يتحدثون لأول مرة بعد حادثة حريق محطة مصر.. "الموجز" يستوجب سائقي القطارات في كابينة القيادة

شهدت السكة الحديد خلال السنوات الماضية العديد من الحوادث التي أودت بحياة مئات المواطنين بلا ذنب أو جريرة، ومع كل حادثة تتجه الأنظار مباشرة صوب قائدى القطارات، فتكال لهم الاتهامات بالإهمال والتقصير تارة، ونقص الكفاءة وقلة التدريب وتعاطى المخدرات تارة أخرى، بينما يتناسى أو يتغافل الجميع المشاكل الكثيرة التى يواجهونها فى عملهم والتى لا تساعدهم على أداء واجبهم مهام وظيفتهم بالشكل الأمثل.
"الموجز" التقى بعدد من سائقى القطارات لترصد آرائهم حيال تلك الاتهامات التي توجه إليهم وكذلك المشاكل التى يواجهونها وتعوق أدائهم لمهمتهم ورؤيتهم لكيفية تطوير العمل بالهيئة خلال المرحلة القادمة.

كبش فداء
فى البداية التقينا هشام رابح أحد قائدى القطارات الذى ظهرت على وجهه علامات الأسى بسبب ما وصل إليه حال مهنته فى هذه الأيام حيث أكد أنه يرفض الحملة الشرسة التى يتعرضون لها خاصة عقب حادث قطار محطة مصر وقال "أنا أعرف أن السائق يتحمل مسئولية الحادث ولا أدافع عنه ولكن لا يجب تحويلنا إلى كبش فداء مع كل حادث فأجهزة الأمان بالجرارات غير مفعلة وهذه مسئولية الصيانة والأمن والسلامة.. وحتى لا تتكرر الحوادث فنحن أمام أحد خيارين فإما أن نخفض عدد الرحلات وإما أن نسارع بتركيب وتفعيل وسائل الأمان".
وأضاف "المفروض أن تحافظ الهيئة علىّ كقائد قطار لكى أحافظ على ممتلكاتها فأنا أعمل بهذه المهنة منذ 23سنة وبعد كل هذه السنوات مرتبي4500 جنيه أحصل عليها فى حالة العمل لمدة 30 يوماً ولو أخذت أجازة الجمعة والسبت ينخفض الراتب إلى 3500 جنيه ولذلك نضطر للعمل بلا أجازات لتوفير متطلبات حياتنا.. كما أن القانون يحدد عدد ساعات العمل بـ35 ساعة فى الأسبوع بينما أنا أقوم برحلة واحدة لأسيوط تستغرق 25ساعة لتزيد عدد ساعات تشغيلى على 300 ساعة فى الشهر بنفس الراتب فكيف تنتظر أن يكون أدائى".

وتابع "التدريب الذى نتلقاه بمعهد وردان بعيد تماماً عن أرض الواقع ولا يتم خلاله تدريس الحوادث مثل الدول المتقدمة كى نتلاشاها كما أن المعهد به أجهزة على أعلى مستوى ولكن ينقصها مدرب على مستوى الأجهزة.. فالقائمون على التدريب هم قائدى قطارات مثلنا وهم من حاملى الإعدادية والابتدائية وراسبى الابتدائية وعندما أردنا أن تستعين الدولة بقائدى قطارات مؤهلين بما يتناسب مع الأجهزة الإلكترونية الحديثة حدثت فجوة أدت إلى انشقاق طائفة قائدى القطارات حيث أصبح الأقل كفاءة هم الأعلى مناصب بحكم الأقدمية وهذا يسبب كوارث على الرغم أن لجنة النقل في مجلس النواب طلبت أن يكون قائد القطار خريج هندسة ويوجد بالهيئة 3900 قائد قطار منهم 2500مؤهلات متوسطة والباقى من حملة الإعدادية".

تدهور المكانة
وعلى بعد خطوات قليلة من مكتب قائدى القطارات التقينا أيمن صابر وقد كست قسماته علامات الإرهاق عقب عناء يوم طويل من العمل وقال "نحن نشعر بتدهور مكانة السائقين الآن فأيام زمان كان السائق أعلى ما فى الهيئة لأنه يعتبر فى الخط كميكانيكى أو كهربائى أو برّاد عربيات وهو المسئول عن أخطاء الآخرين ويتعرض لمشاكل كبيرة بسبب ذلك وعلى سبيل المثال الزميل مجدى إبراهيم زايد قائد قطار بنها صدر ضده حكم بالسجن والفصل من الخدمة فى خطأ ليس خطأه والسائق هو الوحيد الذى يتم فصله".

