا او تعاونا بين اخطر تنظيمين إسلاميين إرهابيين فى العالم أى «القاعدة» و»داعش»، فالأول فى حال نهوض انطلاقا من قلب الجزيرة العربية واليمن تحديدا، وتتزعمه قيادة جديدة شابة، والثانى فى حالة انكماش جغرافى سيدفعه للانتقام والثأر من مهاجميه واعدائه عبر التفجيرات الإرهابية.

بهذا الشكل، يكون الإرهاب مرشحا للعودة، وبصورة اكثر قوة فى الأشهر وربما السنوات المقبلة، لان الحواضن والأسباب والنزعات الثأرية والانقسامات الطائفية والفوضى الدموية ما زالت موجودة، بل مرشحة للتوسع، فى ظل عدم وجود أى مخططات حقيقية لازالتها، وتقديم النموذج الجاذب والبديل فى مرحلة ما بعد استعادة الموصل والرقة.. والأيام بيننا. وفى هذا السياق لم يعد مقبولاً بعد الآن من جميع الأطراف التى أصبحت جميعها، دون استثناء، هدفا واضحا ومعلنا للإرهاب أن تختبئ خلف التصريحات والشعارات الرنانة والإجراءات السطحية والفارغة التى لا تحقق أية فائدة أو نتيجة على الأرض سوى أنها مجرد جرعة تخديرية، أو مسكّن يخفف الألم قليلاً بينما الإرهاب يكبر وينمو ويتضاعف خطره بشكل يفوق كل التوقعات والحدود والخطوط التى ظن داعموه أنه لن يجرؤ على تخطيها وتجاوزها.‏

وبهذا الشكل، أيضا لم يكن فلاديمير سافرونكوف، مندوب موسكو لدى مجلس الأمن، يمزح حين اتهم بريطانيا بدعم الإرهاب فى منطقة الشرق الأوسط، وتزويد الإرهابيين بالأسلحة، كما لم تكن صدفة أن يشير إلى تفجيرات الكنائس المصرية ويعتبرها دليلاً على صحة الاتهام. كما لم تكن هى المرة الأولى التى يخرج فيها مثل هذا الاتهام بشكل معلن سواء فى مجلس الأمن أو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. ويؤكد ذلك دخول بريطانيا على خط تفجير الأزمات ضد مصر، ودعمها لتنفيذ العمليات الإرهابية بالمال والمعلومات والسلاح. ومعروف أن بريطانيا تتعامل مع هذا الملف بطريقة انتقامية، ردا على إجهاض مشروعها بتصعيد جماعة الإخوان وفرضهم على حكم عدة دول عربية بمساعدة الولايات المتحدة وهو المشروع الذى أطلقوا عليه اسم الربيع العربي. وهو المشروع الذى واجهته مصر بثورة 30 يونيو وكانت تراهن عليه بريطانيا لتحقيق حلم العودة كمستعمر لدول المنطقة بوجود أنظمة تابعة لها أو بمعنى أدق تابعة لتنظيم هى من قامت بصناعته.

أضف إلى ذلك أن هناك وثائق ومستندات، تتضمن دلائل وقرائن مادية ملموسة تؤكد بشكل قاطع أن لندن ظلت لسنوات طويلة مأوى التنظيمات الإرهابية، وجماعة الإخوان بصفة خاصة، ويتواجدون فيها بكثافة عددية، ولهم أنشطة سياسية ودينية واقتصادية منذ سنوات.. واستطاعوا تكوين منصات سياسية وإعلامية لتوفير مظلة دعائية لهم، مما أكسبهم شعبية وحضورًا، بلغت ذروته طيلة الأشهر الماضية، حيث كان هؤلاء الأتباع والناشطون لقيادات الإخوان حائط صد أمام حدوث أى اختراق لإنقاذ وإنعاش العلاقات المصرية البريطانية.

