ياسر بركات يكتب عن : رسالة الصين إلى طهران

أمريكا لا تعترف بالتفاوض

نكرر السؤال: ما الذى ستحصل عليه إيران، أو سيتم إجبارها على تقديمه، على طاولة المفاوضات؟، وسبب تكرار طرح السؤال هو أن الولايات المتحدة لا تحترم طاولة المفاوضات وحاولت ممارسة أكبر قدر من الضغط فى الساعات القليلة التى تسبق آخر جولة مفاوضات تجارية أمريكية - صينية، مع تحويل التهديد الأمريكى برفع الرسوم الجمركية على واردات صينية بقيمة 200 مليار دولار سنوياً، إلى أمر واقع. وكان تبرير الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، هو أنه لن يرضخ لابتزاز خلال المفاوضات.

فى هذا السياق، ووفقاً لإشعار نُشر فى السجل الاتحادى الأمريكى يوم الأربعاء، قامت الولايات المتحدة رسمياً برفع الرسوم الجمركية من 10% إلى 25% على واردات صينية بقيمة 200 مليار دولار بدءاً من يوم الجمعة، وقال الإشعار الوارد فى السجل الاتحادى إن مكتب الممثل التجارى الأمريكى سيدشن عملية لطلب استثناءات لمنتجات معينة من رسوم إضافية. وبالفعل، قامت الولايات المتحدة بتصعيد حرب الرسوم الجمركية مع الصين، يوم الجمعة، عبر زيادة الرسوم على سلع صينية بقيمة 200 مليار دولار إلى 25%، فى ظل محادثات تمثل محاولة أخيرة لإنقاذ اتفاق تجاري. لكن حتى فى الوقت الذى تهدد فيه بكين بالرد، اتفق مفاوضون فى واشنطن على الاستمرار فى التفاوض لليوم الثاني، ما يُبقى على آمال التوصل إلى اتفاق فى نهاية المطاف.

ترامب قال إنه "ليس متعجلاً على الإطلاق"، لاستكمال اتفاق تجارى مع الصين، وغرّد على "تويتر": "المحادثات مع الصين تتواصل بشكل ودى جداً - لا حاجة على الإطلاق للإسراع - فيما تسدد الصين رسوماً جمركية بنسبة 25% للولايات المتحدة على سلع ومنتجات بقيمة 250 مليار دولار". وقال ترامب أيضاً إن الرسوم فى بعض النواحى أفضل من التوصل لاتفاق تجاري. وكتب: "الرسوم ستعود على بلدنا بثروة أكبر بكثير من اتفاق تقليدى من نوعه. وهى أيضاً أسرع وأكثر سهولة". ويصر ترامب على أن الصين ستدفع الرسوم، لا المستهلكون الأمريكيون، لكن أسعار عدد من المنتجات ارتفعت مع تحمل الشركات الأمريكية التكاليف.

الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، أصدر أوامر زيادة الرسوم الجمركية، قائلاً إن بكين "خرقت الاتفاق" عبر التنصل من تعهدات قدمتها خلال أشهر من المفاوضات. ويتبنى ترامب سياسات حماية تجارية فى إطار شعار "أمريكا أولاً". كما قال ترامب إنه سيبدأ العمل على الإعداد لفرض رسوم جمركية نسبتها 25% على واردات صينية أخرى بقيمة 325 مليار دولار. وقال وزير التجارة الأمريكى ويلبر روس، للصحفيين فى لوكسمبورج، إن الصين مسئولة عن نصف العجز فى الميزان التجارى لبلاده، وتشكل واردات السيارات النصف الآخر. وقال روس: "يأتى نحو نصف عجزنا التجارى من منتج واحد، وهو السيارات. ونحو النصف الآخر من عجزنا التجارى يأتى من منطقة جغرافية تسمى الصين". وأضاف: "وبالتالى لخفض هذا العجز التجارى - وهو أحد أكبر أهداف هذه الإدارة - نحتاج إلى التعامل مع الصين ككيان، ونحتاج إلى التعامل مع السيارات كخط إنتاج".

