ياسر بركات يكتب عن : العائد من سوتشى

مصر صنعت الجسر التاريخى
12.5 مليار دولار حصيلة القمة

شطب 20 مليار دولار من ديون القارة السمراء
وبوتين يتعهد بـ9 تريليونات دولار فى حجم التبادل التجارى

صراع الذهب واليورانيوم
الحلم الروسى.. والكنز الأفريقى

عاد الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى القاهرة، بعد زيارة إلى روسيا ترأس خلالها مع الرئيس الروسى فلاديمير بوتين أعمال القمة الروسية الأفريقية الأولى التى عقدت فى مدينة سوتشى وشهدت توقيع عدد من الاتفاقيات بين روسيا والدول الأفريقية، قيمتها بنحو 12.5 مليار دولار. واتفق المشاركون فى القمة على إنشاء آلية شراكة الحوار، طبقا لما جاء فى البيان الختامى للقمة، دعما وتأييدا لأهداف الدول الأفريقية على النحو المنصوص عليه فى برنامجها الاجتماعى والاقتصادى "جدول أعمال 2063". وتهدف آلية شراكة الحوار إلى التنسيق لتطوير العلاقات الروسية الأفريقية، على أن يتم إنشاء منتدى شراكة روسيا أفريقيا.

القمة الروسية الأفريقية انطلقت، يوم الأربعاء الماضى فى مدينة سوتشى المطلة على البحر الأسود تزامنا مع عقد المنتدى الاقتصادى "روسيا-أفريقيا" بمشاركة نحو 43 رئيس دولة وحكومة أفريقية. وأعلن الرئيس الروسى، فلاديمير بوتين، انعقاد القمة الأفريقية الروسية كل 3 سنوات بالتناوب بين روسيا وإحدى الدول الأفريقية، وعقد مشاورات سنوية لوزراء الخارجية. وفى ختام القمة عقد الرئيسان السيسى وبوتين مؤتمرا صحفيا، أكد فيه الرئيس السيسى أن الجانبين الأفريقى والروسى سيستمران فى التنسيق لمتابعة تنفيذ مخرجات هذه القمة، بما يحقق آمال وطموحات الشعوب الأفريقية وشعب روسيا.

كان بوتين قد دعا فى افتتاح القمة، إلى زيادة حجم التجارة مع الدول الأفريقية إلى المثلين خلال فترة تتراوح بين أربع وخمس سنوات قادمة وقال إن موسكو شطبت أكثر من 20 مليار دولار من الديون الأفريقية. وأشار بوتين إلى أن روسيا تعتزم تعزيز وجودها فى القارة الأفريقية، معتبرا إياها قارة واعدة، وقال إن حجم الاقتصاد الأفريقى سيصل إلى 9 تريليونات دولار بحلول 2050. وتقول روسيا إن حجم تجارتها مع الدول الأفريقية ارتفع إلى 20 مليار دولار العام الماضى لكن مكتب الإحصاء التابع للاتحاد الأوروبى (يوروستات) يقول إنها ليست ضمن أكبر خمسة شركاء من حيث تجارة البضائع والسلع مع القارة.

يأتى فى مقدمة هؤلاء الشركاء الاتحاد الأوروبى تليه الصين ثم الهند والولايات المتحدة ودولة الإمارات العربية المتحدة. وكانت موسكو والقاهرة قد وقعتا فى 2018 اتفاقا لإنشاء منطقة صناعية روسية فى مصر، التى من المخطط أن تمتد على مساحة 5.25 كيلومتر مربع وباستثمارات تبلغ 6.9 مليار دولار وستنفذ على ثلاث مراحل ولمدة 13 عاما. وتعهد مسئولون أمريكيون بمواجهة ما يعتبرونه نفوذا سياسيا واقتصاديا متناميا لموسكو فى أفريقيا، وكذلك الصين، التى كان لها حضور اقتصادى كبير هناك منذ أمد وبدأت سلسلة مؤتمرات قمة أفريقيا الخاصة بها فى 2006.
قمة "سوتشى" جاءت بعد جهود كبيرة بذلتها الحكومة الروسية داخل القارة خلال الأعوام الماضية، على الصعيد التجارى والاقتصادى، وتترجم رغبة الرئيس الروسى فى غزو العالم بهدوء، ومن خلال سياسة المصالح المشتركة. وتعد القارة الأفريقية، منجماً بِكراً للمعادن الخام، كما أن الدول الأفريقية التى تخطو خطوات جادة نحو التنمية والاستقرار، تمثل سوقاً مفتوحة وكبيرة كذلك لكل الدول العظمى، وهو ما دفع بوتين للاتجاه نحو جنوب العالم من أجل تقوية نفوذه واستعادة العرش السوفيتى.

