ياسر بركات يكتب عن : سنوات الصبر والعذاب فى أرض الذهب.. الشوارع لا تخون القصة الكاملة لثورة شعب السودان

التاريخ السرى للقادة الكبار فى ثورة ربيع النيل

الجماهير تنتظر البشارة المصرية

والمؤامرات الصغيرة تؤجل الحلم الكبير

نالت أحداث السودان، بدءاً من الاحتجاجات التي بدأت قبل أربعة أشهر للمطالبة برحيل نظام الرئيس عمر البشير، وانتهاء بالإطاحة به، اهتماماً كبيراً في وسائل الإعلام الدولية، التي قال بعضها إن «ثورة السودان سيكون لها تأثير ايجابي على المجتمع السوداني»، وأطلقوا عليها اسم «ربيع النيل». وازداد الاهتمام بتطور الأحداث السودانية خلال الأيام القليلة الماضية، مع بدء خروج حشود ضخمة إلى شوارع العاصمة الخرطوم، واعتصام مئات الآلاف أمام مقر قيادة الجيش، ثم استمرارهم في الاعتصام بعد رفض بيان المجلس العسكري، الذي تشكل في أعقاب عزل البشير. وحتى بعد أن أعلن رئيس المجلس العسكري الانتقالي في السودان الفريق أول ركن عوض بن عوف، تنازله عن منصبه، واختيار الفريق عبدالفتاح البرهان المفتش العام للجيش خلفاً له في منصبه.

«تجمع المهنيين السودانيين» أبرز الجهات المنظمة للاحتجاجات، نشر يوم السبت في حسابه على «تويتر» بياناً أكد فيه مواصلة «المشوار لاستكمال النصر لثورتنا الظافرة، نحتفي اليوم بما حققنا من انتصارات، ونؤكد أن ثورتنا مستمرة ولن تتراجع أو تحيد عن طريقها الماضي للتحقيق الكامل وغير المنقوص لمطالب شعبنا المشروعة والجلية»، المتمثلة بـ «تسليم السلطة لحكومة انتقالية مدنية، وفقاً لإعلان الحرية والتغيير الذي توافقت عليه جماهير شعبنا الأبي، والقصاص لكل شهداء شعبنا وثورته». ودعا البيان الجماهير إلى الاحتشاد في ساحة الاعتصام أمام القيادة العامة لقوات شعبنا المسلحة، «تأكيداً على وحدتنا جميعاً خلف أهداف الثورة ومطالبنا العادلة». وفي الإطار، ذكر متحدث باسم الشرطة السودانية هشام علي في بيان صدر الساعات الأولى من صباح السبت، أن ما لا يقل عن 16 شخصاً قتلوا يومي الخميس والجمعة «بأعيرة نارية طائشة في الاعتصامات والتجمهرات». وأضاف، أن «أبنية حكومية وخاصة تعرضت لهجمات أيضاً».

كان الرئيس السابق للمجلس الانتقالي العسكري عوض بن عوف أعلن في خطاب بثه التلفزيون الرسمي، تنحيه عن رئاسة المجلس، وتعيين الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان عبد الرحمن خلفاً له، مضيفاً أن «رئيس الأركان الفريق أول ركن كمال عبد المعروف الماحي، أُعفي من منصبه كنائب لرئيس المجلس العسكري بناءً على طلبه». والفريق أول عبد الفتاح البرهان هو ثالث أكبر قائد عسكري في القوات المسلحة السودانية وليس معروفاً في الحياة العامة. وفي السياق، قال ياسر عبد الله عبد السلام أحمد المندوب الدائم للسودان لدى الأمم المتحدة بالإنابة أمام مجلس الأمن الدولي مساء الجمعة، إن «أي عملية ديمقراطية في البلاد تحتاج إلى وقت»، داعياً «المجتمع الدولي إلى دعم عملية انتقال سلمي». وأضاف في اجتماع بشأن منطقة أبيي الحدودية المتنازع عليها مع جنوب السودان أنه لن يتم استبعاد أي حزب من العملية السياسية بما في ذلك الجماعات المسلحة.

منذ استقلال السودان في أول فبراير 1956 تعددت الأصوات والألوان السياسية الحزبية بخلفياتها الدينية، وشخوصها التي تستند إلى تاريخ وفكر سياسي له امتدادات في الماضي وعلى مساحات الجغرافيا. بعد سنتين من الاستقلال والحكم المدني قفز إلى ظهر السلطة العسكر بقيادة الفريق إبراهيم عبود، حكم البلاد بطريقة تمكّن بها من البقاء على سدة الحكم مدة أطول من تلك التي قضاها آباء الاستقلال. في عام 1964 انتفض الشعب السوداني وأسقط حكم الفريق عبود ومن معه من الجنرالات. من هناك رُسمت خريطة حلقات الحكم في السودان، مدنيون فعسكريون فمدنيون والشعب الغاضب لا يغيب، رغم حلقات الصبر التي يلونها الفقر والمعاناة في بلد وهبه الله أعظم الثروات والقدرات والموقع الجغرافي الذي يملأه النيل بشريان الحياة.

