ياسر بركات يكتب عن : الطريق الطويل لقمة الكبار من كندا إلى باريس

مصر تعبر أكبر جسر عالمى لتجلس على القمة

كنا ضيوفا على الدورة الـ45 من «قمة مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى» التى تضم قادة الدول الصناعية الكبرى: الولايات المتحدة، وبريطانيا، وكندا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان، خلال يومين من المباحثات والمناقشات وتبادل الآراء والأفكار حول عدد من القضايا ذات الاهتمام العالمى المشترك.

بالمقارنة، مع قمة العام الماضى، التى عقدت فى كندا وانتهت بفوضى واضحة واتهامات متبادلة، يبدو أن قمة بياريتز الفرنسية مرت فى سلاسة وهدوء. حتى إن بعض المحللين رأوا أن نجاح القمة يمكن إضافته إلى قائمة الإنجازات الدبلوماسية للرئيس الفرنسى.

الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون أتاح للزعماء المشاركين تصفح واستعراض القضايا العالمية ذات الأهمية، لكن من دون الاستغراق فيها فعلياً. وفى القضايا التى استشعر فيها احتمال نشوب الصدام، كما هو الحال دوماً مع قضية التغييرات المناخية الشائكة، فإنه جعل حضور المداولات اختيارياً بين القادة؛ الأمر الذى أتاح للرئيس الأمريكى دونالد ترامب، المعارض الكبير لقضية التغييرات المناخية منذ فترة ليست بالقصيرة، النأى بنفسه والبقاء بعيداً عن تلك النقاشات.

تناولت قمة الدول السبع هذا العام عددا من الموضوعات، من بينها قضايا الأمن الدولى ومكافحة الإرهاب والتطرف، ومواجهة استخدام الإنترنت للأغراض الإرهابية، وسبل مواجهة الإتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية، ومكافحة عدم المساواة ودعم تمكين المرأة خاصة فى إفريقيا، فضلاً عن قضايا البيئة والمناخ والتنوع البيولوجى، وتطورات النظام الاقتصادى والمالى العالمى. واستقبل الرئيس السيسى بمقر إقامته كلا من رئيس رواندا بول كاجامى، ورئيس السنغال ماكى سال، ورئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا، ورئيس بوركينا فاسو روك كابورى، ورئيس المفوضية الإفريقية موسى فقيه، وذلك خلال غداء عمل استضافه الرئيس باعتباره رئيس الاتحاد الأفريقى، وتنسيقا للمواقف الإفريقية خلال قمة مجموعة الدول السبع وإفريقيا بمدينة «بياريتز» الفرنسية.

الرئيس السيسى شارك فى جلسة عمل حول «الشراكة بين مجموعة الـ٧ وإفريقيا»، بحضور الرئيس الفرنسى ايمانويل ماكرون وقادة دول مجموعة الـ٧. وبحثت الجلسة اطلاق شراكة متوازنة بين الجانبين لتعزيز القدرة على مواجهة التحديات السكانية والاقتصادية والمناخية، ومناقشة القضايا التى تؤثر على الاستقرار السياسى والاقتصادى فى القارة الإفريقية. وألقى الرئيس السيسى كلمة أمام قمة شراكة مجموعة السبع وإفريقيا، باعتباره رئيس الاتحاد الأفريقى، تناولت عرض الرؤية الإفريقية إزاء سبل تحقيق السلام والتنمية المستدامة، وترسيخ أسس الشراكة العادلة بين إفريقيا ودول مجموعة السبع فى إطار المصالح المشتركة والمتبادلة.

