سفاح العراق.. مذكرات الجنرال الذي حكم بلاد الرافدين بعد سقوط صدام حسين

بوش الابن استند على معلومات استخباراتية من دول أخرى للهجوم على العراق

لم تكن هناك أي أسلحة للدمار الشامل أثناء التواجد الأمريكي

وعدم وجود قوات كافية سمح بتدفق الإرهابيين للعراق

داعش هي النسخة الثالثة من القاعدة و لانسحاب الأمريكي زاد من سيطرة إيران على العراق

بعد أكثر من 16 عاما اعترف الأمريكان بأنهم أخطئوا في حق العراق وصدام حسين و أن اتهامهم بامتلاك الدولة العربية الكبيرة لأسلحة الدمار الشامل كان أمر عار من الصحة ، تم إثباته ، لكن النتيجة كان دمار كبير عانت منه بغداد ولا تزال تعاني.

وقبل أيام اعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن قرار تدخل بلاده عسكريا في الشرق الأوسط كان أسوأ قرار في تاريخ واشنطن، مشيرا إلى أن هذا التدخل كان بذريعة باطلة تمثلت بوجود أسلحة دمار شامل في المنطقة.

وأوضح ترامب أن الولايات المتحدة أنفقت ثمانية تريليونات الدولارات للقتال ولعب دور الشرطي في الشرق الأوسط، مضيفا بأن آلاف من الجنود الأمريكان قتلوا وأصيبوا بجروح حرجة ،كما قتل ملايين العراقيين .

وفي هذا الإطار قرر السفير بول بريمر الذي تولى منصب الحاكم الإداري بالعراق والذي اتخذ من المنطقة الخضراء مقرا له ان يتحدث عن هذا الأمر ،على الرغم من أن أصابع الاتهام توجه له باعتباره المسئول عن حل الجيش العراقي وحزب البعث الذي كان يحكم العراق ، كما أنه شكل ائتلافا معظمه من الشيعة والأكراد للنظر في مستقبل العراق .

وأوضح بريمر في حواره لصحيفة الاندبندنت البريطانية أنه بعد حرب الخليج الأولى وكذلك الثانية رفض بوش الأب دخول العراق لأسباب لا يعلمها لأنه لم يكن في الحكومة حينها ، أما فيما يتعلق بمسألة تحرير العراق كما يطلق عليها الأمريكان في عام 2003، يتعين على المرء أن يتذكر أن المعلومات التي كانت بحوزة الرئيس جورج بوش الابن، كان مصدرها استخبارات دول مختلفة، وليس فقط من الاستخبارات الأمريكية، بل من الفرنسيين والألمان والروس والبريطانيين، بأن صدام حسين لا تزال لديه القدرة على امتلاك أسلحة دمار شامل. كنا نعلم أنه كذب بشأن ذلك خلال التسعينيات، لأنه قال إنه تخلص من كل الأسلحة، وبعدها عثر المفتشون على أسلحة بيولوجية في عام 1995، فقط لأن عراقيا مبعدا قال أنتم لا تبحثون في المكان الصحيح.

واضاف بريمر بأن الرئيس كان يواجه مجموعة من المعلومات الاستخباراتية، ليس فقط من أجهزة الاستخبارات الأمريكية، توحي بأن صدام كان لا يزال يخون ويسعى إلى أسلحة دمار شامل، وتاليا كان قرار الرئيس الذهاب إلى أفغانستان، وأيضا إنهاء المهمة في العراق.

وأشار بريمر إلى أن المعلومات التي تلقاها بوش من أجهزة الاستخبارات في ذلك الوقت أكدت أن صدام كان يمتلك أسلحة دمار شامل عام 2003، ولم يتم العثور عليها هناك بعد الغزو، لكن القصة بشأن موضوع الأسلحة لم تكن واضحة،لافتا إلى أنه لم ير مطلقا مبررات واضحة عن سبب خطأ أجهزة أمريكا الاستخباراتية.