أسقط الشعب الصابر الذي يندفع كفيض النيل حكام الحلقة العسكرية الثانية بقيادة جعفر النميري في ثورة شعبية عارمة سنة 1985 وعاد الساسة المدنيون للحكم، أما الحلقة الأطول والأشد قسوة فُتحت سنة 1989 عندما قام رجل كل الحلقات والأفكار حسن الترابي بهندسة انقلاب من نوع غير مسبوق. تحالفت الأيديولوجيا الدينية والقوة العسكرية في حركة أطلق عليها «الإنقاذ» أسقطت الحكومة المدنية، وساقت البلاد إلى حلقة الأحلام المترجرجة عبر ما سماه الترابي بـ»المشروع الحضاري» الذي أعتقد أنه سيغير الدنيا، وفتحت أبواب البلاد إلى كل المغامرين من كل الأيديولوجيات المتطرفة إسلامية وغير إسلامية لتدخل السودان في حلقة العداء الكوني لعدد كبير من دول الجوار العربية والأفريقية والأوروبية.

هذه الحلقة، بدأت تضيق، مع التظاهرات التي اندلعت في 19 ديسمبر ردّاً على قرار الحكومة رفع أسعار الخبز ثلاثة أضعاف. ثم تحوّلت إلى حركة احتجاجية في كلّ أنحاء البلاد، وخرجت تظاهرات غير مسبوقة في أنحاء عدة في البلاد. وفرض البشير سلسلة إجراءات مشدّدة شملت إعلان حالة الطوارئ في أنحاء البلاد. ودعا منظمو التظاهرات المطالبة بتنحي الرئيس السوداني عمر البشير السودانيين الى التوجه إلى مكان الاعتصام أمام مقر القيادة العامة للجيش. وقال «تجمّع المهنيين السودانيين» في بيان: «نناشد كلّ المواطنين بالعاصمة والأقاليم التوجه لأماكن الاعتصامات أمام القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة والحاميات». وكان «حزب المؤتمر الوطني» دعا يوم الأربعاء أنصاره إلى الخروج في مسيرات تأييد له في الخرطوم الخميس، لكن تمّ الإعلان عن إرجاء التجمع من دون تحديد موعد آخر مساء اليوم نفسه. ودعا جهاز الأمن والمخابرات في بيان الخميس «المواطنين الشرفاء للانتباه إلى محاولات جرّ البلاد إلى انفلات أمني شامل»، مؤكّداً «قدرته والمنظومة الأمنيّة على حَسم العناصر المتفلّتة، نصحاً بالحسنى أو أخذًا بالقوّة المقيّدة بالقانون». وفي المقابل، كانت الشرطة قد أمرت قوّاتها بـ»عدم التعرّض» للمحتجّين.

المشهد تغير تماما بإعلان القوات المسلحة السودانية الإطاحة بالبشير والتحفظ عليه وعلى رموز نظامه، وتشكيل مجلس عسكري انتقالي يتولى إدارة الحكم لعامين، إضافة إلى تعطيل العمل بدستور السودان، فضلاً عن إعلان حالة الطوارئ لثلاثة أشهر، وحظر التجوال لمدة شهر، وقفل الأجواء والمعابر إلى حين إشعار آخر، متعهدة بوضع دستور جديد وضمان «تسليم سلمي للسلطة»، وإجراء انتخابات نزيهة.