ولعلنا نتذكر تلك المفاجأة (وقتها كانت مفاجأة) التى فجرها عمدة لندن السابق «كين لفنجستون» وأحد قيادات حزب العمال فى مارس 2008، حينما كشف فى تصريح نشرته مختلف وسائل الإعلام الغربية عن تمويل المخابرات البريطانية للجماعة ضد النظام الناصرى فى خمسينات القرن الماضى، حيث جاء على لسانه أن: «الجماعة مثلت تهديدًا وخطرًا حقيقيين لنظام الرئيس جمال عبد الناصر فى حقبتى الخمسينات والستينات بما تلقته من تمويل مالى من المخابرات البريطانية (MI6)». إلا أن هذه الاتهامات انتقلت من مستوى التصريحات والادعاءات غير المسندة بأدلة إلى مستوى الدلائل والقرائن التى عززتها الوثائق المنشورة ولعل كتاب «العلاقات السرية.. تواطؤ بريطانيا مع الإسلام المتشدد»، للباحث والصحفى البريطانى «مارك كيرتس»، يأتى فى هذا المضمار، حيث تضمن قراءات عميقة ومتأنية لوثائق بريطانية رسمية سرية (تم الإفراج عنها تباعًا فى السنوات الأخيرة) تفضح التعاون الكبير بين الإخوان المسلمين وبريطانيا، وبين ما جاء فيها: «إنه فى منتصف الخمسينات من القرن المنصرم، بدأت بريطانيا تنظر لجماعة الإخوان باعتبارها معارضة مفيدة لسياسة الرئيس المصرى الأسبق جمال عبد الناصر ذات التوجهات القومية العربية، وأنها أفضل وأقل ضررًا من التيارات القومية رغم أصوليتها الشديدة، ومن ثم عقد مسئولون بريطانيون اجتماعات مع قادة الإخوان المسلمين من أجل العمل كأداة ضد النظام الناصرى الحاكم أثناء مفاوضات إجلاء القوات العسكرية البريطانية من مصر، وكذا من أجل خلق موجة من الاضطرابات تمهد لتغيير النظام فى بلاد النيل. ومع اندلاع العدوان الثلاثى على مصر سنة 1956 قامت بريطانيا بإجراء اتصالات سرية مع قيادات الجماعة وغيرهم من الشخصيات الدينية كجزء من خططها للإطاحة بعبد الناصر أو اغتياله».

كما يأتى كتاب «لعبة الشيطان» للخبير الأمريكى فى شئون الشرق الأوسط «روبرت داريفوس» ليضيف مزيدا من الدلائل والبراهين على هذه العلاقات، حيث أشار إلى أنه: «فى أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفى إطار محاولتها للحفاظ على إمبراطوريتها، عقدت بريطانيا العظمى عدة صفقات مع (عدة شياطين) – على حد تعبير المؤلف – حيث قدمت دعمًا غير محدود لأبرز أعلام الإسلامى السياسى آنذاك ومنهم حسن البنا الذى أنشأ جماعة الإخوان المسلمين سنة 1928 وبدعم مباشر من شركة قناة السويس المملوكة لإنجلترا فى ذلك الوقت». وغنى عن القول أن مثل هذه الكتابات تكشف عما هو مستور فى علاقات الطرفين وتقدم الدلائل على عمق التعاون بينهما بما يصب فى مصالحهما المتبادلة، بما يستوجب معه تمعن النظر فيما تقدمه الجماعة اليوم من خطابات تحاول أن تضلل الرأى العام وتقدم وقائع غير منطقية وغير حقيقية، بهدف كسب مزيد من التعاطف خاصة لدى قطاعات من الشباب، فى حين أن الجماعة تسعى فى علاقاتها دائما وفقا لما تكشفه وقائع التاريخ إلى تحقيق مصالحها دون النظر إلى المصالح الوطنية، وهو ما دفع بريطانيا إلى الاستفادة من هذه النظرة فى تعميق علاقاتها مع الجماعة وقادتها بهدف توظيفها بما يتفق ومصالحها فى المنطقة.

«مارك كيرتس»، أيضاً، فى كتابه المشار إليه (العلاقات السرية.. تواطؤ بريطانيا مع الإسلام المتشدد) أوضح أن قرار بريطانيا بحظر بعض الجماعات والأفراد الذين تربطهم صلات بالإرهاب وكانوا يحصلون على دعم بريطانيا بدءا من سنة 2000 يرجع إلى أن بريطانيا أصبحت هى ذاتها هدفا للإرهاب، فحينما كانت غير مستهدفة كان هناك ما يمكن اعتباره ضوءا أخضر لها، إلا أن الأمر تغير مع بعضها حينما وجهت قبلتها تجاه العاصمة لندن، دون أن يشمل هذا القرار الجماعات كافة التى ظلت محتفظة معهم بعلاقات فعالة لاستخدامهم كبطاقات تفاوض وأوراق ضغط على حكومات المنطقة لضمان عدم وجود قوة فاعلة وحيدة مسيطرة على ثروات ومقدرات المنطقة، بما يضمن الحفاظ على مصالح بريطانيا وحلفائها.