وقال لا بد للأشخاص الذين يشيرون إلى ذلك أن لا ينسوا ذكر الاستنتاج الذي خلص إليه مفتشونا، وهم عندما لم يجدوا أي شيء تحدثوا مع علماء صدام الذين عملوا على أسلحة الدمار الشامل وأكدوا ذلك. بريمر أضاف متحدثا عن استنتاج تشارلي دوفور، وهو المفتش الذي كتب التقرير في ذلك الوقت، وقال إنه خلص إلى أن صدام احتفظ بالعاملين وبالسياسات والمواد وأنهم يعتزمون إعادة تشغيل البرامج النووية والكيميائية والبيولوجية بمجرد مغادرتنا. الاستنتاج النهائي للمفتشين كان أنه لو رفِعت العقوبات وبقي صدام في السلطة، كان سيعيد تشغيلها. ويبقى مصير المواد لغزا، يمكن أن يكون لدينا الكثير من النظريات حول ما حدث، ولكن أي رجل عاقل لو كان يملك الأدلة التي قدمت للرئيس بوش كان سيصل إلى النتيجة ذاتها ومن ضمنهم آل ور منافس بوش في الانتخابات الرئاسية.

وأصر بريمر خلال حواره للاندبندنت أن الشعب العراقي والولايات المتحدة أفضل حالا في المنطقة اليوم ،مؤكدا أنه ليس لديه أي تردد في الدفاع عن القرار ، فنظرا للأدلة التي كانت مع الرئيس حينها لم يكن هناك خيارات أخرى.

ولم يعتبر بريمر أن صدام كان حليفا للأمريكيين، بل إن دعمهم له اقتصر على سنوات معدودات، أي أنه لم يكن سوى حليف مؤقت. وأضاف بأن "وحشية صدام تجاه شعبه، وعلى وجه الخصوص الأكراد، هي من المسببات الأساسية لخسارة الحليف الأمريكي، فقد ارتكب إبادة جماعية ضد الأكراد في الثمانينيات، واستخدم ضدهم الأسلحة الكيماوية في حلبجة في مارس 1988. هذا الأمر بدأ أولا بتحويل الرأي في الولايات المتحدة بعيدا منه، إضافة إلى تدهور علاقاتنا مع إيران التي بدأت تستخدم حزب الله لقتل الأمريكيين في لبنان عام 1983، من خلال الاعتداء على الثكنات البحرية والهجوم على السفارة الأمريكية. أعتقد أنه خلال عهد الرئيس رونالد ريجان تحولت المعادلة من مواجهة إيران والعراق، إلى مواجهة ضد سوريا وإيران اللتين لم يكن لهما تأييد كبير في الإدارة".
وتابع أن العلاقات مع صدام وصلت إلى أسوأ مراحلها خلال التسعينيات "عندما أظهر الأخير طموحا واضحا لضم الكويت إلى العراق، من خلال غزوها وتسميتها "المحافظة 19". وأضاف "وبعد كل ذلك كذبه بشأن امتلاكه الأسلحة الذي كشفه المفتشون، والاستخدام الفاضح للنفط مقابل الغذاء، خلال التسعينيات، وقد انتهى في ذلك الوقت أي تعاطف كان لدى المسئولين الأمريكيين تجاه صدام".

وفيما يتعلق بقرار حل الجيش الذي اتخذه بريمر أثناء وجوده في العراق ، زعم بريمر أنه لم تكن هناك طريقة لإبقاء الجيش لأنه لم يكن موجودا في أي مكان في العراق منذ سقوط بغداد، مضيفا بأنه وقت سقوط بغداد في 9 أبريل 2003 لم يكن هناك أي وحدة من الجيش العراقي تحمل السلاح في أي مكان في البلاد وفقا للجنرال جون أبو زيد، الذي كان قائدا للقيادة المركزية الأمريكية في العراق. والبنتاجون قال حينها إن الجيش العراقي سرح نفسه. ولكنه عاد للاعتراف بالخطأ مجددا "إن كنت قد ارتكبت خطأ في ذلك الوقت فهو استخدام كلمة حل.