قال وزير الدفاع السوداني، ورئيس اللجنة الأمنية العليا عوض بن عوف «اقتلاع النظام والتحفظ على رأسه بعد اعتقاله في مكان آمن»، مؤكداً «تشكيل مجلس عسكري يتولى إدارة البلاد لعامين، وتعطيل العمل بدستور السودان، وإعلان حالة الطوارئ لمدة 3 أشهر، وحظر التجوال لمدة شهر، إضافة إلى حلّ مجلس الوزراء وحكومات الولايات ومجالسها التشريعية، فضلاً عن إغلاق المجال الجوي لمدة 244 ساعة، وإغلاق المعابر الحدودية حتى إشعار آخر». وشدد على «الالتزام بكل المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات بكل مسمياتها المحلية والإقليمية والدولية، والإلتزام بعلاقات حسن الجوار، والحرص على علاقات دولية متوازنة، تراعي مصالح السودان العليا وعدم التدخل في شئون الدول الأخرى، إضافة إلى صون كرامة حقوق الإنسان». وأكد الحرص على «العمل على تأمين الانتقال السلمي للسلطة، وتأمين الوحدات العسكرية والمرافق والموانئ والحركة الجوية، وإجراء انتخابات نزيهة»، داعياً «حملة السلاح إلى الانضمام إلى حضن الوطن»، معلناً «وقف اطلاق النار الشامل في كل أرجاء السودان وإطلاق سراح كل المعتقلين». وقال إن «اللجنة الأمنية تابعت منذ فترة طويلة ما يجري في مؤسسات الحكم من فساد وسوء الإدارة»، لافتاً إلى أن «أفراد الأجهزة الأمنية عاشوا الفقر ذاته الذي عاشه الشعب»، مشيداً بـ «قدرة أهل السودان وصبرهم». وأشار بن عوف إلى أن «الشباب خرج في تظاهرة سلمية للاحتجاج على الأوضاع المعيشية»، معتذراً لـ «الشعب عما جرى من قتل وأعمال عنف».

في المقابل، نشر حساب «تجمع المهنيين السودانيين» بياناً صادراً عن «قوى إعلان الحرية والتغيير» على حسابه على «تويتر» رفض فيه ما ورد في بيان اللجنة الأمنية واعتبرته «انقلاباً». وقال البيان إن «سلطات النظام نفذت انقلاباً عسكرياً تعيد به إنتاج ذات الوجوه والمؤسسات التي ثار شعبنا العظيم عليها (...) يسعى من دمروا البلاد وقتلوا شعبها أن يسرقوا كل قطرة دم وعرق سكبها الشعب السوداني العظيم في ثورته التي زلزلت عرش الطغيان». وأضاف: «إننا في قوى إعلان الحرية والتغيير نرفض ما ورد في بيان إنقلابيي النظام هذا، وندعو شعبنا العظيم للمحافظة على اعتصامه الباسل أمام مباني القيادة العامة للقوات المسلحة وفي بقية الأقاليم وللبقاء في الشوارع في كل مدن السودان». وتابع: «مستمسكون بالميادين والطرقات التي حررناها عنوة واقتداراً حتى تسليم السلطة لحكومة انتقالية مدنية تعبّر عن قوى الثورة. هذا هو القول الفصل وموعدنا الشوارع التي لا تخون». ونشر الجيش منذ الصباح، قوات ومركبات على الطرق والجسور الرئيسية وفي محيط الأبنية المهمة في الخرطوم، وقطعت قنوات التلفزيون والإذاعة الرسمية بثها المعتاد، وبدأت ببث أغانٍ وطنية.

على وقع تصاعد الاحتجاجات التي تتحدى قرار حظر التجول الذي فرضه، عقد المجلس العسكري الانتقالي في السودان، مؤتمراً صحفياً، قبل تنحي بن عوف طرح فيه ملامح سياساته لفترة الحكم المقبلة، سارعت المعارضة برفضها، حيث تضمنت وعداً بحكومة مدنية، وعرضاً بحوار مع المعتصمين، ورفض تسليم الرئيس المعزول عمر البشير للمحكمة الجنائية الدولية. وشرح الفريق أول عمر زين العابدين، رئيس اللجنة السياسية في المجلس العسكري الانتقالي، الإجراءات التي سبقت عزل البشير والخطوات التي يخطط المجلس لاتخاذها في الفترة المقبلة، مشدداً على أن المجلس لم ينفذ أي انقلاب، ولكن «نحن أتينا استجابة لرغبات الشعب السوداني ولتأمين السودان».

زين العابدين قال إن الأزمة في البلاد كانت تتطلب حلولاً شاملة، والحلول تعتمد على مطالب المحتجين في الشارع، مشدداً: «لسنا طامعين في السلطة» ومؤكداً أن البشير تم التحفظ عليه، وأن القضاء سيحاكم كل المتورطين في قتل المتظاهرين. كما شدد على أن المجلس العسكري الانتقالي لن يسلم البشير للجنائية، كما لن يسلّم المجلس أي سوداني لجهات خارجية. وأضاف: «مهمتنا الأساسية الحفاظ على أمن البلاد ولن نسمح بأي محاولة عبث»، مضيفاً: «مستعدون لتقصير المرحلة الانتقالية وفق الظروف الأمنية والسياسية»، مشدداً على أن المجلس سيحاكم «كل فاسد أياً كان». ودعا زين العابدين إلى الحوار لتنظيم العمل السياسي، مشيراً إلى أن أولوية المجلس العسكري الأمن والاستقرار، وقال إن «هدفنا حماية مطالب المحتجين ونحن جزء من مطالبهم»، مشيراً إلى أن اللجنة الأمنية تضم قائدي الشرطة والأمن وقائد قوات الدعم السريع. وقال: «ندعم المحتجين لكن نحذر من التعدي على حرية الآخرين»، مؤكداً أن المجلس يعتزم إجراء حوار مع المحتجين المعتصمين خارج وزارة الدفاع.

