ياسر بركات يكتب : رحلة البحث عن الرجل الثانى بعد التعديلات الدستورية

السبت، بدأ المصريون الإدلاء بأصواتهم، على تعديلات دستورية، كان مجلس النواب المصرى قد وافق عليها بأغلبية ساحقة. وكانت البعثات الدبلوماسية فى الخارج قد فتحت أبوابها لاستقبال الناخبين المصريين المغتربين يوم الجمعة ولمدة ثلاثة أيام. ومن المقرر إعلان نتيجة الاستفتاء يوم27 أبريل الجاري.

الهيئة الوطنية للانتخابات قالت إن إجمالى عدد اللجان العامة للتصويت على الاستفتاء يبلغ 368 لجنة، وتضم 10878 مركزًا انتخابيا، و13919 لجنة فرعية، تفتح أبوابها على مدار ثلاثة أيام من التاسعة صباحًا حتى التاسعة مساءً. وأشارت الهيئة إلى أن عملية التصويت سوف تخضع لإشراف قضائى كامل بمشاركة 19ألفًا و339 قاضيًا (أساسى واحتياطي) منهم 15 ألفًا و324 قاضيًا فعليًا على صناديق الاقتراع والباقى احتياطي. وأعلنت الهيئة، موعد الاستفتاء على التعديلات الدستورية للمصريين فى الخارج، أيام الجمعة والسبت والأحد، 19 و20 و21 أبريل الجارى للمصريين فى الخارج، وأيام السبت والأحد والاثنين 20 و21 و22 أبريل، بالنسبة للمصريين فى الداخل.

التعديلات الدستورية المقترحة، تشمل تمديد فترة ولاية الرئيس إلى 6 سنوات، بدلا من أربع سنوات، والسماح له بالترشح بعدها لفترة جديدة مدتها 6 سنوات أخرى تنتهى فى 2030، كما جرى إقرار المادة التى تجيز تعيين نائب أو أكثر لرئيس الجمهورية، وكذلك مادة تنص على تشكيل مجلس أعلى للهيئات القضائية فى مصر، كما تتضمن التعديلات مواد أخرى تتعلق بتعيين النائب العام وتمثيل الشباب والمرأة داخل مجلس النواب ودور واختصاصات مجلس الشيوخ حال إقراره.

أسباب كثيرة، جعلت الأمور تسير بوتيرة سريعة لاستفتاء المواطنين على هذه التعديلات أبرزها اقتراب شهر رمضان وهو ليس وقتا مناسبا للاستفتاء مطلقاً من الناحية العملية. كما أنه بعد عيد الفطر ستبدأ منافسات كأس الأمم الأفريقية لكرة القدم وستركز قوات الأمن وأجهزة الدولة على هذا الحدث الرياضى الكبير. بالإضافة إلى أن الوضع الإقليمى المتوتر هو أحد عوامل الدفع بسرعة لإقرار التعديلات الدستورية دون التهويل من قدر هذا العامل أو التقليل منه، فهذه التعديلات لها ضرورات عملية فعلياً، جزء منها حفظ استقرار البلاد بوجود شكل محدد ومعروف ومستقر لآليات انتقال السلطة فى مصر.

فى 24 يونيو 1956 تم انتخاب جمال عبد الناصر رئيساً لمصر بالاستفتاء الشعبي، وفقاً لدستور يناير 1956. وهو أول دستور لثورة 23 يوليو 1952 التى أطاحت بحكم الملكية، وأسست الجمهورية. وبموجب التوجّهات القومية العربية لعبد الناصر، وإعلان قيام الوحدة بين مصر وسوريا، جاء دستور جديد فى عام 1958، وهو ما عُرف بـ«دستور الوحدة». وبعد انهيار تجربة الوحدة بين القاهرة ودمشق، جاءت تجربة "دستور 1964 المؤقت". وبعد وصول أنور السادات إلى سدة الحكم بموجب نيابته لناصر، ثم الاستفتاء على توليه الحكم، بدأ فى تجربة "دستور 1971"، الذى ظل سارياً لنحو 40 عاماً، وإن أُجرِيَت عليه تعديلات مختلفة. وكانت المرة الأولى عندما طرح الرئيس السادات، فى مايو 1980، على المواطنين الاستفتاء على التعديل الدستوري، الذى جرى بموجبه إلغاء القيد على حظر ترشيحه لأكثر من فترتين رئاسيتين.

