ياسر بركات يكتب عن : الرئيس فى اليابان

ثلاث زيارات تعيد أمجاد

1928 بين القاهرة وطوكيو

من مدينة بيارتيز الفرنسية توجه الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى اليابان، ليترأس مع رئيس وزراء اليابان شينزو آبى مؤتمر طوكيو الدولى للتنمية فى إفريقيا «التيكاد»، الذى يعد أهم المحافل الدولية للتعاون التنموى بين الدول الإفريقية واليابان والمؤسسات الدولية.

هذه هى الزيارة الثالثة للرئيس إلى اليابان منذ عام 2014 والثانية خلال هذا العام، حيث كانت الزيارة السابقة فى شهر يونيه الماضى لحضور قمة العشرين بمدينة أوساكا اليابانية، كما تأتى الزيارة الحالية تلبية لدعوة من رئيس الوزراء اليابانى «شينزو آبى» الذى سيعقد الرئيس السيسى معه القمة الخامسة، بعد أن عقدت القمة الأولى بينهما فى نيويورك على هامش اجتماعات الدورة 69 للجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2014، والقمة الثانية فى مصر فى عام 2015، والثالثة فى اليابان فى 2016، والرابعة يونيه الماضى فى أوساكا باليابان.

منذ عام 1993 ومؤتمر (تيكاد) يعقد كل خمس سنوات، حتى عام 2013، ثم أصبح يعقد كل ثلاث سنوات بالتناوب بين اليابان ودولة إفريقية، حيث تم عقد (6) مؤتمرات على مستوى القمة فضلا عن اجتماعات على المستوى الوزارى لتحضير وترتيب اجتماع الرؤساء المشاركين. وجاء انعقاد المؤتمر هذا العام بمدينة «يوكوهاما»، تحت رئاسة مشتركة يابانية - مصرية، فى ضوء الرئاسة المصرية الحالية للاتحاد الأفريقى، الأمر الذى يدعم التعاون بين مصر واليابان فى إفريقيا بما يسهم فى تحقيق التطلعات التنموية لإفريقيا، كما أن قمة التيكاد فرصة لتكثيف تبادل وجهات النظر بين البلدين فى هذا الإطار، فضلا عن ان «تيكاد» تعد إحدى أهم القمم والتجمعات من أجل التعاون فى تنمية وتطور القارة السمراء.

ترى مصر أن قمة (تيكاد 6) الأخيرة التى عقدت فى إفريقيا قد فتحت فصلاً جديداً من التعاون المتبادل مع اليابان، وتسعى من خلال مؤتمر (تيكاد) كآلية مفتوحة وشاملة يمكنها تعبئة المزيد من الدعم العالمى لتنمية إفريقيا من خلال المشاركة مع العديد من الجهات المعنية بما فى ذلك القطاع الخاص، كما تحرص مصر على تعزيز التعاون بين بلدان الجنوب» والتعاون الثلاثى فى إطار برامج التنمية الوطنية والإقليمية فى جميع القطاعات لا سيما فى مجال بناء القدرات والأمن البشرى، وتؤكد مصر دوما أهمية بناء السلام وأهمية التكامل الإقليمى، وتعزيز استخدام العلم والتكنولوجيا والابتكار، وأخيراً إعطاء الأولوية لجدول أعمال إفريقيا لعام 2063 والدعوة إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة، مع إيلاء اهتمام خاص للصحة والتعليم وتمكين المرأة والشباب.

تعود العلاقات اليابانية-الإفريقية إلى عشرينيات القرن الماضى، ففى عام 1928 بدأت العلاقات الدبلوماسية بين مصر واليابان، لكن علاقاتها بالقارة الإفريقية عموماً لم تفعّل إلا فى نهاية السبعينيات، إذ كانت مقتصرة على إقامة علاقات دبلوماسية مع الدول الإفريقية المستقلة حديثاً. وتركز سياسة اليابان تجاه إفريقيا على الشق التنموى، حيث أصبحت اليابان، بوصفها دولة رئيسية مانحة، تؤدّى دوراً مهمّاً فى تقديم المساعدات الرسمية للدول الإفريقية من خلال «برنامجٍ المساعدات من أجل دعم التنمية فى القارة الإفريقية»، حيث تشير الاحصاءات إلى أن اليابان أصبحت خلال أربعة عقود فقط أحد المصادر الأساسية للمساعدات الخارجية للقارّة الإفريقية، ففى يونيه 2013، تعهدت اليابان للزعماء الأفارقة بدعم القطاعين العام والخاص بقيمة 32 مليار دولار لتعزيز النمو فى القارة وتشجيع الشركات اليابانية على الاستثمار هناك فى خمس سنوات، وتتضمن الحزمة مساعدات رسمية بقيمة 14 مليار دولار و6.5 مليار دولار دعما فى مجال البنية التحتية.