اللافت هو أن ملف حقوق الإنسان لا يتم فتحه أو استخدامه إلا فى شن حملات الهجوم على دول بعينها يختارها ممولو تلك المنظمات، فتنطلق التقارير التى تفتقد أبسط معايير النزاهة أو أى معايير من أى نوع تعدها تلك المنظمات المشبوهة المرتبطة بدول كبرى تدللها وتحميها وتغدق عليها المليارات.

وتؤكد التقارير المتوالية فى الإعلام الغربى أن الحكومة البريطانية تريد أن تحمى قوانينها المخالفة لقوانين محكمة حقوق الإنسان مثل حق المسجونين فى الاقتراع فى الانتخابات، حيث تعتبر بريطانيا الدولة الوحيدة فى العالم التى لا تسمح للمسجون فى المشاركة فى الانتخابات حتى لو كانت مدة إيقافه عدة أيام.

الحكومة البريطانية تستهدف من ذلك حماية جنودها فى الخارج من الملاحقات القانونية فى حال قيامهم بخرق قوانين حقوق الإنسان، والتى عادة ما يطالب فيها المتضررون بتعويضات مالية تعتبرها الحكومة باهظة ولا يستطيع الجنود تحملها. كما تستهدف أيضا حماية صحفييها من دفع تعويضات مالية عما يكتبونه على الصحف، كما حدث فى حالة صحيفة «ذا صن» عندما وصفت اللاجئين بـ»الصراصير» ويجب ضرب قواربهم بالأسلحة الثقيلة!

لقد كان ذلك هو حال البلاد المستعمَرة. فقد سلكت الدول الأوروبية الكبرى فى القرن التاسع عشر سياسة توسعية على حساب شعوب القارات الأخرى، وأخضعتها لهيمنتها سياسياً واقتصادياً. فكانت معاملتها لها معاملة الغالب للمغلوب من دون أى اعتبار لحقها فى تقرير مصيرها، ولحقوق الإنسان بصفة عامة. فعلى المستوى السياسى أصبحت القوى الاستعمارية سيدة الأمر بالمستعمرات على حساب سيادتها واستقلالها. وعلى المستوى الاقتصادى فتحت البلدان المستعمرة عنوة للبضائع الأوروبية على حساب بضاعتها المحلية، وتم ابتزاز مواردها، وذلك بالهيمنة على أخصب أراضيها ونهب ثرواتها الطبيعية، وبالتالى انتهاك حقها فى التنمية، إذ انتقل جزء كبير من هذه الموارد إلى القوى الأوربية وجالياتها التى سكنت تلك المستعمرات. إلى جانب سياسة التمييز أو سياسة المكيالين التى يقوم عليها النظام الاستعماري.

الغرب ومعه الأمم المتحدة التى تسيطر عليها الولايات المتحدة كما تسيطر على سائر المنظمات الأخرى على مدار العقود الماضية لم ينتصروا مطلقا لحقوق الإنسان أو الديمقراطية إلا حيثما تتحقق مصالح الغرب والكيان الصهيونى المنتهك الأول لحقوق الإنسان فى فلسطين المحتلة) فقرار (الفيتو) الذى طالما استخدمته أمريكا ضد أى مشروع قرار يدعو الكيان الصهيونى للامتثال لاتفاقية جنيف الخاصة بحقوق المدنيين فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، وكذلك منع صدور أى قرارات من الأمم المتحدة ضد مصالح الدول الخمس صاحبة الفيتو على حساب الشعوب المستضعفة والديمقراطية وحقوق الانسان كل ذلك يؤكد أن الديمقراطية وحقوق الإنسان ما هى إلا مجرد دعاوى وشعارات تتستر خلفها القوى الدولية.

