هاكان فيدان..الجاسوس الذى يحمى عرش أردوغان

إذا أردنا وصفه بدقة فسنقول إنه القلب النابض للرئيس التركي ومن دونه يفقد حياته السياسية في غمضة عين، وصفه أردوغان بأنه حارسه وخزينة أسرار تركيا الذى لا يستطيع الاستغناء عنه، لعب العديد من الأدوار الشيطانية القذرة حيث يعتبر جوكر المفاوضات مع الأكراد وداعم الإرهابيين وعميل الإخوان فضلًا عن أنه مخرج مسرحية الانقلاب التى حدثت فى تركيا عام 2016، إنه "سلطان الظل" هاكان فيدان، قائد المخابرات التركية، الذى استطاع بأفعاله أن يضع اسمه بين القادة الأكثر توحشًا في التاريخ.
وباعتباره اللاعب الأول في السياسة التركية، تحرك "فيدان" باقتدار ليسد الثغرات التي يستطيع خصوم أردوغان التسلل منها، فأعاد هيكلة المخابرات التركية بعد أن وضع جميع العناصر في وزارة الخارجية وأجهزة الأمن تحت قيادته ليضمن للرئيس قبضة حديدية على البلاد.
ويُمثل عام 2016 عامًا فاصلًا بالنسبة لهاكان فيدان فالرجل الذي عاش طويلًا في الظل خرج إلى العلن بعد أن تردد اسمه كثيرًا على الألسنة باعتباره منقذًا لأردوغان.
خرجت التحليلات حينها تُندد بفشل الاستخبارات في التوصل إلى معلومات بشأن ما كان يعتزمه الضباط، بينما لم يكن أحد يعلم أن فيدان هو من كتب سيناريو الانقلاب بنفسه ليتخلص من حركة الخدمة التابعة لرجل الدين فتح الله جولن باتهامها بتدبيره.
بطش "فيدان" بكل من تورط في العملية، ووسع من نشاط الجهاز في ملاحقة المعارضين بالخارج، لدرجة دفعت ألمانيا إلى التعبير عن قلقها من نشاط الاستخبارات في ألمانيا.
واعترف نائب رئيس الوزراء التركي بكر بوزداغ خلال مقابلة تلفزيونية أن المخابرات نفذت عمليات في 18 دولة بينها ماليزيا وكوسوفو وقامت بإعادة العشرات من أنصار حركة الخدمة بالخارج، ومن أشهر العمليات اعتقال 6 مدرسين من مدارس "أوريزونت" التابعة لحركة الخدمة في مولدوفا.

وتوثيقًا للجرائم التى ارتكبها، كشف موقع "أتلنتيكو" الفرنسي أدوارًا خفية مشبوهة وصفها بـ "المتدنية القذرة" يقوم بها "رجل الظل" للرئيس التركي رجب طيب أردوغان داخليًا وخارجيًا.
وتحت عنوان "جهاز الاستخبارات التركية: رجال الأعمال القذرة للرئيس أردوغان"، ذكر الموقع الفرنسي أن أردوغان كان يحتاج إلى أنصار مخلصين يضمن ولاءهم، لبقاء حكمه وضمان استمراريته، مضيفًا أنه وجد ذلك في رئيس جهاز الاستخبارات التركية هاكان فيدان أو ما يُطلق عليه "سلطان الظل" في تركيا.
الموقع الفرنسي أوضح أن هذه الشخصيات تُدير الملفات الحساسة والقذرة بينها "الأكراد، وسوريا، وإسرائيل، وأنصار الداعية فتح الله جولن".
ورأى الموقع أن حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا الذي استوحى مبادئه من تنظيم الإخوان الإرهابي، استفاد من دعم أنصار جولن خلال حقبة الثمانينيات والتسعينيات ثم تخلص منهم، بعد نفي زعيمهم فتح الله جولن بعدما اختلف مع جهاز الاستخبارات التركية.
وأشار إلى أن أردوغان تخلص من أنصار جولن الذين رآهم يُشكلون تهديدًا على استمرار نظامه في السلطة بإيعاز من الاستخبارات.