كما التزمت اليابان باستثمار نحو ثلاثين مليار دولار فى إفريقيا خلال ثلاث سنوات (2016-2019)، فى إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص، للعمل على تنفيذ تدابير تركز على تطوير بنية تحتية عالية الجودة، وتعزيز النظم الصحية، وذلك خلال مؤتمر طوكيو الدولى لتنمية إفريقيا (تيكاد) الذى عقد للمرة الأولى على أرض إفريقية فى العاصمة الكينية نيروبى، عام 2016.

تم إطلاق «مؤتمر طوكيو الدولى للتنمية الإفريقية» (تيكاد) عام 1993 بمبادرة من حكومة اليابان، بهدف تعزيز الحوار السياسى رفيع المستوى بين القادة الأفارقة وشركائهم فى التنمية، وحشد الدعم لصالح مبادرات التنمية الإفريقية، والتركيز العالمى على أهمية القضايا الإفريقية، حيث بدأت فكرة القمة عقب انتهاء الحرب الباردة لحث البلدان المتقدمة على الاهتمام بإفريقيا وتقديم المساعدة لها. وقد شكل إطلاق مؤتمر (تيكاد) عاملاً محفزاً لإعادة التركيز الدولى على احتياجات التنمية فى إفريقيا، وعلى مدى الـ26 عاماً الماضية، تطور مؤتمر (تيكاد) ليصبح حدثاً عالمياً رئيسياً متعدد الأطراف لحشد واستدامة الدعم الدولى لتنمية إفريقيا. ويتولى المنظمون المشاركون وبصورة متكافئة مسئولية ضمان نجاح مؤتمر (تيكاد)، ويشمل ذلك جميع أوجه المشاركة والمهام على المستويات التشغيلية والتقنية والمادية.

يستهدف مؤتمر «تيكاد» تعزيز الحوار السياسى رفيع المستوى بين القادة الأفارقة وشركائهم. وحشد الدعم لمبادرات التنمية الخاصة بإفريقيا. وتقديم مبادئ توجيهية أساسية وشاملة بشأن التنمية الإفريقية. وإيجاد إطار دولى رئيسى لتسهيل تنفيذ المبادرات الرامية إلى تعزيز التنمية الإفريقية بموجب مبدأ الشراكة الدولية. وتركيز التعاون بين آسيا وإفريقيا لتعزيز التنمية الإفريقية.

القمة السابعة لتيكاد ناقشت ثلاثة محاور رئيسية تتعلق بتسريع التحول الاقتصادى، وتحسين بيئة الأعمال والاستثمار من خلال إشراك القطاع الخاص، وكذلك بناء مجتمعات مستديمة، وتكريس أسس الأمن والاستقرار فى القارة الإفريقية.

الرئيس السيسى عقد مباحثات قمة موسعة مع رئيس وزراء اليابان شينزو آبى، بحضور وفدى البلدين، حيث أشاد آبى بما حققته مصر على صعيد التنمية، لاسيما فى إطار الإنجازات الملموسة الجارية على مستوى الإصلاح الاقتصادى، وتنفيذ العديد من المشروعات القومية الكبرى، وهو ما ساهم فى تحفيز الشركات اليابانية على العمل فى مصر للاستفادة ما تتيحه تلك المشروعات من فرص استثمارية واعدة، مؤكدا أن اليابان تولى لعلاقاتها مع مصر أهمية خاصة على صعيدى التعاون الثنائى والتشاور السياسى لمحورية دور مصر فى محيطها الإقليمى ومنطقة الشرق الاوسط.وأكد الرئيس السيسى الحرص على زيارة اليابان لترؤس قمة التيكاد، وذلك فى إطار العمل على استمرار وتعزيز علاقات التعاون والشراكة الاستراتيجية بين البلدين، فضلا عما تمثله المشاركة بين اليابان وإفريقيا من أهمية فى ظل أنها تهدف إلى تعزيز التنمية الشاملة، وتحقيق تطلعات الشعوب الإفريقية فى الاستقرار والرخاء.