وهناك العديد والعديد من الأمثلة على أن حقوق الإنسان والحريات يتم ذبحها على مذبح المصالح وصراع الحضارات والأمثلة على ذلك لا حصر لها فى فلسطين ، وسوريا، والعراق، والبوسنة، والهرسك، وأفغانستان، وإفريقيا الوسطى، وبورما وغيرها. الأمر الذى يؤكد على أن الفرق كبير وبلا حدود بين الواقع والشعارات تفضحه مواقف الغرب من الديمقراطية وحقوق الإنسان فى كل أنحاء العالم وهذا ليس بمستغرب فالغرب وأمريكا ومنظمات حقوق الإنسان لم يتحركوا تجاه موت ما يقارب 500 ألف شخص فى رواندى عام 1994 وأكثر من 200 ألف مسلم فى حرب إبادة وحشية بغطاء دولى فى البوسنة والهرسك، أما فى العراق فقد تسببت أمريكا وحلفاؤها الغربيون فى قتل الملايين وكذلك فى أفغانستان وما حدث ويحدث كل يوم فى فلسطين على أيدى قوات الكيان الصهيونى وما يحدث لمسلمى الروهينجا فى بورما على مدار عقود من تمييز عرقى وقتل وانتهاكات وتهجير لمئات الآلاف ومازال مستمرا حتى اللحظة؛ كل ذلك ليس ببعيد.

الإنسان خارج حدود الغرب فى منزلة ما دون الإنسان. ولا بد أن يكون فى الدفاع عن حقوقه مصلحة ما، وهذه الإستراتيجية المزدوجة الأبعاد فى مجال حقوق الإنسان بدأت تشهد صعوبات عديدة. قبل حلول حقبة العولمة كانت جرائم الغرب يتحمل عبئها جيل ويقرأها الجيل الذى يأتى بعده فتتحول إلى مجرد حواديت تاريخية بلا روح، لا يهتم بها إلا من له صلة مباشرة بها، ولكن الآن أصبح بإمكان المواطن إذا لم يكن من بين الضحايا أن يتابع تفاصيل الجريمة على الشاشة وفى اللحظة ذاتها، فأصبح بإمكانه الربط بين الجريمة وشبكة الإجرام من مخططين وممولين ومنفذين. ولا شك أن الأسلوب المعتمد فى الحديث عن هذه الجرائم عبر وسائل الإعلام بكل أنواعها، يتم بشكل سريع وماكر، حيث تتخلله الكثير من اللقطات الإلهائية التى من شأنها تبديد ذهن المشاهد والمستمع فتمنعه من التركيز والربط بين الأحداث.

ما عرضناه إلى جانب ما يحدث ليل نهار فى الأرض المحتلة، يعبّر عن المنطق السائد والفاعل، والذى ينفى بشكل قاطع وجود منظمات صادقة فى تبنيها لقضايا حقوق الإنسان، ولا يحتاج الأمر إلا قليلاً من التركيز لإدراك طبيعة الدور الذى تلعبه تلك المنظمات الذى يجعلنا نصف القائمين عليها بأنهم وكلاء أو مندوبون عن الاستعمار الجديد.

أين هؤلاء من حقوق الإنسان التى تشهد أزمة حقيقية فى العالم كله وتحديدا من الانتهاك المنظم لهذه الحقوق فى الدول الكبرى التى تدعى التحضر والمدنية وتزعم أنها تدافع عن حقوق الإنسان. أين هؤلاء من مشكلة الفقر التى ليست قاصرة على شعوب الدول المتخلفة أو النامية. ولا نكشف سرا لو قلنا إن الولايات المتحدة يوجد بها حوالى 50 مليون يعانون من الفقر والدول الغربية توجد بها أحياء فقيرة يعانى سكانها من تدنى مستوى الخدمات الأساسية. وكذلك العديد من الدول الغربية التى نتيجة الأزمات الاقتصادية التى تعانى منها تتجه إلى تخفيض مستوى الإنفاق على الخدمات الأساسية كتوفير الرعاية الصحية والتعليم. وتدنى مستوى المعيشة وعدم توافر فرصة للحياة الكريمة لملايين البشر فى الدول النامية والدول المتقدمة مرده إلى غياب العدالة الاجتماعية واستئثار فئة قليلة بالسلطة والثروة فأعداد الأغنياء فى ازدياد وأعداد الفقراء كذلك فى ازدياد ولكن بمعدلات أسرع وبصفة عامة يمكن القول إن هناك غيابًا شبه كامل للحقوق الأساسية وهناك انتهاكات صارخة للحريات العامة وفى مقدمتها حرية الرأى والتعبير وهناك انتهاك للخصوصية وذلك من خلال التنصت على ملايين البشر فى العالم وحلفاء الولايات المتحدة لم يسلموا من تجسس الولايات المتحدة على هواتفهم الشخصية.