وأشار بريمر إلى أن وجهة نظر الحكومة الأمريكية والبنتاجون والجيش، كانت أنه لا يجب القيام بذلك، لأن الجيش كان الأداة الرئيسة في وحشية صدام ضد شعبه.

وأضاف بريمر أن القضية الرئيسة عندما تحدث عن واقع الجيش العراقي بالتفصيل ونظرة الشعب إليه، كانت أن كل الفئات العراقية تعتبره الوسيلة التي بواسطتها نفذ صدام أعماله الوحشية ضدهم مدة 30 عاما، لذا لم يكن هناك من رأي سياسي يؤيد إعادة استدعائه. موضحا أن الزعيمين الكرديان جلال طالباني ومسعود بارزاني قالا له بكل وضوح إنهما سمعا شائعات عن وجود بعض الضباط الأمريكيين الذين أرادوا استدعاء الجيش، وهذا الكلام كان صحيحا ، حيث كان بعض الضباط يعتبرونها فكرة جيدة. وهو الكلام نفسه الذي سمعه الشيعة وأبلغوا بريمر به.

وقال إن "الأكراد كانوا بغاية الوضوح في حديثهم معي حول إعادة الجيش، وكانوا حاسمين. قالوا لي إذا تم استدعاء الجيش الذي ارتكب إبادة جماعية ضدنا سوف ننفصل عن العراق وهو ما يعني أننا كنا سنخوض حرباً أهلية بالفعل في عام 2003"

وانتقل بريمر للحديث عن الشيعة ورأيهم في حل الجيش العراقي قائلا "الشيعة الذين يشكلون غالبية السكان، حوالى 50 في المئة منهم بحسب ما يقولون وتشير إليه بعض الإحصاءات، لا أحد يعلم الرقم الفعلي، تعاونوا معنا بموجب تعليمات وفتوى من المرجع الشيعي الأعلى في العراق"آية الله علي السيستاني". وقال لي القادة الشيعة إذا فعلت ذلك، وأعدت الجيش فأنت تعيد الصدامية، لكن من دون صدام. لذلك لم يكن هناك أي رأي سياسي مؤيد لاستدعاء الجيش".

وأشار إلى أن السنة أيضا لم يرغبوا في إعادة الجيش، ولم يطلبوا منا ذلك أبدا. مضيفا بأن السنة انضموا أيضا إلى مجلس الحكم، عربا وكردا.

وأكد بريمر أنه بعد حل الجيش العراقي ورفض المكونات العراقية فكرة إعادة استدعائه، اتخذت الولايات المتحدة إجراءات عديدة، قبل تنفيذ خطة إنشاء جيش جديد، منها دفع الرواتب وقبول طلبات الانضمام لتشكيل جيش جديد، مضيفا "دفعنا رواتب لكل كبار الضباط عندما لم يتم استدعاء الجيش، والمرتبات التقاعدية زادت مرتين على الأقل، عما لو كانوا قد بقوا في جيش صدام. قدمنا لهم زيادة مالية، وأرسلناهم إلى منازلهم. وأفسحنا المجال لأي عنصر من الجيش القديم حتى رتبة عقيد، بالتقدم لطلب شغل وظيفة في الجيش الجديد، ولم يكن هناك أي تمييز ضدهم. وعندما غادرت العراق بعد 14 شهرا، كان 80 في المئة من الضباط، والضباط غير المفوضين والمجندين، من الجيش القديم".