اللقاء شهد استعراضا لسبل دعم المشاركة اليابانية-الإفريقية، حيث أكد الرئيس أن الرئاسة المصرية الحالية للاتحاد الأفريقى تضفى بُعداً استراتيجياً هاماً لإسهام مصر الفاعل فى تلك المشاركة، لا سيما فى ظل ما أبدته طوكيو من حرص على التنسيق الوثيق مع إفريقيا لتحقيق أولوياتها التنموية، مشيرا إلى الحرص على التعاون بين البلدين فى إفريقيا وتوظيف إمكانات مصر وقدراتها لدعم المشروعات التنموية المطروحة فى إطار المشاركة بين الجانبين وتوسيع نطاق إسهامها فى تعزيز التنمية المستدامة. وألقى الرئيس السيسى كلمة خلال الجلسة الافتتاحية لقمة التيكاد السابعة، أكد فيها أن الشراكة فى إطار التيكاد حققت قدراً كبيراً من الإنجازات، وتفاعلت بالإيجاب مع المعطيات الدولية والإقليمية.

دعا الرئيس إلى تكثيف التعاون العلمى والتنموى للاستفادة من قُدرات القارة الإفريقية الطبيعية فى تنويع مصادر الطاقة، من خلال دعم مشاريع الطاقة المُتجددة والنظيفة، بما يُسهم فى تخفيف الآثار البيئية لظاهرة تغير المُناخ، كما دعا الشركات الدولية إلى الاستثمار فى القارة الإفريقية التى تحفل بفرص واعدة، خاصة فى مجال تطوير البنية التحتية الإفريقية. وشهد الرئيس السيسى مراسم التوقيع على مذكرة تعاون بشأن برنامج التعاون الفنى الثلاثى المصرى اليابانى بين الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية والوكالة اليابانية للتعاون الدولى (جايكا).

وتفقد الرئيس برفقة رئيس وزراء اليابان شينزو آبى الجناح المصرى بمعرض منظمة اليابان للتجارة الخارجية «جيترو».

الرئيس السيسى ورئيس الوزراء اليابانى شينزو آبى افتتحا أيضا جلسة حوار الأعمال بين القطاعين العام والخاص والتى تعقد فى إطار مؤتمر /التيكاد 7/، وألقى السيسى كلمة نوه فيها بالدور الحيوى للقطاع الخاص لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية نظرا لما يتمتع به من إمكانات كبيرة تؤهله للقيام بدور فعال فى شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية، حيث يعد القطاع الخاص المحرك الرئيسى لتوفير فرص العمل الدائمة، وزيادة مستوى الدخل بما يسهم فى الخروج من دائرة الفقر، بالإضافة إلى أنه يسهم بشكل كبير فى تزايد النمو الاقتصادى على المدى الطويل. ودعا جميع مؤسسات القطاع الخاص اليابانى للتعرف على الفرص الاستثمارية التى تقدمها إفريقيا بهدف تحقيق الشراكة المأمولة بين القطاعين العام والخاص.

الرئيس السيسى شارك فى منتدى الأعمال الأفريقى اليابانى وألقى كلمة أوضح فيها أن دول الاتحاد الإفريقى تدرك جيدا أن جهود الإصلاح والتحديث وتنفيذ الأجندة التنموية الطموحة 2063 لن تُكلل بالنجاح دون رفع كفاءة البنية الأساسية وتطويرها فى القارة الإفريقية من خلال مشروعات عملاقة عابرة للحدود فى إطار برنامج تنمية البنية التحتية فى إفريقيا. ودعا جميع شركاء إفريقيا للاستفادة من الإمكانات الكبيرة وفرص الاستثمار الموجودة فى القارة الإفريقية، والمساهمة فى تنفيذ مشروعات الطرق والسكك الحديدية والربط الكهربائى والربط الملاحى وتنمية الموانى. والتقى الرئيس السيسى مع هيروشيجى سيكو وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانى، حيث أشار الرئيس إلى الفرص الاستثمارية الواعدة أمام المستثمرين اليابانيين فى مصر فى مختلف القطاعات، خاصةً المشروعات القومية العملاقة، وتطلع مصر للشراكة مع اليابان فى المشروع القومى المصرى الخاص بوسائل المواصلات والنقل العام التى تعمل بطاقة الغاز وكذلك قطاع الطاقة الجديدة والمتجددة. والتقى أيضا شينيتشى كيتاوكا رئيس الوكالة اليابانية للتعاون الدولى (چايكا)، حيث أعرب عن التطلع للتعاون مع الجايكا من أجل الانتهاء من المزيد من المشروعات التنموية فى مصر، لا سيما مشروعات الطاقة والنقل والمواصلات وكذلك الطاقة الجديدة والمتجددة، بالإضافة إلى مشروع المتحف المصرى الكبير.