ومن مظاهر انتهاك الغرب لحقوق الإنسان إهدار كرامة المرأة وإنسانيتها فالمرأة فى الغرب تعانى من التمييز فى مجال العمل وتتعرض للعنف والتحرش الجنسى والاغتصاب والمرأة فى الغرب تحولت إلى سلعة وجسدها أصبح وسيلة لكسب المال من خلال الدعارة ومن خلال المواد الإباحية والإعلانات التجارية. وتجارة الرقيق انتشرت وبقوة فى الكثير من الدول الغربية وأسواق النخاسة عادت من جديد فى أوروبا حيث يقوم النخاسون الجدد بجلب مئات الآلاف من الفتيات من أوروبا الشرقية ومن دول آسيوية للعمل فى الدعارة.

إن انتهاكات حقوق الإنسان فى الغرب وفى العالم بصفة عامة تثبت زيف الحضارة الغربية وعجزها عن توفير حياة كريمة للغربيين وانتهاكها لحقوق الإنسان فى أماكن أخرى من العالم. والواضح من تلك التتابعات، هو أن المنظمات الحقوقية التى تتلقى تمويلا مشروعا أو غير مشروع وتعمل بإطار قانون أو خارج إطار القانون، ليست أكثر من أسلحة ناعمة تستخدمها الدول التى تمولها فى تدمير دول ومجتمعات من الداخل. وأنها القوة التى استطاعت بها الولايات المتحدة أن تحتل دولا دون أن تطلق رصاصة واحدة، بتجنيد جيل جديد من الطابور الخامس داخل الدول العربية ليقوموا بتفكيك دولهم وزعزعة استقرارها من الداخل وذلك بمساعدة التكنولوجيا بدلاً من تدخل قوات أجنبية لتقوم بهذه المهمة.

نعود إلى منفذ هجوم مسجدى مدينة كرايستشيرش النيوزيلندية، لنتوقف عند ذلك البيان الذى نشره عبر الإنترنت، وشرح فيه «دوافعه» للجريمة، وأقر فيه بأنه أقدم على الإجرام بدافع «الإرهاب».

فى البيان المكون من 74 صفحة، اعتبر تارانت أن تدفق المهاجرين على الدول الغربية يشكل أخطر تهديد لمجتمعاتها، ويرقى إلى ما وصفه بـ»الإبادة الجماعية للبيض»، وأن وقف الهجرة وإبعاد «الغزاة» الموجودين على أراضيها ليس «مسألة رفاهية لشعوب هذه الدول، بل هو قضية بقاء ومصير». وفيما يتعلق بأهداف الهجوم، يؤكد تارانت أنه جاء من أجل «إقناع الغزاة بأن أراضينا لن تصبح لهم أبدا»، وانتقاما لـ»ملايين الأوروبيين الذين قتلهم الغزاة الأجانب عبر التاريخ وآلاف الأوروبيين الذين قضوا فى هجمات إرهابية على الأراضى الأوروبية». أما الأهداف العملية، حسب تارانت، فهى تقليص الهجرة بترهيب «الغزاة» وترحيلهم، وإثارة رد فعل عنيف من «أعداء شعبى كى يتعرضوا لمزيد من العنف فى نهاية الأمر».