حسب تحليل موسع للكاتبين الروسيين دنيس فيموسكو، وريستل ثوناند، فإن روسيا تستخدم استراتيجية جديدة من أجل استعادة مكانتها فى القارة الأفريقية، وهو ما كان واضحا فى الكلمات التى تحدث بها رئيس الوزراء الروسى ديمترى ميدفيديف، فى اجتماعات البنك الأفريقى للاستيراد والتصدير، الذى نظمته موسكو قبل ثلاثة أشهر بمشاركة 1500 شخص من 81 دولة حول العالم. وأعلن ميدفيديف عن طموح بلاده فى أن تصبح شريكاً اقتصادياً رئيسيا للقارة بالاعتماد على بنك Afreximbank "أفريكزمبنك" الذى أصبحت الحكومة الروسية أحد المساهمين فيه منذ ديسمبر، ومن خلاله يريد الكرملين رسم خريطة تأثيره التجارى على القارة.

تعتمد روسيا فى تنفيذ إستراتيجيتها الرأسية فى أفريقيا على مركز التصدير (REC) المساهم فى أفريكزمبنك منذ ديسمبر 2017، من خلال الشراكة مع البنك الأفريقى الذى ظهر فى السنوات الأخيرة باعتباره الذراع المالية للشركات الأفريقية. ويشير التحليل نفسه إلى أن روسيا تريد أن تعيد تقديم نفسها مرة أخرى لدول القارة الأفريقية من خلال قمة سوتشى، خاصة مع الوضع فى الاعتبار القفزة الهائلة التى حققتها المبادلات التجارية بين روسيا ودول أفريقيا "80% منها موجّهة إلى دول شمال أفريقيا على رأسها الجزائر ومصر" بنسبة 17% لتصل إلى 20.4 مليار دولار بنهاية عام 2018، وفق بيانات دائرة الجمارك الفيدرالية الروسية. أى نصف قيمة مبادلات فرنسا وعشر مرات أقلّ من مبادلات الصين مع أفريقيا، لكن ديناميكيتها إيجابية، وترغب موسكو فى أن يتجاوز هذا الرقم حجم الـ50 مليار دولار بحلول عام 2024.

خلال الفترة من عام 2010 إلى عام 2018، زاد إجمالى حجم الصادرات الروسية إلى أفريقيا بأكثر من 3 أضعاف من 5 مليارات دولار لنحو 17.5 مليار دولار، لتمثل 4% من إجمالى الصادرات الروسية. وشهدت الأعوام الخمسة الماضية نموا ملحوظا فى أنشطة الشركات الروسية بعدد من الدول الأفريقية ومن بينها زيمبابوى وأنجولا والجابون وزامبيا وموزمبيق وجنوب أفريقيا فى العديد من المجالات من بينها التعدين والطاقة والنفط . ومن أبرز الشركات الروسية العاملة فى أفريقيا، "ألروسا" لإنتاج الألماس، وشركات كبرى تعمل فى مجال الطاقة مثل "روس نفط" و"لوك أويل" و"غازبروم"، ومؤسسة "روس آتوم" وغيرها.

سنة 2015، أطلقت روسيا المنتدى الروسى الأفريقى بهدف تأسيس علاقات سياسيَّة واقتصاديَّة وتجارية جديدة بين الطرفين، كما تسعى روسيا إلى التفاعل مع القضايا الأفريقية على الصعيد الدولى، ومنها الدعوة الأفريقية إلى إصلاح الأمم المتحدة، وأحقية حصول القارة السمراء على مقعد أفريقى فى مجلس الأمن الدولى، لكى تُعزّز من وجودها.

الدول المشاطئة للبحر الأحمر من أهم نقاط ارتكاز السياسيات الروسية فى أفريقيا، كما تعتبر مصر فى مقدمة الدول التى تهتم بها روسيا فى منطقة شمال أفريقيا، حيث عملت موسكو على دعم علاقتها مع القاهرة من خلال إبرام عقود وصفقات أسلحة، والاتفاق على إنشاء مفاعل الضبعة النووى، ودعم العلاقات الثنائية على الأصعدة العسكرية والاقتصادية والثقافية وغيرها. كما تتشارك كل من موسكو والقاهرة الرأى حول عدد من القضايا الإقليمية، أهمها المسألة السورية.