وأكد الموقع الفرنسي أن محاولة الانقلاب الفاشل المزعومة عام 2016 التي يتشكك البعض بأنها أيضًا من تدبير الاستخبارات، كانت ذريعة لشن حملة اعتقالات واسعة وفصل وقمع المعارضين، بزعم أنهم أنصار جولن، حتى لو كان ذلك بدون دليل.
وقال إنه في تركيا لا تحتاج إلى دليل للسجن، فإن جهاز أردوغان السري يستطيع فعل أي شيء من أجل الحفاظ على "السلطان الجديد"، بحسب وصف الموقع الفرنسي.
ولفت الموقع إلى أن عملية سجن الصحفيين وإدارة الملفات الحساسة في الدولة والعمليات الخارجية لا يُديرها أردوغان بمفرده إنما هناك جنود في الصف الخلفي مهمتهم إعادة العامة إلى مكانهم لمنع الانتقادات حتى أصبح المعلمون والكتاب والنساء خاصة الأكراد ضحية لاستبداد النظام.
وتابع أنه في الوقت نفسه يتظاهر النظام التركي بمناخ العلمانية بما يرضي "الديمقراطيين الأوروبيين" الذين لم يفهموا تلك اللعبة بعد وظنوا لسنوات أن تركيا ضامن للعلمانية.
الموقع الفرنسى كشف عن أن قائد هذه الأوركسترا هاكان فيدان، سلطان الظل، رئيس الاستخبارات التركية الذي يضمن بقاء أردوغان في الحكم واستقراره، والمتخصص في العمليات الداخلية والخارجية.
وفي فبراير 2012، اكتشف جهاز الاستخبارات التركية الميكروفونات المثبتة في المنزل والمكاتب التابعة لأردوغان، حيث كان رئيسًا للوزراء آنذاك، في أنقرة، ووجهت الاستخبارات الاتهام مباشرةً إلى أنصار جولن وشكر أردوغان جهاز استخباراته، بحسب الموقع.
ووفقا لـ"أتلنتيكو" اندلعت في ديسمبر 2013، فضائح فساد متورط فيها أعضاء من الحكومة وعائلة أردوغان، ووجه جهاز الاستخبارات التركية الاتهام مباشرة إلى أنصار جولن بالتسبب في هذه الفضائح.
وقال إنه بعد ذلك تم إطلاق عمليات تطهير متتالية، حيث يُحدد جهاز الاستخبارات الداخلية المشتبه بهم الذين يتعاونون مع حركة جولن.
وأوضح الموقع الفرنسي أن أردوغان شعر بخطر التمرد المحتمل للنظام السياسي والقضائي، فسارع بالإفراج عن بعض المعتقلين العسكريين، مشيرًا إلى أن جهاز الاستخبارات التركية هو المسئول أيضًا عن مطاردة العديد من أعضاء أنصار جولن في الخارج وتسليمهم إلى أنقرة.
وتابع الموقع الفرنسى: "كما تُشرف الاستخبارات التركية على المدارس الخاصة الأجنبية في أنقرة التي تفضلها الطبقات المتوسطة والمدارس التركية في الخارج، ولا تتردد أنقرة في الانخراط في شكل من أشكال الابتزاز مع السلطات السياسية الأجنبية لإغلاق هذه المدارس، مثلما فعلت مع فرنسا بالتهديد بإغلاق المدارس الفرنسية في تركيا إذا لم تمتثل باريس بالموافقة على مدارس تركية في فرنسا".
ودلل الموقع الفرنسي على مثال آخر بإغلاق 17 دولة أفريقية وفي آسيا الوسطى مدارس تركية لمجرد شكوك بالانتماء إلى شبكة جولن.
وطبقًا للموقع الفرنسي، فإن فيدان كان عرابًا للعديد من أنشطة جهاز الاستخبارات التركية، على رأسها الملف الكردي الأكثر حساسية للنظام التركي.
موقع "أتلنتيكو" أوضح أن سلطان الظل لأردوغان تولى الملف الكردي عام 2011 بالمشاركة في المفاوضات السرية مع حزب العمال الكردستاني بعد الهجوم الذي استهدف 12 جنديًا في ديار بكر.
وأضاف الموقع:"نتيجة لاشتراكه في تلك المفاوضات وقع تحت طائلة القانون الذي ينص على حظر أي موظف بالدولة الاتصال بالمنظمة المصنفة إرهابية في تركيا وتلقى استدعاءً قضائيًا بهذا الشأن".