اغتيال السادات فى أكتوبر 1981 حال دون خوضه استفتاء آخر، واستفاد الرئيس الأسبق حسنى مبارك، الذى خلف السادات فى منصب الرئاسة، من التعديل، وتمكن من دخول استفتاءات متعددة حتى تم إجراء تعديلات على دستور 1971 سنة 2005 لتنظيم اختيار رئيس الجمهورية بانتخابات مباشرة، وشمل ذلك تعديلات للمادة 76 التى أجريت على أثرها أول انتخابات رئاسية فى مصر. وسنة 2007 أجرى استفتاء ثانٍ على تعديلات شملت حذف الإشارات إلى النظام الاشتراكى للدولة، وغيرها من التعديلات المتعلّقة بانتخاب الرئيس.

الفترة التى تلت 25 يناير 2011، شهدت إجراء استفتاءين؛ أولهما فى عهد جماعة الإخوان، والثانى بعد الإطاحة بها. وبعد إزاحة حكم تنظيم "الإخوان" فى أعقاب "ثورة 30 يونيو"، أُجرِيَت تعديلات على الدستور. وقدّمت لجنة التعديل (الخمسين) 42 مادة مستحدثة، سلّمها رئيس اللجنة عمرو موسى، إلى رئيس الجمهورية المؤقت عدلى منصور، حتى بات الأمر أشبه بدستور جديد، عُرف بـ«دستور 2014»، ونال موافقة نحو 20 مليون مصري.

اقتراحات التعديلات تقدمت بها كتلة "دعم مصر" فى البرلمان وهى كتلة مهيمنة مؤيدة للحكومة. وجاء فى تقرير اللجنة الدستورية والتشريعية فى مجلس النواب عن التعديلات أن 155 نائبا وقعوا على الطلب الخاص بإجرائها. ووافق عليها نهائيا 531 نائبا من بين 596 عضوا فى مجلس النواب الذى تؤيد الأغلبية الساحقة من أعضائه الرئيس السيسي. وقال رئيس مجلس النواب على عبد العال إن نوابا فى البرلمان بادروا بطلب إجراء التعديلات وإن الرئيس السيسى قد يقرر ألا يرشح نفسه لفترة رئاسية جديدة.

تعديل المادة 140 يقضى بزيادة الفترة الرئاسية من أربع سنوات إلى ست سنوات. وبدلا من حظر صريح تتضمنه المادة قبل التعديل لشغل المنصب أكثر من فترتين رئاسيتين جعل التعديل القيد على الفترات الرئاسية تتالى الفترتين. وسمحت مادة انتقالية بتمديد فترة رئاسة الرئيس السيسى الحالية التى فاز بها فى 2018 ومدتها أربع سنوات إلى ست سنوات، وسمحت له بالترشح لفترة ثالثة فى عام 2024 وذلك على أساس زيادة مدة الفترة الرئاسية. وتضمنت التعديلات إنشاء مجلس ثان للبرلمان باسم مجلس الشيوخ عدد أعضائه 180 يختار الناخبون ثلثيهم بينما يعين رئيس الدولة الثلث الباقي. وأضيف إلى المادة 200 الخاصة بالقوات المسلحة مهاماً إضافية إلى جانب حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها، هى "صون الدستور والديمقراطية والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها ومكتسبات الشعب وحريات وحقوق الأفراد". كما تضمنت التعديلات أن يقوم رئيس الدولة بتعيين نائب أو أكثر له. ووفق التعديلات يعين رئيس الدولة رؤساء الهيئات القضائية والنائب العام من بين أعداد من المرشحين تقترحها تلك الهيئات. وتخصص التعديلات حصة من مقاعد مجلس النواب نسبتها 25 بالمائة للمرأة.

يمكننا أن نقول إن التعديلات مجرد إقرار لواقع، فدور الجيش فى الحياة السياسية المصرية أمر حادث بالفعل وما يجرى الآن هو مجرد دسترة لهذا الواقع. والحقيقة هى أن الجيش بالفعل يحمى مدنية الدولة وهذا واقع حدث ويحدث منذ أن سلم مبارك السلطة للجيش وأقر المصريون بسلطة الجيش بالهتاف (الجيش والشعب يد واحدة) وغادروا الميادين إقراراً للجيش بهذا الوجود. وما من شك فى أن ذلك أفضل من أجل التعامل مع هذا الواقع بدلاً من الالتفاف حوله أو إنكاره، الذى لن ينتج عنه أى شيء.