وتعتبر موسكو القاهرة البوابة الحقيقية لتمدد النفوذ الروسى نحو أفريقيا جنوب الصحراء، وبخاصة نحو السودان، من خلال الرغبة الروسية فى الحصول على صفقات التنقيب عن المواد الخام والثروات الطبيعية هناك. أما فيما يخصّ دول القرن الأفريقى، فإن مكافحة الإرهاب وتعزيز السلم من أهم المداخل الروسية فى هذه المنطقة، حيث تلعب روسيا دوراً نشطاً فى عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة فى أفريقيا، وتشارك قوات روسيَّة فى حفظ السلام فى دول إريتريا، وإثيوبيا، والسودان، وجنوب السودان، والكونغو الديمقراطية، إضافة إلى كوت ديفوار وليبيريا، والصحراء الغربية.

ويتجاوز حجم الجنود الروس المشاركين فى تلك العمليات حجم نظرائهم من دول فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، فضلاً عن الترحيب الروسى بتسوية الخلافات والصراعات الإقليمية الراهنة فى منطقة القرن الأفريقى، بما يعزّز استقرار وأمن المنطقة.

كما تستخدم روسيا التجارة فى السلاح كمدخل مهم لتوسيع شراكاتها فى المنطقة، وتعميق العلاقات السياسيَّة والاقتصاديَّة والأمنيَّة مع دول المنطقة، فقد باعت شركة "Rosoboron Export" خلال الفترة من 2011- 2013 أكثر من 12 طائرة هليكوبتر هجومية من طراز Mi-24، وطائرات نقل هليكوبتر Mi-814، للحكومة السودانية. وقد اعتمدت روسيا أيضا سياسة تخفيض عبء الديون عن قارة أفريقيا؛ حيث ألغت ديونا بقيمة 20 مليار دولار فى عام 2012، إضافة إلى 16 مليار دولار تم إسقاطها عن كاهل الأفارقة فى عام 2008. كما خفَّضتْ عبء الديون لعدد من دول القرن الأفريقى، مثل إثيوبيا فى إطار مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون، فى الوقت الذى قدّمت فيه مساعدات إنسانية لبلدان المنطقة، مثل إثيوبيا والصومال، بما يشكل تطوراً إيجابياً فى مسار العلاقات الروسية مع هذه الدول.

روسيا حققت اختراقا مهما على الساحة الأفريقية، حينما استطاعت أن تحصل على موافقة أممية بتسليم الأسلحة لأفريقيا الوسطى عام 2017، وتدريب جنودها على استخدامها، والتى يفرض عليها حظر أممى منذ 2013 بسبب النزاع المسلح بين الطوائف، وذلك فى ديسمبر من نفس العام. فى هذا السياق تمت الاستجابة لطلب من رئيس أفريقيا الوسطى بالحصول على الأسلحة، ولذا قامت روسيا بتسليم أسلحة خفيفة وقوات للتدريب فى يناير 2018، وكذلك عقدت صفقة أسلحة أخرى فى أغسطس 2018.

لم تكتفِ روسيا بالأسلحة فقط، حيث أصدرت مجلة "أتلانتك" الأمريكية تقريرا يشير إلى وصول 170 مستشارا مدنيا واعتبارهم من قوات شركة عسكرية خاصة "فاجنر"، وذلك لتدريب القوات الحكومية، كما تمت الإشارة إلى ظهور 500 آخرين من مقاتلى "فاجنر" على حدود السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى، فضلا عن توفير قوات خاصة لتأمين فوستين ارشانج تواديرا، رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى، كما تمت الإشارة إلى ظهور شركة عسكرية أخرى تسمى باتريوت، التى يبدو أنها تمتلك صلات جيدة بمسئولى وزارة الدفاع وتقدم أجوراً عالية تصل إلى مليون روبل فى الشهر، الأمر الذى يزيد من احتمالية استمرار الوجود فى أفريقيا الوسطى والانتشار فى مزيد من الدول الأفريقية.

وقد أسهمت روسيا بشكل أساسى فى إدارة اتفاق السلام بأفريقيا الوسطى تحت مظلة الاتحاد الأفريقى وبتسهيلات واضحة من السودان منذ يوليو 2017، وأتى توقيع الاتفاق فى أغسطس 2018، وذلك بإدارة مفاوضات بين الجبهة الشعبية لنهضة أفريقيا الوسطى، والحركة الوطنية لأفريقيا الوسطى، وحركة الأنتى بلانكا، والوحدة من أجل سلام أفريقيا الوسطى. وتبع ذلك تعزيز التعاون فى مجال التعليم، والتبرعات الروسية فى بناء المستشفيات وتوفير قوات خاصة لتأمينها ومراقبة توصيل مواد البناء لاستكمال العديد من المستشفيات.