وأشار الموقع إلى أن أردوغان أصدر مرسومًا يعفي موظفي جهاز الاستخبارات التركية للرد على طلبات المحاكم القضائية دون إذن منه، وذلك لإخراج رئيس استخباراته وإنقاذه من الموقف.
وأكد أنه بعد استئناف مفاوضات السلام أمر أردوغان بسجن أوجلان مدى الحياة في جزيرة سجن إميرالي وذلك بإيعاز من "فيدان" الذي كان مشاركًا في المفاوضات.
وأوضح الموقع أن جهاز الاستخبارات التركية هو المسئول عن عمليات التصفية الكردية وعمليات التطهير العرقي التي يشنها أردوغان ضد الأكراد.
ولفت الموقع الفرنسي إلى أنه على الصعيد الدولي كانت العلاقات بين أجهزة المخابرات التركية والإسرائيلية ممتازة في الثمانينيات والألفينيات حتى تدهورت العلاقات بينهما بشكل كبير خاصة في مايو2010 عندما قُتل عشرة نشطاء في حادث السفينة التركية "مافي مرمرة" على يد قوات الجيش الإسرائيلي، وذلك بعدما حاولت السفينة دخول قطاع غزة لكسر الحصار الذي تفرضه إسرائيل.
ووفقًا للموقع فإن أنقرة تُحاول المتاجرة بالقضية الفلسطينية، حيث يطمح أردوغان لتولي قيادة دعم القضية الفلسطينية في العالم الإسلامي، ليظهر بطلاً لدى الفلسطينيين، لكن في حقيقة الأمر للضغط على الإسرائيليين لتسيير مصالحه.
الموقع الفرنسى دلل أيضًا على أن جهاز الاستخبارات التركية تورط فى تدهور العلاقات التركية الإسرائيلية، حيث أوضح أن الصحافة الأمريكية كشفت فى عام 2013 عن أن جهاز الاستخبارات التركية منح طهران هوية عملاء تابعين للمخابرات الإسرائيلية في إيران وتم إعدامهم.
الموقع الفرنسي قال إن جهاز الاستخبارات التركية كان مقتنعًا بأن الرئيس السوري بشار الأسد سيسقط سريعًا بعد اندلاع الأزمة السورية عام 2011، وقرر أردوغان تقديم المساعدة للتنظيمات المسلحة في سوريا حتى أصبحت تركيا القاعدة الخلفية لقادة المعارضة السورية الذين يلتقون بانتظام في فنادق إسطنبول الكبرى على حساب دافعي الضرائب الأتراك.
وتابع الموقع:"كان جهاز الاستخبارات التركية يعمل أيضًا على الجانب الآخر من الحدود، حيث تم القبض على العديد من عناصر الاستخبارات التركية عام 2014، على الحدود السورية داخل شاحنة مليئة بالأسلحة على ما يبدو موجهة إلى تنظيمات مسلحة في سوريا، وهي القضية المعروفة إعلاميًا بـ "شاحنات المخابرات".
وأشار الموقع الفرنسي إلى أن هذه القضية المدوية كانت فضحية للنظام التركي، ولكن سرعان ما تم خنقها وعاقب أعضاء العدالة والتنمية المسئولين على تسريب الواقعة واعتقال الصحفيين الذين التقطوا الصور باعتبارها أسرار دولة.
وفقًا للموقع الفرنسي فإن الاستخبارات التركية كان لها دورًا في تطرف المعارضة السورية وتحويلها إلى تنظيمات مسلحة؛ الأمر الذي أتاح مناخًا لظهور تنظيم "داعش" الإرهابي في سوريا.
وأشار إلى أنه في مقابل ذلك حررت الاستخبارات التركية 46 من الأتراك كانوا رهائن في القنصلية التركية في الموصل شمالي العراق لدى تنظيم "داعش" الإرهابي؛ الأمر الذي يكشف صلة جهاز الاستخبارات بالتنظيم.
ورأى موقع "أتلنتيكو" الفرنسي أن جهاز الاستخبارات التركية، وهو جهاز سري، يعمل بشكل كامل في سوريا، لا سيما على طول الحدود وفي محافظة إدلب، حيث يدعم التنظيمات الإرهابية المسلحة.
