ياسر بركات يكتب عن : كارثة ترامب الجديدة!

وهبوط مخيف للاقتصاد العالمى

وزارة التجارة الأمريكية تلطم الخدين.. والصين تترقب نتائج الانهيار بعد تصريحات البيت الأبي

كرد فعل طبيعى على تصريحات أدلى بها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، هوى مؤشر "داو جونز" الصناعى فى وول ستريت، الذى يستشهد به ترامب دائما فى حديثه عن حال الاقتصاد، أكثر من 500 نقطة ، فى الوقت الذى انقلب فيه منحنى عائد السندات مرة أخرى، ما يشير إلى الركود الاقتصادى المتوقع.

الواقع، هو أن أى مؤشرات على إمكانية اتجاه الاقتصاد الأمريكى نحو ركود تمثّل خبراً سيئاً جداً بالنسبة لترامب، وذلك على اعتبار أن قوة الاقتصاد تمثّل واحدة من أهم حججه وبطاقات اعتماده لإعادة انتخابه فى 2020. فتاريخياً، يفوز الرؤساء الأمريكيون بإعادة الانتخاب إذا كان الاقتصاد فى حالة جيدة، ويخسرون إذا كان الاقتصاد فى حالة سيئة. غير أن ترامب يواجه عراقيل إضافية فى عام 2020. ذلك أن كل استطلاعات الرأى تصنّفه كواحد من أقل الرؤساء شعبية فى عامه الأخير، خاصة فى أوساط الناخبين من الأقليات. وفى حال توجهت هذه المجموعات إلى مكاتب الاقتراع يوم التصويت بالأرقام نفسها التى شاركت فى الانتخابات التى أسفرت عن فوز أوباما الثانى سنة 2012، لكنها تخلفت عن التصويت لصالح هيلارى كلينتون فى 2016، فيمكن القول إن ترامب سيكون فى ورطة كبيرة. وهذا ما يفسّر اهتمامه بالاقتصاد ومخاوفه من أن يكون الاقتصاد الأمريكى بصدد التراجع مع دخولنا إلى سنة انتخابية مهمة وحاسمة.

الرئيس الأمريكى تساءل عما إذا كان الشخص الذى عينه لرئاسة البنك المركزى هو "عدو" أكبر من الرئيس الصينى شى جين بينج. وكتب على "تويتر": "كالمعتاد، مجلس الاحتياطى الاتحادى لم يفعل شيئا! لدينا دولار قوى جدا ومجلس احتياطى اتحادى ضعيف جدا... سؤالى هو، من هو عدونا الأكبر، جاى باول أم الرئيس شى؟". وأشار ترامب إلى أنه يخطط لاتخاذ إجراء سيؤثر على الدولار ومجلس الاحتياطى الاتحادى، لكنه كان غير واضح بشأن ماذا سيكون ذلك الإجراء. ويسير باول على حبل مشدود بين الآراء المتنافسة حول السياسة الصحيحة والدفاع عن استقلال المؤسسة بمواجهة التدخلات السياسية.

فى كلمة ألقاها فى منتدى اقتصادى سنوى لمجلس الاحتياطى فى منتجع جاكسون هول الجبلى بولاية وايومنج، قال جاى باول إن الاقتصاد الأمريكى فى "موضع موات" وإن البنك المركزى "سيتصرف بالطريقة المناسبة" للحفاظ على النمو الاقتصادى الحالى، وهى تعليقات قدمت قرائن قليلة بشأن ما إذا كان البنك المركزى الأمريكى سيخفض أسعار الفائدة فى اجتماعه القادم أم لا.

باول، الذى يتعرض لضغوط من ترامب لإجراء خفض كبير وسريع فى أسعار الفائدة، عدد سلسلة من المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية التى يراقبها مجلس الاحتياطى، مشيرا إلى أن الكثير منها مرتبط بالحروب التجارية لإدارة ترامب مع الصين ودول أخرى. غير أنه قال: "الاقتصاد الأمريكى يواصل أداء جيدا بشكل عام... استثمار الشركات وقطاع التصنيع تراجعا لكن نموا قويا للوظائف وزيادات فى الأجور يقودان استهلاكا قويا ويدعمان نموا معتدلا بشكل عام". وأضاف باول أنه إذا عطلت الحروب التجارية استثمار الشركات والثقة وساهمت فى "تدهور" النمو العالمى فإن المركزى الأمريكى قد لا يتمكن من إصلاح كل ذلك من خلال السياسة النقدية.

