ياسر بركات يكتب عن : مع عقوبات اقتصادية جديدة.. صباع الكونجرس فى عين أردوغان!

واشنطن تعترف رسميا بمذابح الأتراك للأرمن
الأمريكان أعلنوا انتهاء شهر العسل مع حزب العدالة والتنمية وقرروا تصفية المغرور التركى

أحرقوهم أحياء
قصة ضابط المخابرات البريطانى الذى أنهى أسطورة أردوغان

"الموجز" تنشر شهادة إيتان بيلكايند
عن جرائم التعذيب العثمانى

صفعة مزدوجة وجهها الكونجرس الأمريكى للرئيس التركى رجب طيب أردوغان بتأييده بأغلبية ساحقة قرارين ضد تركيا الأول بفرض عقوبات جديدة والثانى يعترف رسميا بعمليات القتل الجماعى التى تعرض لها الأرمن على أيدى الإمبراطورية العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى، ويؤكد أن المذابح والتهجير القسرى ابتداء من عام 1915، كانت إبادة جماعية. وعلى الرغم من أن القرار لا يتوقع فرض عقوبات، فإنه يحمل قيمة رمزية مهمة.

حتى سنوات قليلة مضت، كانت علاقات حزب العدالة والتنمية الحاكم الجيدة مع واشنطن تجعل من غير المرجح للغاية أن يتم إقرار هذا القانون. وحتى فى عام 2015، الذى تزامن مع مرور مئة عام على الأحداث المعترف بها الآن على أنها إبادة جماعية، لم يغير الرئيس السابق باراك أوباما صيغته ولم يمرر الكونجرس القرار للاعتراف بها. غير أن موجة الاستياء المتزايدة من أردوغان فى واشنطن قد أضاعت عشرات السنين من جهود وضغوط تركيا. وأظهرت الأصوات المؤيدة لمشروع القانون بأغلبية ساحقة قوة المعارضة ضد الرئيس التركى.

باختصار، يعترف مشروعا القوانين اللذان أقرهما مجلس النواب بالإبادة الجماعية للأرمن ويشملان حزمة عقوبات على تركيا لوقف ارتكاب "مذابح بحق الأكراد". وقد تم إقرار المشروعين فى الوقت الذى احتفلت فيه تركيا بيوم الجمهورية، فى الذكرى السادسة والتسعين على تأسيسها. كما طالبت حزمة عقوبات مجلس الشيوخ وتلك التى أقرها مجلس النواب بالفعل بتقديم تقرير عن أصول أردوغان وأفراد أسرته. وهذا البند يتيح لوكالات المخابرات الأمريكية ووزارة الخارجية والسلطات المسئولة الأخرى تتبع أصول أردوغان من الناحية القانونية إذا حصلت نسخة من حزمة العقوبات التى أقرها مجلس النواب على أغلبية تتجاوز حق النقض (الفيتو) فى مجلس الشيوخ.

"أحرقوهم أحياء وأغرقوهم فى الفرات".. شهادة حية كشفها إيتان بيلكايند وهو ضابط تخابر لصالح البريطانيين أثناء الحرب العالمية الأولى، تؤكد مدى الفاشية التى ارتكبها العثمانيون بحق الأرمن قبل نحو مئة عام.

شهادة "إيتان بيلكايند" حول إبادة العثمانيين للأرمن فى عام 1915 لها أهمية خاصة تميزها عن بقية الشهادات الأخرى التى كتبت فى الفترة نفسها من قبل دبلوماسيين أجانب. ذلك أن "بيلكايند"، مكنته ظروف عمله الرسمى داخل الجيش الرابع العثمانى فى سوريا من معاينة مذابح الأرمن على يد السلطات التركية بنفسه. وكانت تقاريره حول تلك المذابح، التى أرسلها سرًا إلى الإنجليز أثناء الحرب واحدة من أهم مصادر توثيق إبادة الأرمن، التى تنكرها تركيا حتى اليوم.

ولد إيتان بيلكايند فى عام 1887 بـ"ريشون لا صهيون" فى فلسطين العثمانية. وفى عام 1904، انتقل مع شقيقه يشاى للتعلم فى مدرسة "كيريات سفر" فى "شفيا". وأقام هناك مع عمه إسرائيل بيلكايند. وظل إيتان فى المدرسة لثلاث سنوات. وعندما أصيب بمرض، اضطر للعودة إلى والديه فى لا ريشون صهيون وأكمل دراسته بمدرسة المدينة. وفى سن العاشرة، بدأ دراسته فى المدرسة الثانوية "هيرزليا" فى تل أبيب، وعاش فى يافا مع عماته أولجا وسونيا بيلكايند.

عندما استدعى أخوه نامان بيلكايند للجيش التركى، راودت إيتان فكرة التعلم فى المدرسة العسكرية بالآستانة. وفى عام 1912، ولم يكن قد أتم بعد الخامسة عشر من عمره، سافر إيتان إلى إسطنبول وتم قبوله فى المدرسة العسكرية البحرية. ولكن والديه رفضا التوقيع على تنازل عن حقوقهما فى الصبى الذى كان من المفترض أن يصبح ملكية تركية بانضمامه إلى المدرسة. وهو ما دفع إيتان للانتقال إلى المدرسة العسكرية. وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، قبل إيتان فى مدرسة القادة العثمانية وحصل على رتبة ضابط. ثم التحق بالجيش الرابع العثمانى المرابط فى دمشق الذى كان تحت قيادة جمال باشا الشهير باسم السفاح. وقد عين بيلكايند فى ذلك الوقت مترجما فى الجيش بسبب إجادته اللغات التركية والعربية والفرنسية.