تارانت أشار إلى أنه يسعى لدق إسفين بين أعضاء حلف الناتو الأوروبيين وتركيا، بهدف «إعادتها إلى مكانتها الطبيعية كقوة غريبة ومعادية». وحول اختيار نيوزيلندا موقعا لتنفيذ الهجوم، كتب تارانت أنه جاء للفت الأنظار إلى «حقيقة الاعتداء على حضارتنا»، التى ليست فى مأمن من خطر المهاجرين حتى فى «أبعد بقعة منها». ويؤكد تارانت أنه لا يشعر بالندم و»يتمنى فقط أن يستطيع قتل أكبر عدد ممكن من الغزاة والخونة أيضا»، وأنه «ليس هناك برىء بين المستهدفين، لأن كل من يغزو أرض الغير يتحمل تبعات فعلته». وذكر تارانت أنه يدعم الرئيس الأمريكى دونالد ترامب «كرمز للهوية البيضاء المتجددة والهدف المشترك وليس بصفته السياسة». ولم يعرف بعد ما إذا كان تارانت المنفذ الوحيد للهجوم، حيث قالت الشرطة إنها ألقت القبض على 4 أشخاص على خلفية الاعتداء. وحسب المعلومات الأخيرة، بلغت حصيلة ضحايا الهجوم 49 قتيلا و20 جريحا على الأقل. وأصدر سفاح مسجدى نور ولينوود فى نيوزيلندا الذى قتل 49 مصليا وجرح العشرات بينهم أطفال، بيانا فى 74 صفحة قبل ساعات من مجزرته وشرح برينتون تارانت البالغ 28 عاما فى بيانه «الاستبدال العظيم» خطته بالتفصيل لقتل المصلين فى المسجدين ووصف الإرهابى نفسه بأنه «رجل أبيض عادى ولد فى أستراليا من طبقة عاملة، وينتمى لعائلة ذات دخل منخفض».

الإرهابى كشف كيف أنه استوحى فكرة الهجوم الإرهابى من سفاح النرويج أندرس بريفيك الذى قتل 77 شخصا فى هجوم 2011. وبريفيك هو إرهابى متطرف نرويجى من مواليد 13 فبراير 1979. ارتكب مذبحة النرويج عام 2011. وينتمى لليمين المتطرف ويعرف عنه عداؤه للإسلام. وفى 22 يوليو 2011، فتح النار على مراهقين فى معسكر فى جزيرة أوتايا بالنرويج، ما أسفر عن مقتل 69 شخصا، كما ألقى قنبلة على مقر الحكومة فى أوسلو ما أودى بحياة 8 أشخاص. واعترف بريفيك خلال محاكمته بارتكاب المجزرة، إلا أنه ادعى البراءة وبرر عمله بأنه «فظيع لكنه ضروري» ويهدف لحماية النرويج من «الاجتياح الإسلامي»، وأنه هاجم العماليين الذين يحكمون البلاد والسياسة التى ينتهجونها فى مجال الهجرة، وسعيهم لتعزز التعددية الثقافية. وفى 16 أبريل 2012 حكم على أندريس بهرنج بريفيك بعد تسعة أشهر من الجريمة بالسجن 21 عاما بجرم «الإرهاب».

استنادا إلى ذلك، يمكننا وصف ما حدث فى نيوزيلندا، بأنه إرهاب متطرف ضد مصلين، ولا يمكن تفسيره أو تحليله بمعزل عن تسلل اليمين المتطرف للعملية الديمقراطية، واستغلال السلطة واللعب على إذكاء النعرات القومية والشعبوية فى ظل حالة تفشى خطاب الكراهية، تحت شعارات، منها ما سمى «صراع الحضارات»، لاستهداف العرب والمسلمين.

تنامى وانتشار وازدياد أعداد اليمين المتطرف، الذى تمخض عن إعلان أحزاب من اليمين المتطرف الشعبوية فى دول أوروبية فى مدينة أنفير البلجيكية عام 2008عن تأسيس منظمة جديدة لمحاربة ما سمته «الأسلمة» لأوروبا، يعتبر حالة عداء علنى تعلنه وتجاهر به جماعة راديكالية بموافقة حكومية نرى نتائجها اليوم فى هجوم إرهابى على مسجدين فى نيوزيلندا.

اتساع رقعة اليمين المتطرف فى أوروبا، مع صعود التيارات السياسية اليمينية، وبخاصة بعد ظهور الحزب الذى أسسه جان مارى لوبان، والذى احتل المرتبة الثانية فى الانتخابات الفرنسية، وقد ترك زعامته لابنته مارين لوبان، هدفهم جميعاً العداء للأجانب، وبخاصة المسلمون.