مع تصعيد بكين إجراءاتها الانتقامية فى الحرب التجارية الدائرة مع واشنطن، حذر باول من أن التوتر التجارى يزيد من تفاقم التباطؤ العالمى، وأن البنك ليس لديه "إجراءات محددة" للتعامل مع حالة الغموض. ورغم ذلك، قلل من المخاوف من أن زيادة الحوافز يمكن أن تؤدى إلى ارتفاع التضخم، وقال: "يبدو أن تراجع نسبة التضخم وليس ارتفاعها هو مشكلة هذه الحقبة".

الحرب التجارية مع الصين التى بدأها الرئيس دونالد ترامب، تصاعدت خلال الأشهر الأخيرة، وأدت إلى تقلص ثقة قطاع الأعمال وانخفاض الاستثمارات، وتقلبات كبيرة فى الأسواق المالية العالمية. وخفض الاحتياطى الفيدرالى معدل الفائدة المعيارية الشهر الماضى لأول مرة منذ أكثر من عشر سنوات، لأسباب بينها التأثيرات المتوقعة للحرب التجارية على نمو الاقتصاد.

فى خطابه المنتظر أوضح باول أن البنك المركزى ليس لديه سوى أدوات محدودة لمواجهة الحرب التجارية. وقال إن "الأسابيع الأولى منذ اجتماع لجنة الأسواق المفتوحة فى البنك فى يوليو كانت حافلة، ابتداء من الإعلان عن فرض رسوم جمركية جديدة على الواردات من الصين". وأضاف أن "التوقعات للنمو العالمى تتدهور منذ منتصف العام الماضى. ويبدو أن الغموض بشأن السياسة التجارية يلعب دورا فى التباطؤ العالمى وفى ضعف التصنيع وإنفاق رأس المال فى الولايات المتحدة".

كثير من مسئولى البنك أكدوا فى المؤتمر معارضتهم خفض معدلات الفائدة بشكل أكبر لتحفيز الاقتصاد لأسباب عدة بينها أن ذلك يمكن أن يؤدى إلى ارتفاع الأسعار. وأضاف باول: "فى الحالة غير المرجحة بظهور مؤشرات على عودة التضخم المرتفع، لدينا أدوات مجرّبة للتعامل مع ذلك". ومن جهته، قال إيان شيفردسون من معهد "بانثيون" للاقتصاد الكلى إن "باول أكثر دبلوماسية فى لغته من الرئيس (...) لكن من الواضح من كلمته أن العامل الوحيد الذى يحرك تقلبات السوق والتباطؤ العالمى والمخاوف من تباطؤ أمريكى هى السياسة التجارية".

كان روبرت كابلان رئيس بنك الاحتياطى الاتحادى فى دالاس قد أعلن، يوم الخميس، عن أن خفض البنك المركزى الأمريكى أسعار الفائدة فى يوليو كان إجراء مناسبا لكنه يود تفادى خفض آخر للفائدة فى سبتمبر. وأضاف أنه ينظر "بعقل منفتح" فيما يتعلق باتخاذ إجراء بشأن أسعار الفائدة فى الأشهر المقبلة إذا كانت هناك حاجة إلى ذلك. وأبلغ كابلان محطة تلفزيون سي.إن.بي.سى بأن التوقعات لنمو الاقتصاد الأمريكى هذا العام تبلغ نحو 2%، لكنه يراقب ضعفا فى قطاع الصناعات التحويلية وتباطؤا فى النمو العالمى.

الأسهم الأوروبية هبطت أيضا إثر التطورات غير المريحة للأسواق، بينما أصاب غياب اتجاه واضح بشأن مسار أسعار الفائدة الأمريكية المستثمرين بإحباط. وجاء رد الأسواق حادا على تلك التطورات، وأغلق مؤشر ستوكس 600 الأوروبى منخفضا 0.7% بعد جلسة متقلبة. وهبط المؤشر داكس الألمانى الحساس للتجارة 1.2%. وجاءت أسهم السيارات والتعدين والتكنولوجيا، وهى قطاعات حساسة للتجارة، فى مقدمة الخاسرين بينما كانت أسهم الشركات العقارية الوحيدة التى سجلت مكاسب. وفى بورصة لندن، سجل المؤشر فايننشال تايمز 100 للأسهم البريطانية رابع أسبوع على التوالى من الخسائر، وهى أطول سلسلة انخفاضات منذ فبراير، متضررا إلى حد كبير من هبوط أسهم عملاقى النفط شل وبى بى. وشهدت الأسهم الأوروبية تقلبات حادة فى أغسطس وسط مخاوف من أن الآثار الاقتصادية للحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين ستدفع اقتصادات كبرى إلى الركود.