فى بكين، قالت وزارة التجارة الصينية إنها "تأسف بشدة" للقرار الأمريكي، مضيفة أنها ستتخذ الإجراءات المضادة الضرورية، دون أن تذكر تفاصيل. وتحدث نائب رئيس الوزراء الصينى ليو هي، والممثل التجارى الأمريكى روبرت لايتهايزر، ووزير الخزانة الأمريكى ستيفن منوتشين، لمدة 90 دقيقة، الخميس الماضى، وواصلوا الجمعة الماضية، مساعى لإنقاذ اتفاق قد يُنهى حرباً تجارية مستمرة منذ عشرة أشهر بين أكبر اقتصادين فى العالم. وقالت وزارة التجارة الصينية، إن المحادثات مستمرة، وإنها "تأمل فى أن يكون بمقدور الولايات المتحدة لقاء مع الصين فى منتصف الطريق، وبذل جهود مشتركة، وحل القضية عبر التعاون والتشاور". وفى ضوء تقدم المفاوضات، وعدم اتخاذ إدارة ترامب أى تحرك لوقف الزيادة، فرضت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية الرسوم الجمركية الجديدة بنسبة 25% على أكثر من 5700 فئة منتجات غادرت الصين بعد الساعة 12:01 بتوقيت الولايات المتحدة (04.01 بتوقيت جرينتش) يوم الجمعة.

لن تخضع الشحنات القادمة بحراً من الصين قبل منتصف الليل للضريبة الجديدة، طالما وصلت إلى الولايات المتحدة قبل أول يونيو المقبل. وستدفع تلك الشحنات الرسوم الأصلية البالغة 10%. ولم يتم تطبيق فترة سماح فى الجولات الثلاث السابقة من الرسوم الجمركية التى فُرضت العام الماضى على سلع صينية، والتى حظيت بفترات إخطار أطول بلغت ما لا يقل عن ثلاثة أسابيع قبل دخول الرسوم حيز النفاذ. وكتب بنك "جولدمان ساكس" الاستثمارى فى مذكرة: "هذا التأجيل قد يخلق فرصة غير رسمية سيمكن خلالها للولايات المتحدة والصين مواصلة التفاوض"، مضيفاً أن هذه "إشارة إيجابية نوعاً ما" على استمرار المحادثات. ومنح ترامب المستوردين الأمريكيين إخطاراً تقل مدته عن خمسة أيام بشأن قراره زيادة الرسوم على سلع بقيمة 200 مليار دولار إلى 25%، والتى تماثل حالياً النسبة المفروضة فى وقت سابق على آلات ومنتجات تكنولوجية صينية بقيمة 50 مليار دولار. كما هدد بفرض رسوم جديدة قريباً. وقالت "أوكسفورد إيكونوميكس للاستشارات"، إن الرسوم الإضافية قد تقلص الناتج المحلى الإجمالى الأمريكى بنسبة 0.3%، والناتج الصينى بنسبة 0.8% فى 2020.

جيمس جرين، المستشار لدى "ماكلارتى أسوسيتس"، الذى كان حتى أغسطس الماضي، أكبر مسئول بمكتب الممثل التجارى الأمريكى فى السفارة فى بكين، "أعتقد أن الصينيين فى النهاية سيرغبون فى استمرار المفاوضات... السؤال: أين سيتوجهون بالرد؟". ويعتقد جرين أن الصين ستعزز الحواجز غير المتعلقة بالرسوم على الشركات الأمريكية، مثل تأجيل موافقات الجهات التنظيمية، إذ ليس بمقدورها فرض رسوم جمركية أعلى على واردات سلع أمريكية بالقيمة نفسها. والقطاع الأكبر تأثراً من الواردات الصينية بأحدث زيادة للرسوم هو فئة تبلغ قيمتها ما يزيد عن 20 مليار دولار، وتضم أجهزة "مودم" الإنترنت وأجهزة التوجيه (رواتر) وأجهزة أخرى لنقل البيانات، تليها لوحات الدوائر المطبوعة، البالغة قيمتها نحو 12 مليار دولار، والمستخدمة على نطاق واسع فى منتجات مُصنعة فى الولايات المتحدة. كما تتصدر قائمة المنتجات الخاضعة لزيادة الرسوم الجمركية الأثاث ومنتجات الإضاءة ومكونات السيارات والمكانس الكهربائية ومواد البناء. وبعد ساعات من تحرك الولايات المتحدة، الذى سيفرض مزيداً من الضغوط على الاقتصاد الصينى المتباطئ بالفعل، قال البنك المركزى الصينى إن بمقدوره بالكامل التكيف مع أى ضبابية خارجية.


التعليقات