وفى هذا السياق، يعتبر الحصول على الذهب والماس واليورانيوم من أهم الدوافع الرئيسة لروسيا بشأن الوجود فى أفريقيا الوسطى، حيث تعتبر دولة غنية بهذه الموارد، كما عبّرت روسيا عن ذلك بشكل صريح، حيث أعلن الرئيس الروسى فلاديمير بوتين عقب لقائه رئيس أفريقيا الوسطى فى مايو 2018، عن سعى بلاده لتعزيز التعاون الاقتصادى بين البلدين. كما تلعب المراكز الثقافية الروسية للعلوم والثقافة دوراً فى تعزيز الوجود الروسى فى المنطقة، حيث تعمل بشكل مثمر فى إثيوبيا، إلى جانب تنزانيا والكونغو وزامبيا، كما تقدم روسيا المنح والتدريب للطلبة الأفارقة فى الجامعات الروسية، ففى عام 2017 درس أكثر من 1800 شاب أفريقى فى روسيا، وبشكل عام، هناك 15 ألف شاب أفريقى يدرسون فى روسيا منهم 4000 فى مِنَح دراسية مُمَوَّلَة من الحكومة الروسية.

العلاقات الروسية-الأفريقية لم تبدأ فى الحقبة السوفيتية، فقد قدمت الإمبراطورية الروسية فى عام 1896 إلى إثيوبيا، التى ينحدر منها أسلاف الشاعر الروسى ألكسندر بوشكين، دعماً عسكرياً لكبح محاولات منافستها الأوروبية الكبرى بريطانيا للاستيلاء على قناة السويس. ثم بدأ الاتحاد السوفيتى، بعد اندلاع "الحرب الباردة" فى عام 1947، بإقامة علاقات دبلوماسية مع الدول الأفريقية لمواجهة دول القارة العجوز هناك واللاعب الأمريكى العالمى الصاعد، ليصبح الاتحاد السوفيتى لاعباً رئيساً فى أفريقيا.

فى السبعينيات من القرن الماضى كان 40 ألفاً من المستشارين السوفيت يعملون فى مجالات التعاون العسكرى والثقافى والاقتصادى فى 40 بلداً أفريقياً. وكان الوجود السوفييتى فى القارة الأفريقية جلياً فى كل شىء: من العلوم والتعليم إلى المشروعات الاقتصادية الضخمة والوجود العسكرى. ويبقى السد العالى القائم فى أسوان، الذى بنى بمساعدة 400 خبير سوفيتى عام 1968، رمزاً حيا للتعاون السوفيتى-المصرى فى أفريقيا. غير أن الفوضى السياسية، التى عمت روسيا فى أعوام التسعينيات العجاف بعد تفكك الاتحاد السوفيتى قلصت كثيراً النفوذ الروسى فى أفريقيا، ما استدعى إغلاق 9 سفارات و3 قنصليات روسية هناك.

لم يعد الاهتمام الروسى بأفريقيا إلا بعد اعتلاء فلاديمير بوتين سدة الرئاسة فى مطلع الألفية الثالثة، حين بدأت موسكو مسيرتها الطويلة للعودة إلى هناك، حيث كان من الضرورى بدء كل شىء من جديد، إذ إن الغياب الروسِى، أوجد فراغاً استمر خلال ثلاثة عقود واستغله لاعبون جدد، وهم الصين، الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، لكن روسيا، على الرغم من خسارتها المنافسة فى مؤشرات التعاون الاقتصادية-الأفريقية أمام اللاعب الأكبر "الصين"، فإنها تمتلك ما يكفى من الأوراق القوية هناك.

الانسحاب الروسى من أفريقيا كان خطأ فادحاً، حيث تمتلك موسكو ودول القارة الأفريقية أكثر من 50% من الموارد الطبيعية الموجودة على سطح الأرض. وتتخذ روسيا لنفسها مكاناً فى القطاع النفطى فى غانا ونيجيريا، وفى قطاع الماس فى أنجولا وتتقدم فى قطاع النيكل فى دول أخرى. وتعمل الحكومة الروسية حالياً وبشكل ملموس على تنفيذ عشرات المشاريع فى أفريقيا، خاصة فى مجالات الجيولوجيا والتعدين والطاقة، والصناعة والزراعة، ومصايد الأسماك، والاتصالات السلكية واللاسلكية. وتمتد اليوم المشروعات الروسية فى القارة من شمالها لجنوبها، ومن غربها لشرقها.


التعليقات