كما التقى الرئيس السيسى ماسومى كاكينوكى، رئيس مجلس إدارة شركة ماروبينى، وهى واحدة من أكبر الشركات اليابانية متعددة الأنشطة التجارية والصناعية والخدمية، حيث رحب بتوسع الشركة فى أنشطتها بمصر، مؤكدا الفرص الواعدة التى تتوافر فيها والتى يمكن للشركة مضاعفة استثماراتها من خلالها، لا سيما فى إطار المنطقة الاقتصادية لمنطقة قناة السويس وما تضمه من موان ومناطق صناعية ومراكز لوجيستية. والتقى على هامش التيكاد أنطونيو جوتيريش، سكرتير عام الأمم المتحدة، حيث أكد الرئيس السيسى تطلع مصر لمواصلة التعاون والتنسيق مع المنظمة الأممية لتعزيز دورها الأساسى فى معالجة الملفات ذات الأولوية للدول النامية، وتمويل تطبيق أجندة التنمية المستدامة 2030، وتم خلال اللقاء بحث جهود تعزيز التعاون والتنسيق بين الاتحاد الأفريقى والأمم المتحدة. والتقى الرئيس السيسى مع نظيره الأوغندى يورى موسيفينى، حيث تم بحث تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين. كما التقى نظيره الزامبى إدجار لونجو، حيث أكد أن مصر تولى أهمية خاصة لتعزيز أوجه التعاون المشترك مع زامبيا من خلال اجتماعات اللجنة المشتركة التى تجمع البلدين على مختلف الأصعدة، واستقبال المزيد من الكوادر الزامبية للمشاركة فى برامج بناء القدرات التى تشرف على تنفيذها الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية فى المجالات المختلفة. والتقى أيضا ميتسو أوتشى، رئيس جامعة هيروشيما، حيث أكد اهتمام الدولة المصرية بتطوير قطاع التعليم العالى والبحث العلمى، مشيدا فى هذا الصدد بنموذج الجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا، وذلك باعتبارها من أهم مشاريع التعاون الثنائى بين البلدين.

فى كلمة الرئيس السيسى خلال المؤتمر الصحفى الختامى لقمة التيكاد السابعة، أكد أن القمة مثلت منجزا كبيرا لجميع الأطراف، لما شهدته من توفير منصة للحوار المباشر بين القطاعين العام والخاص، وتركيزها على عدد من الموضوعات ذات الأولوية بالنسبة لدول الاتحاد الأفريقى، وعلى رأسها قطاعات البنية التحتية والصناعة والزراعة والصحة وتطبيقات التكنولوجيا الحديثة، فضلاً عن قضايا السلم والأمن. كما أكد أن الاتحاد الأفريقى حريص على التعاون والتنسيق مع اليابان وجميع الشركاء المنظمين للتيكاد لضمان تنفيذ مخرجات القمة بما يحقق آمال وطموحات شعوب قارتنا الإفريقية، بالاضافة إلى أهمية مواصلة مسيرة التيكاد فى دعم التنمية الشاملة والمستدامة فى القارة الإفريقية، وضرورة وجود آليات متابعة فعالة تحقق الرؤية التنموية الإفريقية. وأشاد رئيس وزراء اليابان فى كلمته الختامية للمؤتمر بجهود الرئيس السيسى من خلال رئاسته المشتركة فى إنجاح قمة التيكاد السابعة.


التعليقات