انتشار اليمين المتطرف فى أوروبا وورثة الفاشيين والنازيين أصحاب نظرية الجنس الآرى من هتلر وموسيلينى وفرانكو، سيكون كارثياً ليس على مسلمى أوروبا فحسب، بل ستكون ويلاته على الأوروبيين المسيحيين أنفسهم، فهؤلاء الراديكاليون الذين يريدون إبعاد المسلمين، سينتقلون إلى من لا يقبل بنسختهم المتطرفة من المسيحيين، تماماً كما تفعل «القاعدة» و»داعش» فيما تسميه «فقه» الأولويات priorities»»، وبالتالى أولويات اليمين المتطرف فى أوروبا لا تختلف عن «داعش» إلا فى اسم الضحية، وأحياناً لا تختلف، فـ»داعش» سبق أن قتل محمد وديفيد وبطرس، وكذلك فعل اليمين المتطرف.

منهج وأفعال اليمين المتطرف فى أوروبا، يؤكدان أن الإرهاب لا وطن ولا دين له، بل وسيدفع للرد بالعنف المضاد المتبادل لتكبر دائرة العنف، ويعطى الفرصة لـ»داعش» وأخواته للرد؛ ولهذا لا ينفع الصمت شيئاً، ولن يجدى التستر أو التجاهل لوجود وتنامى اليمين المتطرف فى أوروبا، ولا بد من معالجة حقيقية ومجتمعية تتضمن سياسات حقيقية تشمل الاندماج والتعايش؛ فالتعايش هو محور الحل، كما جاء فى جوهر الكتب المقدسة، ففى الإسلام دعوات كثيرة للتعايش فى قوله تعالى «وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالتى هِى أَحْسَنُ» وفى قول الرسول محمد «مَن قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة»، وفى قول المسيح «لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر أيضاً».

النقطة الجديرة بالتركيز والتسويق بعد هذه المذبحة هى أن الإرهاب حقاً لا دين له، ولا دين أيضاً لمن يتخذون منه ممارسة فى التعامل مع المشكلات والآخرين المختلفين عنا. عندما كنا نقول إن الإرهاب لا دين له وإن الإسلام بريء من الإرهاب والإرهابيين الذين يحاولون تشويه مقاصده ورسالته كان عدد من الأوروبيين وحتى من النخب المنتمية للفضاء العربى الإسلامى يفسرون ذلك بمحاولة دفاع ضعيفة الحجة، مبررين ذلك بعدد العمليات الإرهابية التى نفذها إرهابيون ومتطرفون دينيون. ولكن الواقع رد بالصوت والصورة كيف أن الإرهاب فعلاً لا دين له مهما بالغ الكثيرون فى التنقيب عن الأسباب من داخل المدونات الدينية.

بمعنى آخر، فإن خلاصة هذه المذبحة غزيرة الدم وكثيرة الأرواح التى أزهقت باسم الانتقام من إرهابيين متأسلمين ارتكبوا جرائم إرهابية فى أوروبا... الخلاصة هى أن الإرهاب يجب أن يُدرس ويُفهم ويُقارب ويُحارب من خارج الأديان وبقطع الصلة فى التفسير والتبرير بين الفعل الإرهابى ومرجعية الإرهابى الدينية. وبالتالى، نعتقد أن أطرافاً عديدة تتحمل المسئولية، إذ إننا أمام أخطاء تتجاوز الفضاء الواحد والحدث يتمرد على التفسيرات المعروفة والمكررة. فنحن أمام إرهابيين يحملون هوية مختلفة ومع ذلك يشتركون فى الممارسة الإرهابية مع سبق الإصرار والترصد والتخطيط.

ويمكننا أن نقول إن هذه النوعية من الجرائم هى نتاج سببين؛ أولهما استسهال العالم الربط بين الإرهاب والإسلام وخلق «فوبيا» ضد المسلمين والانخراط فى حملة تشويه عمياء، والسبب الثانى الانخراط بقوة أيضاً فى إرساء ثقافة معاداة المهاجرين واعتبارهم غزاة ومحتلين ومغتصبى حقوق المواطن الأوروبى فى حياة أفضل وأكثر رفاهية.