على هامش قمة الدول السبع التقى الرئيس السيسى مع نظيره الأمريكى دونالد ترامب، حيث أكد الرئيس السيسى قوة وعمق العلاقات الاستراتيجية التى تربط بين مصر والولايات المتحدة، مشيدا بما تشهده تلك العلاقات من تطور إيجابى متواصل خلال إدارة الرئيس «ترامب»، ومشيرا إلى حرص مصر على الاستمرار فى الارتقاء بأطر التعاون المشترك فى جميع المجالات، فضلاً عن مواصلة التنسيق والتشاور مع الإدارة الأمريكية حول سبل ترسيخ السلام والاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط، فى ضوء تعدد الأزمات التى تعانى منها المنطقة وخطورتها. وأكد الرئيس السيسى دعم مصر لجميع الجهود المخلصة التى تهدف لإيجاد حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، على أساس مرجعيات وقرارات الشرعية الدولية، بما يسهم فى إعادة الاستقرار وفتح آفاق جديدة تستفيد منها جميع شعوب المنطقة.

التقى الرئيس السيسى نظيره الفرنسى إيمانويل ماكرون، حيث اتفقا على مواصة الجهود لتسوية الأوضاع فى ليبيا على نحو يسهم فى القضاء على التنظيمات الإرهابية. كما التقى مع المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل»، حيث أكد حرص مصر على مواصلة تعزيز أطر التعاون الثنائى جميع، وتعزيز التشاور السياسى بين البلدين إزاء مختلف القضايا الإقليمية والدولية. والتقى الرئيس السيسى أيضا مع رئيس الوزراء البريطانى بوريس جونسون، حيث أعربا عن التوافق والتطلع المتبادل لأن تشهد الفترة المقبلة خطوات فعالة لتطوير العلاقات الثنائية بين مصر وبريطانيا وتفعيل أطر التعاون المشترك فى مختلف المجالات خاصة الاقتصادية والسياسية والأمنية والسياحية. ثم التقى رئيس الوزراء الإيطالى جوزيبى كونتى، حيث تم بحث تطوير العلاقات التجارية والاقتصادية والاستثمارية بين البلدين.

شارك الرئيس السيسى أيضا فى جلسة عمل حول «المناخ والتنوع البيولوجى والمحيطات» فى إطار قمة مجموعة الـ٧، وألقى كلمة أوضح فيها وجهة نظر القارة الإفريقية تجاه قضايا البيئة وتغير المناخ. ومع هذا، وإقراراً بالحقيقة، فإن قمم «السبعة الكبار» تفتقر فعلاً لأى آلية معنية بتنفيذ القرارات والتوصيات ووضعها حيز التنفيذ. وهنا أيضاً، قرر الرئيس الفرنسى أيضاً ألا يصدر عن قمة العام الحالى أى بيانات ختامية تستعرض القرارات التى اتخذها القادة فى بياريتز. وكان هذا على النقيض ما اعتادت عليه قمم المجموعة خلال السنوات السابقة التى تمخضت عنها بيانات ختامية رصينة و«سميكة»، لكنها لم تتجاوز مجال القول إلى محيط الفعل.

أيضاً قفز الرئيس ماكرون برشاقته المعهودة فوق تقليد المؤتمرات الصحفية الجماعية، المقصود منها التقاط الصور الجماعية لقادة دول القمة تأكيداً على التناغم والوئام السياسى العالمى. أما المؤتمر الصحفى الذى نظمه ماكرون فى ختام أعمال القمة فكان يتألف من شخصيتين اثنتين فقط، هما إيمانويل ماكرون ودونالد ترامب ليس إلا. لكن الأهم من ذلك، ربما، أن الأسئلة التى طُرحت خلال المؤتمر الصحفى الختامى الثنائى كانت مصممة بأسلوب يسهل على الرئيسين الفرنسى والأمريكى المراوغة وتفادى نقاط الحرج بكل سلاسة.

