ياسر بركات يكتب عن : مصر ترسم خريطة العالم

السيسى بوتين - موسكو.. إفريقيا

40 دولة تشهد ميلاد المشروع المستحيل

التاريخ يساند الروس فى اكتساب ثقة الأفارقة

مليونيرات روسيا يبدأون فى تدشين خطة اقتصادية لمزاحمة الصين فى القارة السمراء

ـ بناء شبكة قوية من العلاقات التجارية الضخمة ودفع الاستثمار إلى الحدود القصوى

سد النهضة

فى جولة الحسم المصرية

سوتشى.. كلمة السر بين القاهرة وأثيوبيا.

تنعقد هذا الأسبوع القمة الروسية الأفريقية، برئاسة مشتركة بين الرئيس عبدالفتاح السيسى والرئيس الروسى فلاديمير بوتين، وسيشارك فيها رؤساء وقادة 40 دولة. والقمة هى واحدة من الأنشطة المهمة التى تضطلع بها مصر خلال رئاستها للاتحاد الأفريقى. ومن المتوقع أن تكون بداية مرحلة جديدة فى تاريخ العلاقات الروسية الأفريقية، فى ظل وجود فرص واسعة أمام الجانبين لتعزيز التعاون والتنسيق المشترك.

الأربعاء والخميس القادمان تستضيف مدينة سوتشى، الحدثان اللذان سيغيران شكل العلاقات الروسية الأفريقية، حيث سيجتمع قادة جميع دول القارة الأفريقية، بالإضافة إلى رؤساء كبرى التجمُعات والمنظمات الإقليمية الفرعية فى روسيا. ويسبق القمة، منتدى اقتصادى، ينعقد فى إطار الفعاليات رفيعة المستوى بمشاركة المسئولين الروس والأفارقة وممثلى كبرى الشركات. ومن المقرر أن يسفر عن التوقيع على حزمة هامة من الاتفاقيات فى المجالات التجارية والاقتصادية والاستثمارية. أما القمة فسوف تركز على آفاق علاقات روسيا مع الدول الأفريقية، وتنمية التعاون السياسى والاقتصادى والفنى والثقافى. كما سيتم مناقشة الجهود المشتركة لمواجهة التحديات والتهديدات الناشئة، بالإضافة إلى تعزيز الاستقرار الإقليمى. ومن المتوقع أن تتبنى القمة إعلاناً سياسياً حول المجالات الرئيسية للتعاون الروسى الأفريقى.

روسيا تصل متأخرة إلى هذه الأرض الاقتصادية-التجارية، بعد أن وضعت الصين بصمتها فى القارة وطرحت نفسها كمنافس أول للقوى الغربية. ومن المتوقع أن يتم، خلال القمة والمنتدى، توقيع العديد من الاتفاقيات التى تساهم فى تحسين ورفاهية الشعوب الأفريقية وتحقيق السلام حيث أن روسيا لديها علاقات وطيدة ومتميزة مع الدول الأفريقية وخاصة مصر التى تعمل معها على تنفيذ مشروعات مشتركة ومن المقرر مناقشة مجموعة واسعة من القضايا الدولية بالقمة الأفريقية الروسية وبحث حلول لتعميق التعاون الروسى الأفريقى فى مجالات مختلفة من السياسة إلى الثقافة. ومن المتوقع أيضا التوقيع على العديد من الاتفاقيات الثنائية والمتعددة الأطراف بما فى ذلك الاتفاقيات الحكومية الدولية والمشتركة بين الوزارات كما أن القمة تركز على العديد من القضايا الاقتصادية المهمة ذات الاهتمام المشترك ومنها قطاعات الطاقة والبنية التحتية والتعدين والزراعة وتكنولوجيا المعلومات كما تسعى روسيا لتوطيد العلاقات الأفريقية ومكافحة الإرهاب والتطرف وإيجاد الحلول لمشكلات القارة الأفريقية ومكافحة الفقر والأمراض والعمل على التقدم التكنولوجى.

بين دول القارة وروسيا شراكة مهمة فى حماية قيم الحقيقة والعدالة والاحترام الصارم لمعايير القانون الدولى واحترام الهوية الحضارية لكل شعب واحترام مسار التنمية الذى اختاروه وأهمية تضافر كافة الجهود من أجل ضمان نجاح وفعالية القمة التى تعد الأولى من نوعها بين الجانبين الروسى والأفريقى لاستمرار الطفرة الملحوظة التى تشهدها العلاقات الروسية الأفريقية فى السنوات الأخيرة وتتطلع كافة دول القارة إلى الخروج بنتائج ملموسة خلال أعمال القمة تساهم فى تعزيز التعاون الروسى الأفريقى فى كافة المجالات إضافة إلى المشاركة الفعالة فى أعمال المنتدى الاقتصادى بمشاركة كبريات الشركات الروسية والأفريقية ورجال الأعمال من الجانبين، ما يمكن اعتباره فرصة كبيرة لتعزيز التعاون فى مجالات التجارة والاستثمار بين الجانبين.