النخب المسئولة عن هذه الظاهرة لم تدرك خطأ إدانة الأديان وأن ذلك بتراكمه يخلق تمثلات خاطئة تفعل فعلها فى الناس العاديين. فالربط بين الإرهاب والإسلام من أكبر الأخطاء التى ارتكبت والتى لم تلقَ الجهد التصحيحى اللازم لها. ونعتقد أن النخب الأوروبية التى انخرطت فى خطاب الربط بين الإرهاب والإسلام يجب أن تبدأ المراجعة، لأن ما قام به الأسترالى المتطرف ينسف المنطق الذى قام عليه الخطاب المشار إليه ويفتح أفق الاتفاق على فكرة أن الإرهاب لا دين له والتعامل مع هذه الفكرة كحقيقة وليس كشعار للتسويق الإعلامي. أما الخطر الآخر الذى لا يقل خطورة عن الخطر الأول يتمثل فى أن الأحزاب اليمينية المتطرفة فى أوروبا بدأت تحصد ثمار نضالها المستميت ضد المهاجرين وما يمارسه خطابهم من تمييز عرقى ودينى وتصويرهم صورة البرابرة الجدد مع ما يعنيه ذلك من تحريض تصاعدى النبرة. والغريب أن هذا الخطاب الانغلاقى غير الإنسانى الذى يغازل العزلة فى كل أبعادها، إنما ينتعش فى الأسواق السياسية الأوروبية مهد الحداثة وإعادة الاعتبار للفرد والحرية ولحقوق الإنسان التى من ضمنها حرية التنقل فى الأرض.

وأخيرا، نشير إلى أن سقوط الإخوان فى مصر مثّل ضربة للمحور الإقليمى الجديد بالمنطقة، الذى كان يمثل دولًا حكوماتها ذات خلفية إسلامية، أو حكومات داعمة للثورات العربية، وهو المحور الذى تشكل بعد الربيع العربى مباشرة. ومثَّل هذا المحور، تركيا ومصر وتونس وقطر، وأحيانا كان يمتد ليشمل ليبيا واليمن. كانت الدولتان الرئيستان اللتان عملتا على وضع أساس هذا المحور هما تركيا وقطر، واللتان استمرتا فى دعم مصر وتونس واليمن وليبيا، غير أن عزل الرئيس المصرى السابق محمد مرسى من الرئاسة، فى 3 يوليو 2013، جمّد محاولات بناء هذا المحور.

مع الوقت تصاعد التوتر بين المجموعات الفرعية للحركات المحسوبة على مدرسة الإخوان إلى ما يشبه إعلان الانفصام بينها وبين الجماعة الأم فى مصر، إما بسبب أداءات قيادات الأخيرة أثناء وجودهم فى السلطة، وبعد خروجهم منها «خصوصًا مع تصاعد حدة الخلاف حول التمثيل الشرعى لقيادة الجماعة بين مجموعتى الداخل والخارج» وإما بسبب إجراءات لها علاقة بالضغوط والاتّهامات للإخوان المحليين بأنّهم ينتمون لتنظيم «عابر للحدود».

وجود هذا الخيط الشبكى المنتظم، كان يحقق عدة أمور أهمها سهولة ارتباط بين الحكومات التى يمكن أن تتأسس على خلفية الفكرة الإخوانية، وامتلاك قوة ناعمة للجماعة الأم بتأسيس شبكة ضخمة من الاتصالات والعلاقات الدولية، وارتباط ضخم بين مؤسسات مالية ودعوية وثقافية عابرة للدول والقارات، وسهولة فى تأسيس المشروع فى بلد ما حال ضربه فى بلد آخر وتوفير حواضن استيعاب للأعضاء والكوادر الذين يتم التضييق عليهم.

الخلاصة هى: الجميع يدرك أن القضاء على الإرهاب لن يحدث بسهولة ويسر، بل ستكون هناك ولا شك ردود أفعال مضادة فى الاتجاه. ومع الحادث الأخير، لا يدرى المرء أين ستحدث، ولا كيف، أو كم سيبلغ عدد ضحاياها، ليظل الأمر وكأنه دوامة مهلكة للزرع والضرع، إلى أن يدخل العالم - ومن جديد - فى دائرة الحروب الدينية التاريخية. الأمر الذى يجعل العالم اليوم فى أمس الحاجة إلى إجراءات فاعلة وحقيقية تقتلع الإرهاب من جذوره.


التعليقات