كان ماكرون قد وجّه الدعوة إلى قادة عدد من الدول النامية لحضور فعاليات القمة الكبرى؛ فى محاولة منه لإضفاء نوع من التجديد على مجريات القمة الرصينة. وفى لمحة جانبية واضحة، دعا الرئيس الفرنسى وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف إلى تناول كأس من عصير البرتقال وفنجان قهوة. ويبدو أن قمة بياريتز قد أماطت اللثام عن بعض توقعات المحللين المعلن عنها منذ فترة طويلة، وفى مقدمتها نهاية التقاليد التى بدأت عقب فترة وجيزة من نهاية الحرب العالمية الثانية، والتى، وفقاً لها، لاحظت البلدان الديمقراطية الغربية، بالإضافة إلى اليابان، وجود قدر من التوافق فى التعاطى مع القضايا العالمية الرئيسية. ولعل لهذا التوافق جذوره الآيديولوجية ضمن القيم الليبرالية العريضة فى سياق الصراع العالمى المشترك ضد الشيوعية، كما فى صيغها المتنوعة الأخرى على صعيد المنافسة.. وليس الخصومة أو العداء.

قمة بياريتز كشفت أن حالة التوافق الطويلة الأمد التى استمرت قرابة ستة عقود منذ نهاية الحرب الكبرى، وتمخّضت عن احترام القيم المشتركة واعتماد المقاربات المتماثلة إلى درجة ما حيال السياسات، ما عادت من قبيل المُسلّمات داخل المعسكر الغربى الكبير. وفى حين أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وربما الرئيس ماكرون نفسه بصورة من الصور، ما زالا يمثلان القيم والتقاليد الليبرالية القديمة مع أنماط العمل وتناول المشاكل المتشابهة، فهذا لا ينطبق بالضرورة على الآخرين. إذ كان دونالد ترامب، جنباً إلى جنب مع رئيس الوزراء الإيطالى جوزيبى كونتى -الذى يفضل وصفه بلقب «عدو النخبة»- فضلاً عن بوريس جونسون، يدافعون أيما دفاع عن صبغات الحركات الشعبوية الجديدة المتلونة التى وصلت إلى سدة الحكم فى الهند والبرازيل والمجر وبولندا.

كذلك، بين «المعوّقات» التى ظهرت خلال القمة كان التراجع الملحوظ لدور الاتحاد الأوروبى بصفته لاعباً دولياً ذا ثقل معتبر، وخوض بريطانيا حرباً لا عنفية بشأن خروجها من أسرة الاتحاد الأوروبى. وبصرف النظر عن هوية الطرف المنتصر فى نهاية هذه الحرب، من غير المرجح لبريطانيا أن تستعيد الوضعية نفسها التى كانت تحتلها داخل الاتحاد أو فى جواره. ثم هناك ألمانيا، التى تدخل سياسياً نفق المجهول مع إعلان أنجيلا ميركل تقاعدها الوشيك عن منصبها الرفيع، مقابل الصعود المقلق لجماعات اليمين المتطرف فى البلاد.. فضلاً عن التباطؤ الاقتصادى الواضح. ولدينا، أيضاً، إيطاليا المستعصية على الحكم فى أفضل فترات تاريخها المعاصر، لكنها اليوم غارقة فى حالة من الفوضى السياسية العارمة بسبب طموحات زعيم اليمين المتشدد ماتيو سالفينى الجامحة.

على نهاية الطرف الآخر من الطيف السياسى، قد يبدو كل من دونالد ترامب وبوريس جونسون يعانيان من الضعف لأسباب مختلفة. فعلى الرغم من حقيقة أن الصراع داخل الحزب الديمقراطى الأمريكى من الفوضى الشديدة بفعل الصراع السياسى القائم بين الليبراليين المعتدلين التقليديين ومنافسيهم الشعبويين الجدد من تيار اليسار، ليس محسوماً بعد أن يتمكن ترامب من تحقيق الفوز بولاية رئاسية ثانية. ذلك أنه من شأن أى تراجع اقتصادى كبير حرمان ترامب من بطاقة الفوز الذهبية. أما بالنسبة لجونسون، فإنه قد يخسر تصويتاً بحجب الثقة فى البرلمان البريطانى مطلع الشهر المقبل، وبالتالى يصبح رئيس الوزراء الأقصر حكماً فى تاريخ الحكومات البريطانية.