وعلى الرغم من عدم وجود عدد كاف من قوات التحالف والقوات الأمريكية لمنع تهريب الإرهابيين عبر معبر "القائم" عند الحدود السورية العراقية، وهي النقطة التي شكلت مشكلة أساسية في ذلك الوقت، إلا أنه يرى أن الجيش هو الذي هزم تنظيم القاعدة عام2009، وداعش في عامي 2011 و2012، وأضاف "تم تدريب الجيش العراقي من قبل الأمريكيين".

واعترف بريمر أن القاعدة كانت نشطة بالفعل في العراق قبل الغزو، من خلال جماعة إرهابية تدعى "أنصار الإسلام" مقرها في المنطقة الكردية، وتطورت أساسا إلى تنظيم "القاعدة" بالعراق وفي النهاية شكّلوا "داعش"، حيث يرى أن "داعش هو فعليا النسخة الثالثة من القاعدة".

كما اعترف بريمر بأن الإيرانيين تمكنوا من بناء قاعدة مؤثرة داخل العراق، ومن ضمنها "الحشد الشعبي" "فلا يختلف اثنان على أن ما يحصل هناك منذ عام 2011 يسير بالاتجاه الخاطئ على صعيد المصالح الأمريكية وكذلك العراقية وغيرها من الدول غير الفارسية في المنطقة".

وأضاف "رئيس الوزراء العراقي الحالي عادل عبد المهدي حاول وضع "الحشد الشعبي" تحت القيادة المركزية، ولقد كنا في الموقف نفسه أثناء وجودنا هناك، كل ميليشيا يجب أن توضع تحت الإدارة المركزية. إيران لديها سليماني وهو لاعب مهم من دون شك وهذا أمر سيء".

واستكمل بريمر قائلا "إن ما يتطلبه إصلاح الوضع هناك هو حكومة غير طائفية وتفرد باستخدام القوة تحت سيطرة الحكومة المركزية، وقد تسهم المساعدة الأمريكية في تحسين الوضع هناك من خلال العمل مع شعبة مكافحة الإرهاب ومع أقسام أخرى لتمكين الجيش العراقي وإرساء الأمن. هذا ما يجب أن يكون عليه الهدف الأمريكي".

ويرى بريمر أن الوجود الأمريكي في العراق كان صلبا حتى عام 2011 مع العلم أن التأثير الإيراني كان أكبر مقارنة بعهد صدام. وقرار انسحاب القوات الأمريكية من العراق الذي اتخذه الرئيس باراك أوباما كان بداية اتخاذ الأمور المنحى الخاطئ. هنا كمنت المشكلة التي أتت بـ "داعش".

وعلى الرغم من أن بريمر يعتبر أن الخطأ خطأ أوباما، إلا أنه لا يلقي باللوم عليه وحده وقال "في عام 2003 كتبت بأننا لا نملك العدد الكافي من القوات وأننا لا نملك الإستراتيجية المطلوبة. الرئيس جورج بوش استغرق وقتا طويلاً ليدرك هذه التفاصيل". وأضاف "في نهاية عام 2006 قام الرئيس بوش بطرد دونالد رامسفيلد وزير الدفاع، وقرر زيادة عدد القوات، الأمر استغرق عامين ثم تمكنا من القيام بذلك، ومن هزيمة "القاعدة" في عام 2009".

أما عما قد يزيد من خطورة إيران، أو ما الذي من المحتمل أن يجعلها أقوى في المنطقة الآن فجزم بريمر بأنها تضررت بشدة من العقوبات الاقتصادية، فلا يمكن أن يكون اقتصادها مصدر قوتها. ولكن ذلك برأيه يجعلها أكثر خطورة. وأضاف "أعتقد أن ما يجعلهم أقوياء هو قدرتهم على ممارسة النفوذ من العراق عبر سوريا إلى لبنان. هذا يقودهم إلى البحر الأبيض المتوسط وهذا ما يريدونه، هم يسعون إلى الهيمنة من هضبة فارس إلى البحر الأبيض المتوسط".


موضوعات ذات صله

التعليقات