وذكر "فى أوروبا مطلوب من السائق القيادة فقط ولكن هنا يقوم بأكثر من مهمة ولا يحصل إلا على مقابل صغير فمازلنا كقائدى قطارات نتعامل بالمليم والنص مليم لمساعد السائق والمفروض أن القروش ألغيت فماذا أفعل بالمليم والمفروض أن نتعامل على الأقل بالربع جنيه وهى أقل عملة موجودة ومستخدمه الآن".
تحت الصفر
وقال محمد حسين أحد السائقين بخط الزقازيق "نحن معنوياً ونفسياً ومادياً تحت الصفر فالشائع أن مرتبات قائدى القطارات كبيرة ولكن الحقيقة أن أقدم قائد قطار لا يتجاوز راتبه 5000 جنيه بجميع ما يتقاضاه فى الشهر قبل الخصومات التى تصل إلى 22% مع العلم أن قائد قطار الزقازيق يتقاضى 10 قروش و5 مليم بحد أقصى 25 جنية فى الدور".
وأضاف "نحن فاتحين بيتين لأننا نصرف على البيت ونأكل خارج المنزل معظم الوقت حيث تمتد الأدوار للسائق من 6 ساعات حتى 19 ساعة وهذه تكلفة كبيرة".
إعادة الهيكلة
أما سيد عامر الذي كان يستعد للانطلاق فى رحلته حاملاً بين يديه أرواح آلاف المواطنين من ركاب قطاره وقال مسرعا "تسببت إعادة هيكلة السكة الحديد فى أزمة كبيرة حيث ساهمت فى تكدس المهندسين فى مقابل عجز شديد فى العمالة الفنية (قائد قطار ومساعد قائد قطار والكمسرية) وهذا يسبب مشاكل كبيرة فى العمل حيث من الممكن تحمل العجز الإداري ولكن العجز عندنا كيف نعوضه وهذا معلوم فى الهيئة ومع ذلك لم تتدخل لعلاجه".
وأضاف "زمان كان يوجد فائض وبناء عليه كان يوجد راحة نفسية للسائقين ولكن الآن لا يوجد عدد كاف من السائقين ولا يتاح لنا الحصول على أجازة ويتم تشغيلنا 30 يوم فى الشهر نظراً للعجز وهذا يسبب ضغط نفسى وعصبى شديدين على السائقين وأصبحنا نعمل تحت لائحة جزاءات مجحفة ومدمرة ترتب عليها انتحار أحد الزملاء".
تعاطي المخدرات
والتقط طرف الحديث السائق أحمد طه الذي عبر عن حزنه وغضبه من الحملة التى يتعرض لها السائقين عبر وسائل الإعلام وقال "الإعلام يشن حملة شعواء علينا والإعلاميون يتهموننا بالانحلال والإدمان وكل فئة فى المجتمع بها الصالح والطالح فلماذا التركيز فقط على الجانب المظلم لنا ولا نسمع أحد يتحدث عن معاناة السائق أثناء رحلته وما يتعرض له من قصف بالطوب وانتشار المعابر غير القانونية التى تتسبب فى الكثير من الحوادث بلا ذنب لنا وقد تؤدى إلى وفاة السائق".
وأضاف: "السائق يخضع لرقابة مشددة للكشف عن تعاطيه للمخدرات حيث يتم الكشف عليه قبل استلامه العمل ولا يستلم العمل إلا بعد لياقته طبيا من شعر رأسه حتى بطن القدم وهناك كشف دورى كل سنتين حتى يبلغ السائق 45 سنة ليتم الكشف عليه دورياً كل سنة ولا يتم تسليمه العمل إلا بعد لياقته طبياً".