طبيعة وحجم الدور الذى تمثله مؤسسة القوات المسلحة فى البلاد، وانعكس ذلك فى السنوات التسع الأخيرة على نحو لافت، بتحرّكين بالغى الدلالة فى خضم تجاذبات واحتجاجات وتغيرات سياسية: إذ تدخّل الجيش فى أحداث "ثورة 25 يناير"، وساهم على وقع اعتصام المتظاهرين، فى تنحّى الرئيس الأسبق حسنى مبارك عن السلطة. ثم عاد مرة أخرى فى أحداث "ثورة يونيو" وعزل الرئيس الأسبق محمد مرسى من الحكم، بعد مظاهرات حاشدة، ودعا القائد العام للجيش (حينها) عبد الفتاح السيسى إلى "تفويض شعبي" من المواطنين لمواجهة جماعة "الإخوان".

أيضاً، وفق التعديلات، تُغيّر "المادة 193" طريقة اختيار رئيس المحكمة الدستورية، إذ تشير فى صورتها الحالية إلى أن "اختيار رئيس المحكمة ونوابه وأعضاء هيئة المفوضين يكون بناءً على قرار الجمعية العمومية لها، ويصدر الرئيس قراراً بتعيينهم". لكن التعديل الجديد يمنح "رئيس الدولة سلطة اختيار رئيس الدستورية من بين أقدم 5 نواب، كما يعيّن نائب رئيس المحكمة".

وفى الشأن القضائى نفسه تأتى إضافة فقرة لـ«المادة 189» التى تحدّد طريقة اختيار النائب العام، وتُلزم فى صورتها الحالية أن "يتولى النيابة العامة نائب عام يختاره مجلس القضاء الأعلى (...) ويصدر بتعيينه قرار من رئيس الجمهورية". غير أن التعديل يشير إلى أن "يتولى النيابة العامة نائب عام يصدر بتعيينه قرار من رئيس الجمهورية من بين ثلاثة يرشحهم مجلس القضاء الأعلى".

هناك تعديل آخر يرتبط بالسلطة القضائية، جاء فى مقترح تعديل "المادة 190" التى تنصّ على أن "مجلس الدولة جهة قضائية مستقلة، يختصّ دون غيره بالفصل فى المنازعات الإدارية (...) ومراجعة وصياغة مشاريع القوانين والقرارات ذات الصفة التشريعية". وجاء التعديل ليضيف عبارة "التى تُحال إليه"، الأمر الذى من شأنه السماح لمجلس الدولة بمراجعة مشاريع القوانين التى ينظرها البرلمان، فى حال قرر الأخير إحالتها، وإنهاء الإلزام الذى تنص عليه المادة الحالية بإحالة كل القوانين لمراجعتها وصياغتها.

أما تعديل "المادة 189"، فيُنشأ بموجبها "مجلس أعلى للجهات والهيئات القضائية" برئاسة رئيس الجمهورية. وتنص كذلك على أن "يُعين رئيس الجمهورية رؤساء الجهات والهيئات القضائية من بين أقدم سبعة من نوابهم، وذلك لمدة أربع سنوات، أو للمدة الباقية حتى بلوغه سن التقاعد، أيّهما أقرب، ولمرة واحدة طوال مدة عمله".

أما بالنسبة لطريقة إصدار القرار فى المجلس فإنها تكون "بموافقة أغلبية أعضائه على أن يكون من بينهم رئيس المجلس". وأثناء مناقشة هذه المادة دبّ خلاف بشأن إنابة رئيس الدولة لوزير العدل فى رئاسة "المجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية"، ونشب جدال بين عبد العال، ومعدّى صياغة التعديلات، إذ نوّه عبد العال بعدم جواز ترؤس مسئول تنفيذى (وزير العدل) مجلساً يضم ممثلى الهيئات القضائية، واعتبر أن ذلك "يمسّ استقلال القضاء". وانتهى الخلاف بشأن تلك المسألة بالوصول إلى صيغة تسمح لرئيس الجمهورية، فى حالة غيابه، بأن يفوّض من يراه "من بين رؤساء الجهات والهيئات القضائية".

بموافقة من مجلس النواب، على نصوص التعديلات، أقرّ البرلمان بنفسه تقليص عدد مقاعده. وبينما يسجل عدد أعضاء البرلمان الحالى 596 نائباً، تأتى التعديلات ليُشكَّل "مجلس النواب من عدد لا يقل عن أربعمائة وخمسين عضواً، يُنتخبون بالاقتراع العام السرى المباشر، على أن يُخصَّص للمرأة ما لا يقل عن رُبع إجمالى عدد المقاعد". وبدون صلاحيات تشريعية، جاءت التعديلات لتعيد مجلس الشيوخ إلى الحياة السياسية المصرية، وهو الذى كان سابقاً يحمل اسم "مجلس الشورى". ولقد حدّدت "المادة 248" اختصاصات المجلس المتمثلة فى "دراسة واقتراح ما يراه كفيلاً بتوسيع دعائم الديمقراطية، ودعم السلام الاجتماعى والمقوّمات الأساسية للمجتمع وقيمه العليا والحقوق والحريات والواجبات العامة، وتعميق النظام الديمقراطى وتوسيع مجالاته".