موسكو تحاول ترسيخ وضعها كقوة عالمية ذات نفوذ واسع. وعلى جدول أعمال القمة توجد محادثات سياسية واقتصادية لإثبات أن روسيا بإمكانها أن تكون شريكا موثوقا، بعد أن قدمت الكثير فى مجال التعاون للدول الأفريقية ومع عودتها إلى منطقة الشرق الأوسط عبر التدخل فى النزاع السورى. وفى إطار دبلوماسيتها الاقتصادية تحاول موسكو تعبئة شبكاتها التى كانت قائمة خلال حقبة الحرب الباردة وتحويل الميول الايديولوجية القديمة إلى مجال الأعمال. وتأسيسا على ذلك أرسلت أسلحتها وعشرات المستشارين العسكريين إلى أفريقيا الوسطى فى بداية 2018 بعدما كانت منطقة نفوذ فرنسية. كما وقعت موسكو عدة عقود تعاون عسكرى كان آخرها مع مالى فى يونيو.

تسعى موسكو من خلال قمة سوتشى، للسير على خطى قوى كبرى مثل فرنسا والصين وغيرهما فى بناء شبكة علاقات متنوعة ومتينة مع الدول الأفريقية، مستندة إلى أنها لم تكن يوما من الدول الاستعمارية فى القارة السمراء. بل كان لها دور فى نيل عدد من الدول الأفريقية لاستقلالها ما بين الخمسينيات والسبعينيات، حيث بادر الاتحاد السوفيتى، عام 1960، بتبنى «إعلان منح الاستقلال للدول والشعوب المستعمرة». وبحلول منتصف الثمانينيات أقام الاتحاد علاقات دبلوماسية مع 46 من أصل 53 بلدا أفريقيا. ولدى موسكو بالفعل علاقات اقتصادية مع العديد من دول القارة، وتتراوح قيمة استثماراتها هناك بين 8 و10 مليارات دولار. وخلال الفترة من عام 2010 إلى عام 2017، ازداد مجموع الصادرات الروسية إلى أفريقيا 3 أضعاف تقريبا من 5 مليارات إلى نحو 15 مليار دولار. كذلك لدى موسكو اتفاقيات مع 20 دولة افريقية حول الاستخدام السلمى للطاقة الذرية، وينتظرها مستقبل مبشر فى مجال الطاقة والصناعة النفطية، حيث تبلغ حصة أفريقيا من إنتاج النفط العالمى 11% بينما تحتل روسيا المرتبة الأولى عالميا فى تصدير الغاز الطبيعى.

فى مجال التسليح العسكرى تسعى روسيا إلى فرض نفسها كمصدر أساسى للأسلحة الروسية إلى أفريقيا بعد أن بلغت قيمة الصادرات الروسية من الأسلحة إلى أفريقيا خلال الفترة ما بين عامى 2000 - 2013 قرابة 12 مليار دولار، ما يعنى أن حصة الأسلحة الروسية تبلغ نحو 30% من السوق الأفريقية. والمستوردون الرئيسيون للأسلحة الروسية الجزائر ومصر وأوغندا وأثيوبيا. وقعت أنجولا على عقد بقيمة تتجاوز المليار دولار للتزود بمعدات منها مقاتلات سوخوى. كما وقعت كل من روسيا ونامبيا عقداً تحصل بمقتضاه نامبيا من روسيا على صواريخ مضادة للدبابات وقذائف هاون وذخيرة. بينما وقعت روسيا مع غانا عقودا لتسليم مروحيات ومقاتلات سوخوى بلغت تكلفتها الإجمالية 66 مليون دولار.. كما تبيع روسيا الأسلحة إلى مالى بموجب تعاقد تم توقيعه سنة 2012 بلغت قيمته الإجمالية 12 مليون دولار ويتم بمقتضاه تسليم مالى بنادق ومدافع رشاشة وذخائر.

أفريقيا صارت فى مجال مصالح الكرملين السياسية، ومن المتوقع أن نشهد فى السنوات المقبلة تمدداً روسياً فى القارة السمراء ربما من خلال زيادة المساعدات والمعونات العسكرية لبعض الدول فى أفريقيا وزيادة الاهتمام بالشئون السياسية الأفريقية. وعلى الصعيد الفكرى والثقافى بدأت موسكو فى إنشاء العديد من المراكز فى الدول الأفريقية، وأرسلت نخبة من مثقفيها لتدريس وتعليم اللغة الروسية فى دول أفريقيا، كما توفر العديد من المنح التعليمية إلى بعض البلدان النامية ومنها الدول الأفريقية من أجل الدراسة فى روسيا.

من ناحية أخرى من المنتظر أن يلتقى الرئيس عبدالفتاح السيسى ورئيس الوزراء الأثيوبى بمشاركة الرئيس الروسى لدفع المفاوضات المصرية الأثيوبية حول سد النهضة خطوة إلى الأمام.


التعليقات