الجمعة، قالت وزارة التجارة الأمريكية إن مبيعات المنازل الجديدة لأسرة واحدة فى الولايات المتحدة انخفضت بأكثر من المتوقع فى يوليو، وهو ما يشير إلى استمرار تباطؤ فى سوق الإسكان رغم تراجع معدلات الرهون العقارية وسوق عمل قوية. وقالت الوزارة إن مبيعات المنازل الجديدة هبطت الشهر الماضى 12.8% إلى وتيرة سنوية معدلة حسب العوامل الموسمية قدرها 635 ألف وحدة. وهذا هو أكبر انخفاض شهرى منذ يوليو العام 2013. وعلى أساس سنوى ارتفعت مبيعات المنازل الجديدة 4.3% الشهر الماضى. وبلغ متوسط سعر المنزل الجديد 312800 دولار بانخفاض قدره 4.5% عن مستواه قبل عام.

المخاوف بشأن تباطؤ النمو؛ خصوصاً المرتبطة بالتوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين وكذلك ضعف الاقتصادات الخارجية، يمكن أن تشجع مجلس الاحتياطى الاتحادى على خفض أسعار الفائدة فى سبتمبر للمرة الثانية هذا العام. ورغم إسهام تراجع فوائد الرهون العقارية وانخفاض البطالة إلى أدنى معدل فى نحو 50 عاما فى دعم الطلب على المنازل، فإن ارتفاع أسعار مواد البناء والأراضى ونقص العمالة يضعفان قدرة شركات البناء على توفير المزيد من الوحدات بأسعار ميسورة.

منذ أسابيع، خفض صندوق النقد الدولى توقعاته لنمو الاقتصاد العالمى، مجدداً، فى ظل تصاعد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، واستمرار المصاعب التى تواجه انفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبى، واستمرار انخفاض معدلات التضخم، حيث توقع الصندوق نمو الاقتصاد العالمى بنسبة 3.2% فى عام 2019، بتراجع 0.1% عن توقعاته السابقة فى أبريل الماضى، وبتراجع 0.3% مقابل توقعاته فى بداية العام الحالى.

الصندوق أشار إلى انخفاض حجم التجارة العالمية بنسبة 0.5% على أساس سنوى فى الربع الأول من عام 2019 بما يعكس إلى حد ما التوترات التجارية الحالية. وكانت الصين والولايات المتحدة قد رفعتا الرسوم الجمركية على بعض السلع المتداولة بين الدولتين بمليارات الدولارات فى مايو الماضى، الأمر الذى تسبب، وفقاً لتقرير صادر عن وحدة الأبحاث العالمية فى بنك الكويت الوطنى، فى تراجع توقعات نمو الاقتصاد العالمى وأرباح الشركات، حيث نقلت بعض الشركات سلاسل الإمداد خارج الصين لتجنب الرسوم الجمركية.

بالإضافة إلى ذلك، يأتى التأثير الكبير لانفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبى، المقرر فى 31 أكتوبر، على المعنويات، نظراً للاضطرابات المتوقعة فى حال تنفيذ الانفصال دون التوصل إلى اتفاق. وبالنظر إلى التضخم، تظل المعدلات الحالية أقل من المستويات المستهدفة للاقتصادات المتقدمة مثل الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، وهو ما دفع البنوك المركزية الكبرى إلى الحفاظ على أسعار الفائدة المنخفضة عند أدنى مستوياتها تاريخياً.

عن الولايات المتحدة الأمريكية، قال التقرير إن النمو الاقتصادى تباطأ فى الربع الثانى من عام 2019، إلا أنه لا يزال يتخطى التوقعات فيما يعزى بصفة رئيسية إلى قوة الإنفاق الاستهلاكى والحكومى، حيث ارتفع الناتج المحلى الإجمالى بنسبة 2.1% على أساس سنوى فى الربع الثانى المنتهى فى يونيو. وتلقى المستثمرون بيانات إيجابية فى الأسابيع القليلة الماضية؛ بما فى ذلك انتعاش سوق التوظيف ومبيعات التجزئة والطلب على السلع المعمرة، إلا أن الأسواق ما زالت تراهن بشدة على قيام مجلس الاحتياطى الفيدرالى بتيسير السياسة النقدية فى اجتماعه المقرر انعقاده هذا الأسبوع، حيث رفع المستثمرون مستوى توقعات إقدام "الفيدرالى" على خفض معدل الفائدة بواقع 25 نقطة أساس فى اجتماع 31 يوليو إلى 83.5%.