رداً على سؤال، أعلن زين العابدين أن المجلس العسكري الانتقالي لن يسلم البشير المطلوب بمذكرتي توقيف من المحكمة الجنائية الدولية إلى «الخارج». وأضاف: «نحن عساكر، نحاكمه بحسب قيمنا». وتابع: «نحن نحاكمه، لكن لا نسلمه». وقال إن البشير «متحفظ عليه الآن»، بدون تفاصيل إضافية عن مكان وجوده. وأضاف: «لم نأت بحلول ولكن نطلب الحلول من الشعب والقوى السياسية»، مشيراً إلى أن المجلس العسكري سيبدأ على الفور حواره مع القوى السياسية، كما أن المجلس يدعو إلى الحوار والتوافق لتنظيم العمل السياسي، مؤكداً أن المجلس لن يتدخل بالحكومة المدنية وتشكيلتها ولن يقصي أي حزب حتى حزب المؤتمر الوطني (الحاكم سابقاً)، إلا أنه أكد أنه لم تتم دعوة حزب المؤتمر الوطني لحوار القوى السياسية. وذكر أن «وزيرا الدفاع والداخلية سيكونان فقط من مؤسساتنا»، مضيفاً أن الإعلان عن أعضاء المجلس رهن التشاور. وقال إن المجلس العسكري لا يملك الحلول الفورية للوضع الاقتصادي «ولكن سنعمل على ذلك»، مضيفاً: «نحن أبناء سوار الذهب.. وسنسلم السلطة لحكومة منتخبة». وأضاف زين العابدين: «ندير حواراً لإخراج السودان من الأزمة.. نريد خلق مناخ لإدارة الحوار بصورة سليمة». وتابع: إذا طُلب منا رفع تعطيل الدستور سنفعل ذلك»، مشيراً إلى أن إعلان حالة الطوارئ هي التي تسببت بتعطيل الدستور. وكشف رئيس اللجنة السياسية، أن المجلس سيبدأ اتصالاته الخارجية بلقاء سفراء كافة الدول، مشيراً إلى أن المجلس سيتواصل خارجياً لفك الحصار عن السودان. وشدد على أن مدير جهاز الأمن كان من قادة هذا التغيير، مؤكداً أن قوات الدعم السريع قوى منضبطة، مضيفاً: «الشعب المتظاهر داعم لنا ونستجيب له».

وأخيرا، أعلن رئيس المجلس العسكري الانتقالي في السودان الفريق أول عبد الفتاح البرهان يوم السبت، إلغاء حظر التجول الليلي والإفراج عن جميع المعتقلين الذين ألقي القبض عليهم بموجب حالة الطوارئ في الاحتجاجات الأخيرة. كما تعهد البرهان، خلال خطاب أذاعه التلفزيون الرسمي السوداني، بأن تستمر الفترة الانتقالية لعامين كحد أقصى يتم في نهايتها أو خلالها تشكيل حكومة مدنية بالتشاور مع القوى السياسية. ودعا البرهان جميع المكونات السياسية إلى الحوار، مشدداً على أنه ستتم محاربة الفساد وتفكيك كل الواجهات الحكومية وغير الحكومية الحزبية. وأعلن رئيس المجلس العسكري الانتقالي وقف إطلاق النار في أرجاء السودان، داعياً السودانيين، مواطنين وأحزابا، العودة إلى ممارسة الحياة الطبيعية. ووعد البرهان أيضا بـ«اجتثاث» نظام الرئيس السابق عمر البشير. وقال إن المجلس سيعمل على إعادة هيكلة مؤسسات الدولة المختلفة بما يتفق مع القانون ومحاربة الفساد واجتثاث النظام ورموزه.

الخيار للسودانيين وحدهم، وهم فقط القادرون على تشكيل المرحلة المقبلة. وما نريده فقط هو تغليب الحوار على العنف، ورفع شعار السلم الوطني أولاً حتى لا يسمح لأي متسللين بإحداث فوضى تهدد الأمن الداخلي، وتطيح بأي آمال وطموحات في الاستقرار والرخاء والتنمية.


التعليقات