وتابع: "هناك لجان مخدرات مفاجئة تقوم بالكشف فى أي لحظة حتى أثناء الرحلات أو قبل الرحلة علاوة على إرسال قائد القطار والمساعد إلى دورات تدريبية بالمعهد الفنى لوردان وفرز القاهرة ويتم الكشف عليهم داخل المعهد الفنى مخدرات ولا يتم تسليمه العمل إلا بعد نجاحه فى اختبارات اللائحة والميكانيكا والكهرباء والـATC والـ GPS ".
وقال: "يتعرض بعض السائقين للظلم فى كشف المخدرات حيث أن بعض الأدوية التى تستخدم لعلاج حالات مرضية عادية بروشتات رسمية قد تعطى أثر المخدرات وهناك أكثر من زميل نعرف أخلاقهم جيداً تعرضوا لمثل هذا الظلم".
مستشفى الهيئة
وأمام مستشفى السكة الحديد بطنطا التقينا محمد عطا أحد السائقين الذى جلس حزيناً على ما وصل إليه حال المستشفى التى كانت تخدم آلاف العاملين بوسط الدلتا قبل أن تتوقف منذ سنوات وقال "لا يتم توفير الرعاية الصحية لنا بالشكل اللائق حيث لا توجد إلا مستشفى واحد بالقاهرة يتردد عليها جميع عمال الهيئة من أسوان للإسكندرية وكان يوجد مستشفى بطنطا تخدم العاملين بمحافظات وسط الدلتا ولكنها أغلقت منذ سنوات بسبب سوء حالة المبنى وأصبحت مجرد عيادات خارجية ولم يعمل أحد على إعادة تشغيلها أو إنشاء بديل لها وهذا سبب تكدساً هائلاً فى مستشفى القاهرة وإرهاقاً شديداً للمرضى فأين هى حقوقنا ونحن نناشد الوزارة والهيئة إعادة تشغيل هذه المستشفى لتخفيف العبء عن المرضى".
وأضاف " يجب أن يعلم الناس أن 90 % من الجرارات بالهيئة عمرها الإفتراضى انتهى وتشكل عبئاً كبيراً على السائق".. مشيراً إلى أن السائق بالخارج يعمل على نمط واحد من الجرارات وفى مصر نعمل على مختلف أنواع الجرارات التي تفتقد الصيانة ولا يوجد بها أى عنصر أمان فأجهزة الأمان "ATC" لا تعمل أو تحتاج لصيانة كما أن هناك نظام للأمان يحمل اسم "رجل الميت" يتم إلغاء العمل به فور نزول الجرارات لمصر بحجة عدم وجود إمكانية للصيانة مع أنه جهاز فعال جدا فى الحماية ويعمل بأيدى السائق أو بقدمه وكل 50 ثانية يعطى صفارة ويحتاج لدوس السائق عليه وإذا لم يتلق إشارة من السائق يوقف القطار ولو كان هذا الجهاز يعمل فى الجرارات لما وقع حادث قطار محطة مصر لأنه كان سيوقف القطار خلال 50 ثانية فقط.
الحلقة الأضعف
وقال مصطفى سعيد مفتش بالهيئة "نصف العاملين الهيئة أصبحوا عبارة عن لجان تفتيش بلا عمل فعلى ولا دور لهم فى مقابل عجز كامل بطوائف التشغيل وهم أساس الهيئة وكل التعيينات تتم بالمحسوبية والمعارف وقد تم تعيين حوالي 3000 مهندس بالهيئة خلال السنوات القليلة الماضية".
وأضاف "الحملة التي نتعرض لها أساءت لنا أمام أسرنا وكأننا جميعا مدمنين وليس فينا شرفاء والفيديو المتداول لسائقين يتناولون المخدرات كان لسائقين شغالين بالبضائع وتم تشريكهم طبياً وهذا الفيديو من 10 سنوات فلماذا يعاد إذاعته الآن وهذا يهيج الرأى العام علينا ويسيء لصورتنا ونحن الحلقة الأضعف فى المنظومة وليس لدينا صوت يدافع عنا لأن النقابة تعمل حسب رؤية الدولة ولا تستطيع الدفاع عن مصالحنا".
واقتربنا من أحد سائقى القطارات الذى رفض ذكر اسمه على رصيف المحطة وهو يستعد لانطلاق رحلته وفور اقترابنا منه وتأكده من هويتنا صعد بنا إلى كابينة قيادة قطاره، و قال: "أنا و كل زملائى نشعر بالظلم لأننا نُتهم بأننا وراء كل الحوادث وهذا ظلم كبير فنحن نقود جرارات غير صالحة بالمرة ولا نستطيع أن نتحدث لأن التعليمات مشددة بعدم الحديث فى هذه الأمور وإلا فلائحة الجزاءات المشددة موجودة".
وتابع: حتى لا يكون كلامى مجرد دفاع بلا دليل أو تحيز لطائفة السائقين فسنعاين عمليا حالة الجرار الذى سأنطلق به فى رحلتى خلال دقائق فجهاز الـ"ATC" وهو الصندوق الأسود للجرار ويسجل جميع ما يحدث خلال الرحلة من حالة السمفورات والاشارات والوقوف والمسير وهو يتحكم فى وقوف القطار عند اللزوم سنجد أنه يعطى بيانات خاطئة رغم أن الجرار متوقف ولم ينطلق بعد كما أن بطاريات الإطفاء فارغة وحالة كابينة القيادة متردية ولا توفر أبسط أنواع الراحة لإنسان مسئول عن أرواح الناس.