إلى ذلك، ارتفعت طلبيات السلع المعمرة (التى تدوم 3 سنوات أو أكثر) بنسبة 2% فى يونيو الماضى إلى 246 مليار دولار، ما يعد أقوى ارتفاع تسجله منذ أغسطس 2018. ويمثل ذلك النمو انتعاشاً قوياً مقابل التراجع الذى شهدته فى مايو بنسبة 2.3%، وفى أبريل بنسبة 1.3%، ما كان يمثل أول تراجعين متتالين خلال عام واحد.

ومن غير المرجح أن يؤدى ذلك إلى تغيير التوقعات المؤيدة لانكماش حجم الاستثمارات بوتيرة أعلى فى الربع الثانى بما ساهم فى كبح جماح النمو الاقتصادى. وقام مجلس الاحتياطى الفيدرالى بتسليط الضوء على الاستثمار والإسكان كنقاط ضعف للاقتصاد الأمريكى، حيث وصف رئيس مجلس الاحتياطى الفيدرالى جيروم باول، الاستثمار التجارى، بأنه "تباطأ بشكل ملحوظ"، وقال إن هذا قد "يعكس المخاوف بشأن التوترات التجارية وتباطؤ نمو الاقتصاد العالمى".

كان رد فعل السوق على تلك البيانات خافتاً بصفة عامة. وارتفع العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات فى البداية بما يشير إلى تراجع الأسعار، إلا أنه شهد انخفاضاً فى وقت لاحق. وارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين، وهو الأكثر حساسية تجاه تحركات أسعار الفائدة، بواقع 3 نقاط أساس قبل أن ينخفض هو الآخر.

من جهة أخرى، ارتفع مؤشر الدولار الأمريكى مقابل سلة من العملات بعد صدور تلك البيانات، مواصلاً الارتفاعات التى سجلها مؤخراً بما مكنه من العودة إلى أعلى مستوياته المسجلة منذ أكثر من عامين عند 97.68 فى مايو الماضى. وتهاوى اليورو إلى أقل مستوى خلال السنة عند 1.1100 دولار، الأسبوع الماضى، وفى المقابل كسر الإسترلينى حاجز 1.24 دولار، ووصل إلى أدنى مستوى فى 2019 عند 1.2374 دولار.

وعلى الرغم من أن تأثير النتائج المالية للشركات قد انعكس إيجابياً على أداء الأسهم بصفة عامة، فإن المخاوف بشأن التجارة وتباطؤ نمو الاقتصاد العالمى ما زالت تلقى بظلالها، حيث تمكنت شركة "فيسبوك" من تحقيق المزيد من الإيرادات وإضافة مستخدمين جدد فى الربع الأخير، كما سجلت مبيعات شركة "تسلا" من السيارات الكهربائية أرقاماً قياسية، فيما سجلت "أمازون" أرباحاً أقل من المتوقع. ومن جهة أخرى، تجاوزت إيرادات شركة "ألفا بت"، الشركة الأم لـ"جوجل"، التوقعات، حيث سجلت 31.7 مليار دولار متفوقة على توقعات المحللين البالغة 30.8 مليار دولار. وقد حققت مبيعات إعلانات "جوجل" نمواً بنسبة 16%، الذى يعد أبطأ من الفترات الأخيرة، رغم أنه جاء أفضل من المؤشرات الضعيفة التى تم تسجيلها فى الربع الأول من عام 2019، وذلك عندما سجلت الشركة نتائج أقل من توقعات "وول ستريت"، وهو ما نتج عنه تراجع سعر سهم الشركة.

لم يطرأ تغير يذكر على مؤشر "يورو ستوكس 600" مع ارتفاع أسهم وسائل الإعلام والضغوط التى تعرضت لها شركات التجزئة. كما تراجع مؤشر "مورجان ستانلى" للأسواق الناشئة بنسبة 0.4%، فيما يعد أدنى تراجعاته منذ أكثر من أسبوعين. أما على صعيد "وول ستريت"، فقد انخفض مؤشر "ستاندرد آند بورز 500"، ولكنه تعافى ولا يزال يتداول عند أعلى مستوياته القياسية على الإطلاق البالغ 3025.86 نقطة، علماً بأن المؤشر قد ارتفع بنسبة 22% منذ بداية عام 2019.


التعليقات