وأشار إلى أنه من ناحية أخرى أدركت أنقرة أن نظام دمشق لن يسقط في المستقبل المنظور، لذا لعب جهاز الاستخبارات التركية دورًا في التنسيق مع موسكو وطهران لوضع تركيا بيادقها.

أدركت أمريكا خطورة "هاكان فيدان" فاستعانت به في مشروع تفتيت الشرق الأوسط عن طريق دعم الجماعات المتطرفة وعلى رأسها الإخوان وداعش للعبث بأمن واستقرار دول المنطقة وهو ما يتماشى مع أطماع أردوغان ومصالح البيت الأبيض في الوقت نفسه، الأمر الذي كشفه موقع "ويكليكس" من خلال وثائق مسربة أكدت تنسيق رئيس المخابرات التركية مع المسئولين في الولايات المتحدة بشأن رسم خريطة جديدة للمنطقة، وتناولت خطة رئيس المخابرات التركية التي تمثلت في إشعال الحرب الأهلية في دول الجوار من أجل الوصول إلى أهداف تركيا السياسية والتوسعية والاقتصادية في بسط نفوذها على المنطقة.

ونصح رئيس المخابرات التركية أردوغان، بضرورة استضافة قيادات الإخوان الفارين من مصر، وإعادة استخدامهم ككروت ضاغطة على القاهرة بتوفير منابر إعلامية لهم لإعادة الوضع إلى المربع صفر.
وكشفت جبهة شباب الصحفيين عن قيام "فيدان" بتكليف "نوح يلماز" مستشار الجهاز للشئون الإعلامية باستدعاء أبرز الإخوان الهاربين لتقديم برامج ضد مصر على قناتي الشرق ومكملين الإخوانيتين بتركيا، وإلحاقهم بدورة تدريبية في "الحرب النفسية" لمدة 60 ساعة مقسمة على 10 أيام.

وولد "فيدان" في أنقرة عام 1968، إلا أنه استخرج شهادة ميلاده كرجل دولة بعد أن تخطى الثلاثين من عمره، حين أتيحت له فرصة السفر إلى مدينة مونشنجلادباخ الألمانية، ضمن القوات التركية كضابط صف في حلف الناتو حيث قضى 3 سنوات في إدارة الاستخبارات بمقر التدخل السريع للحلف، وحصل على شهادة جامعية من "ماريلاند كوليدج الأميركية"، ثم حصل على الماجستير من جامعة بيلكنت بالتوازي مع عمله العسكري عام 1999.
وفي عام 2011 حقق أول أحلامه بترك المؤسسة العسكرية بعد أن قضى فيها 15 عامًا، ليستقبل عمله كمستشار سياسي واقتصادي للسفارة الأسترالية في أنقرة، ورغم أنه لم يستمر في موقعه الجديد سوى عامين فقط إلا أنه استطاع التنقل إلى الكثير من دول العالم، ولعب نشاطات أكاديمية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومعهد نزع السلاح التابع للأمم المتحدة، ومركز بحوث وتدريب ومعلومات التحقق في لندن.
كما حصل علي درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة بيلكنت بأنقرة عام 2003 بعدها تم تعيينه رئيسا للوكالة الدولية للتنمية في تركيا.
وعندما وصل أردوغان إلى السلطة قفز "فيدان" إلى منصب رئاسة وكالة التنمية والتعاون الدولي ثم مستشارًا لوزير الخارجية آنذاك أحمد داوود أوغلو وتربع على عرش المؤسسة المسئولة عن دور تركيا الناعم الاقتصادي والثقافي في 2007، ثم التحق بمكتب أردوغان كمستشار للسياسة الخارجية عام 2007، وبعد ثلاث سنوات أصبح "فيدان" أصغر رئيس لجهاز المخابرات التركية في الثانية والأربعين من عمره.
ويصفه المسئولون الأتراك الحاليين والسابقين بأنه لطيف ومتواضع يرتدي دائما ملابس داكنة خلال اجتماعاته وهو معسول الكلام كما أنه لا يرتدي النظارات السوداء ولا يشرب السيجار كغيره من رؤساء المخابرات.


التعليقات