جاستن ترودو، رئيس وزراء كندا، لديه سجل حافل بالأخطاء السياسية التى تجعله بنظر كثيرين مفتقراً إلى المقومات اللازمة ليصبح زعيماً عالمياً. وهذا ما يترك رئيس الوزراء اليابانى شينزو آبى «الزعيم» الأقوى بين القادة «السبعة الكبار»، والأرسخ أقداماً، والمرشح للاستمرار خلال السنوات القليلة المقبلة. لكن هنا، أيضاً، يجب القول إن اليابان تفتقر إلى خبرات اللعب السياسى على الصعيد العالمى، وربما إلى قدر معتبر من الطموح كذلك، يدفعها إلى السعى لبناء الزعامة العالمية استناداً إلى قوتها الاقتصادية الهائلة.

كانت مجموعة «السبع الكبرى» فى بدايتها مثل الجداول الصغيرة التى تصب لاحقاً فى نهر كبير يعرفه الجميع باسم «النظام العالمى». غير أن قمة بياريتز الأخيرة عكست صورة تفيد بأن تلك الجداول –أو الروافد– باتت تتدفق بعيدة عن ذلك النهر القديم. ومع ذلك، خاض القادة فى القمة الأخيرة بكثير من المقترحات الخاصة باستعراض الكثير من القضايا. ووافقوا على اتخاذ تدابير تتعلق بإمبراطوريات الإنترنت العالمية، ربما عن طريق إخضاعها للرقابة والتنظيم وفرض الضرائب عليها. والمجال مفتوح لتخمينات الجميع بشأن كيفية تنفيذ ذلك؛ إذ يجب على كل الأطراف المشاركة طرح مخططات العمل للحكومات المعنية والهيئات التشريعية المتفرعة عنها.

تناول قمة بياريتز لما يصفه القادة «السبعة الكبار» بـ«المشكلة الروسية» جاء سطحياً وواهياً فى أفضل أحواله. إذ ما كان هناك إجماع تحليلى للآراء بشأن استراتيجية فعلية للتعامل مع الرئيس الروسى فلاديمير بوتين حتى الآن. ويزعم بعض المحللين الأوروبيين أن بوتين يسعى جاهداً إلى تفكيك الاتحاد الأوروبى، ثم المضى قدماً إلى تفكيك حلف شمال الأطلسى (ناتو). ومع ذلك، فإن الاتحاد الأوروبى فى وضع صعب ليس بسبب بوتين.. بل بسبب سعى بريطانيا الحثيث لمغادرة الاتحاد الأوروبى، إلى جانب صعود الحركات الشعبوية القومية الداخلية فى أوروبا، فضلاً عن الخمول والتعجرف الجلى من بيروقراطية بروكسل.

الواضح أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لا يشارك الاتحاد الأوروبى وجهة نظره الراهنة السلبية تجاه بوتين. وهو لا يزال يفكر فى احتمال الوصول إلى اتفاق «ما» مع الزعيم الروسى. ومن واقع المستنقع السورى الذى دخله بوتين باختياره، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية الروسية المنهكة للغاية، قد يبدو «سيد الكرملين» مثل اللاعب الانتهازى لكل الفرص المتاحة مع أجندة توسعية معتبرة. وإذا كان ترك سوريا تستنزف الطاقات والموارد الروسية من الاحتمالات المغرية، فإن السؤال الذى لم تطرحه قمة بياريتز هو ما إذا كانت الدول الكبرى ستترك بوتين حتى يخبو وينتهى سياسياً، أم ستمنحه فرصة جديدة للعودة إلى «نخبة الكبار»؟

أيضاً، أكدت الجلسة الخاصة بقضايا البيئة، التى تغيّب عنها الرئيس الأمريكى مختاراً، الرغبة الراسخة فى تأييد «اتفاقيات باريس» المناخية، مع أنه يصادَق عليها من خلال برلمانات الدول المعنية. والآمال الراهنة فى أن تغير الولايات المتحدة رأيها بشأن الاتفاقيات؛ ما قد يدفع ترامب أو أى إدارة أمريكية مقبلة للموافقة عليها، ليست إلا آمالاً معقودة فى الخيال.


التعليقات