بموجب التعديلات "تكون مدة عضوية مجلس الشيوخ خمس سنوات، تبدأ من تاريخ أول اجتماع له، ويجرى انتخاب المجلس الجديد خلال الستين يوماً السابقة على انتهاء مدته، وينتخب ثلثا أعضائه بالاقتراع العام السِّرّى المباشر، ويعيِّن رئيس الجمهورية الثلث الباقي"، ويشكل "الشيوخ" "من عددٍ من الأعضاء يحدّدهم القانون على ألا يقلّ عن (180) عضواً". وفى مادة أخرى، هى "المادة 249"، تُلزِم التعديلات بأن يؤخَذ برأى مجلس الشيوخ فى "الاقتراحات الخاصة بتعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور، ومشروع الخطة العامة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، ومعاهدات الصلح والتحالف وجميع المعاهدات التى تتعلق بحقوق السيادة، ومشروعات القوانين ومشروعات القوانين المكملة للدستور التى تُحال إليه من رئيس الجمهورية أو مجلس النواب، وما يحيله رئيس الجمهورية إلى المجلس من موضوعات تتصل بالسياسة العامة للدولة أو بسياستها فى الشئون العربية أو الخارجية". ويشترط فى مَن يترشح لعضوية مجلس الشيوخ أو من يُعيَّن فيه أن "يكون مصرياً متمتعاً بحقوقه المدنية والسياسية، حاصلاً على مؤهل جامعى أو ما يعادله على الأقل، وألا تقل سنه يوم فتح باب الترشح عن خمس وثلاثين سنة ميلادية".

بأغلبية ساحقة، وافق مجلس النواب على التعديلات، وجاء فى تقرير اللجنة الدستورية والتشريعية عن التعديلات أن التعديل الذى يسمح بزيادة مدة الفترة الرئاسية للرئيس السيسى والسماح له بالسعى لفترة رئاسية ثالثة جاء "ابتداء وانتهاء من نواب الشعب تقديرا للدور التاريخى لرئيس الجمهورية". وقال مقدمو طلب التعديلات إن السيسي، الذى شغل منصب وزير الدفاع، وصل إلى سدة الرئاسة بتفويض كبير من الشعب بعد احتجاجات حاشدة على حكم سلفه محمد مرسى المنتمى لجماعة الإخوان المسلمين فى 2013. ويقولون أيضا إن السيسى يستحق الاستمرار فى المنصب بعد تحسن المؤشرات الاقتصادية وكذلك من أجل المزيد من تحسن الاقتصاد.

تقرير اللجنة الدستورية والتشريعية أشار إلى ان جلسات حوار مجتمعى عقدت فى مجلس النواب قبل موافقة البرلمان النهائية على التعديلات أظهرت تأييدا عاما قويا لها من ممثلى الهيئات الدينية والسياسية والتعليمية والمهنية والمدنية الذين شاركوا فى الجلسات. وأقر تقرير اللجنة الدستورية والتشريعية بوجود بعض المعارضة للتعديلات من أعضاء فى السلطة القضائية واثنتين من منظمات المجتمع المدنى ومعارضين سياسيين. كما صوت ضد التعديلات 22 نائبا. ويقول المعارضون إن مكتسبا أساسيا من مكتسبات انتفاضة 2011 التى أطاحت بحسنى مبارك بعد 30 عاما فى الحكم وهو الانتقال السلمى للسلطة بات مهددا. ويقولون إن الرئيس السيسى والدائرة المحيطة به وقادة الأجهزة الأمنية يقفون وراء التعديلات. وعبروا عن مخاوف من توغل القوات المسلحة فى الحياة المدنية بعد التعديلات التى أعطتها دور حماية الديمقراطية.

مر شهران ونصف الشهر، على تقديم التعديلات فى بداية فبراير إلى البرلمان، وهى فى تصورى فترة كافية جدا لمناقشتها، وهو ما حدث بالفعل، وتم طرح مختلف وجهات النظر تقريبا، فى الحوار المجتمعى داخل البرلمان، وكان أمام الناخبين أربعة أيام لقراءة التعديلات الدستورية واستيعابها بعد موافقة مجلس النواب النهائية عليها.


التعليقات