وأضاف: أما جهاز الـ"GPS" فهو مغلق بالقفل رغم أهميته الشديدة ورغم كل هذا وفى نهاية الأمر إذا حدث أى شيء سيتم محاسبتى وتحميلى المسئولية وكل هذا لأننا بلا صوت ولا نجد من يدافع عنا.
وأثناء الحديث قطع صوت خارج من جهاز اللاسلكى الخاص به حديثه ليسأله عن سر تأخر انطلاق الرحلة فيجيب بصوت مرتجف حالا يافندم وتنطلق الرحلة والجرار فى هذه الحالة المزرية .

الحقيقة التائهة
مررنا بمستشفى السكة الحديد بطنطا والتي ظلت لفترة طويلة تخدم العاملين بالسكة الحديد بوسط الدلتا ولكنها منذ عدة سنوات تخلت عن وظيفتها مما تسبب فى حرمانهم من الرعاية الصحية التى كانت توفرها لهم حيث تحولت لمجرد عيادات خارجية بعد إغلاق الدورين الثانى والثالث لتطويرهما ومنذ تلك اللحظة لم يعودا للعمل بحجة أن المبنى غير قابل للتطوير ويستدعى الإزالة وحتى الآن لم يتم تطوير المبنى ولم يتم إزالته أو الانتقال لمبنى بديل ويتساءل العاملون عن الحقيقة التائهة.. فإذا كان المبنى سليماً ومازل العمل به مستمراً حتى اللحظة فى الدور الأول كعيادات خارجية فلماذا لا يتم الانتهاء من تطويره ليخدم هذا القطاع الكبير من العاملين.. وإذا كان متهالكاً ويستدعى إعادة الإنشاء فلماذا يستمر العمل به وفى ذلك خطر كبير على حياة العاملين وينذر بكارثة فى أى لحظة.

هذه التساؤلات وغيرها حملتها "الموجز" للدكتور محمود خلف مدير مستشفى السكة الحديد بطنطا الذى قال إن المستشفى هى واحدة من ثلاث مستشفيات للسكة الحديد على مستوى الجمهورية في القاهرة وأبو سمبل وطنطا وهى تخدم منطقة وسط الدلتا بالكامل وكانت متكاملة وتجرى بها عمليات جراحية حتى قبل 4 سنوات من الآن حين بدأت عملية التطوير التى كان من المفترض أن تكون فى الدور الثاني المخصص للعمليات والداخلى والدور الثالث المخصص لداخلى الحريم ومطبخ المستشفى وسكن التمريض.

وفى عهد الدكتورة سهير السلاماوى التى كانت رئيس مجلس إدارة شركة المركز الطبى أصدرت قراراً بوقف التطوير وقالت إن هذا المبنى غير صالح رغم بدء عملية التطوير وصرف مبالغ كبيرة.. ومنذ تلك اللحظة اقتصرت وظيفة المستشفى على العيادات الخارجية والمعمل وصرف العلاج المزمن.
وأضاف خلف "لم أسكت على هذا الوضع لأنه لا يجوز أن نعمل من دور واحد فى هذا المبنى المهدد الذى لم يتم تطويره أو نقلنا لمبنى بديل وأرسلت طلبات لوزير النقل السابق الدكتور هشام عرفات ورئيس الهيئة لطلب بناء مستشفى جديد وتم طرح ثلاثة أماكن لإقامتها وتم اختيار قطعة أرض مساحتها 5000 متر بمنطقة مجاورة وتم عمل الرسم المطلوب للمستشفى فى 2018 وإلى الآن لم يتم شيء بحجة عدم توافر الاعتماد المالي ووقف الأمر عند هذا الحد فلا تم تطوير المبنى القديم ليؤدى دوره الكامل فى خدمة هذا القطاع العريض من العاملين ولا تم توفير البديل حتى الآن".
وتابع "نحن من جانبنا نقوم برعاية العاملين بوسط الدلتا والمحولين من التفاتيش الطبية المختلفة وفقا للإمكانيات المتاحة أما الحالات التى تحتاج إلى علاج داخلى أو عمليات جراحية فنقوم بتحويلها للمستشفيات المتعاقد معها مثل مستشفى الطلبة الجامعى ومعهد الأورام بطنطا ونطالب بوضع ملف بناء المبنى الجديد على قائمة أولويات الوزير الجديد فور توليه المسئولية لأن الأمر لم يعد يحتمل مزيد من التأجيل".


التعليقات