فى مارس 1915، انتشر وباء الجراد فى جنوب بلاد الشام، وخشى جمال باشا أن يؤثر ذلك على إمدادات الجيش العثمانى بالأطعمة اللازمة. فأمر بتعيين "آرون أرونسون" مدير محطة التجارب الزراعية فى مدينة "عتليت" ليكون القائد العام لمكافحة الجراد، مخولا إياه سلطات عسكرية كاملة.

عين إيتان بيلكايند سكرتيرا لأرونسون، وانتقل إلى القدس التى كانت مقرا رئيسا لعمليات مكافحة الجراد. وبعد عام، عندما انتشر الجراد مرة أخرى، رشح إيتان ليكون قائدا لمحاربته فى شرق الأردن. كما عين مشرفا عاما على إمدادت القمح الأبيض إلى جبل الدروز فى لبنان، وهضبة الجولان. ومن أجل جهوده تلك، منح إيتان بيلكايند من قبل الأتراك ميدالية "الهلال الحديدى" وهى الميدالية الأعلى فى الجيش التركى. وعندما ظهر الجراد مرة أخرى، ولكن هذه المرة فى العراق وشمال سوريا، تمت إعارة إيتان بيلكايند إلى المعسكر الثالث العثمانى هناك بصفته خبيرا فى مكافحة الجراد. وعين فى هذه المرة مساعدا عسكريا للبروفيسور الألمانى المستقر بحلب. وقد منح إيتان ميدالة الصليب الحديدى من الجيش الألمانى بسبب جهوده فى ذلك المجال. وقدمت كل تلك الجهود السابقة صورة لعسكرى عثمانى متفانٍ فى عمله. ولكن إيتان بيلكايند فى الحقيقة كان جاسوسا على الأتراك لصالح بريطانيا. وقد ساهم بفاعلية فى تأسيس منظمة سرية صهيونية حملت اسم "نيلى".

استمدت "نيلى" اسمها من الكلمات الأولى الواردة فى سفر صامويل: (نيتزاخ يسرائيل لو ييشاكير)، وتعنى "خلود إسرائيل ليس كذبة". وقد أسسها آرون أرونسون نفسه الذى تعاون مع إيتان بيلكايند فى مكافحة الجراد بجنوب الشام. وكانت مهمة المنظمة تمهيد الأرض أمام الإنجليز لطرد العثمانيين من الشام، فى مقابل رعاية بريطانيا لإقامة دولة يهودية فوق أرض فلسطين. وقد تمكن كلا من "آرون" و"إيتان" مستغلين الصلاحيات المطلقة التى منحها العثمانيون إليهما بغباء من جمع معلومات استراتيجية حول المعسكرات العثمانية ومدى حجم واستعدادات القوات التركية. وقد دخلت "نيلى" رسميا فى خدمة الاستخبارات البريطانية بعد أن سافر آرون أرونسون إلى لندن وأقنع السير مارك سايكس بقدرات أعضاء المنظمة على إفادة بريطانيا من خلال عملهم فى أماكن حساسة بالجيوش العثمانية التى تقاتل على الجبهة الأكثر سخونة فى الشرق، وبلاد الشام.

فى عام 1917، عين إيتان بيلكايند بعد عودته إلى دمشق قائدا لإمدادات الخضراوات والألبان للمستشفيات العسكرية هناك. وفى خريف ذلك العام، تمكنت السلطات التركية من التعرف على شبكة التجسس الخاصة بالمنظمة وقبضت على الجميع. وكان من بين المعتقلين إيتان بيلكايند وأخوه نامان بيلكايند. وبينما شنق نامان، فإن إيتان ظل محبوسا فى سجن خان على باشا حتى عام 1918، عندما تمكن من الهرب مستغلا هزيمة الأتراك فى سوريا.

بعد الحرب العالمية الأولى، أدخل إيتان صناعة السينما إلى المستوطنات الصهيونية بعد أن جلب إليها الأدوات اللازمة من مصر. ولكن مع عزم المستوطنين اليهود على استخدام المقاومة المسلحة ضد الوجود البريطانى فى فلسطين كى يتمكنوا من إعلان دولة إسرائيل، فإن بيلكايند عاد إلى العمل السرى من جديد، وشارك هذه المرة فى جماعة "إيتزيل" الإرهابية التى نفذت عمليات نوعية ضد البريطانيين فى فلسطين.

وبعد إعلان دولة إسرائيل فى عام 1948، أصبح إيتان بيلكايند مواطنا بارزا فى المجتمع الإسرائيلى. وقد فتحت له جامعات تل أبيب أبوابها للمحاضرة يحاضر حول العمل السرى لمنظمة نيلى. كما أنه نشر مذكراته بعنوان "هكذا كان الأمر - قصة عضو نيلى". ونشرتها له وزارة الدفاع الإسرائيلية فى عام 1972. وفى المذكرات، يتعرض إيتان لسنوات خدمته فى الجيش العثمانى، ويقدم مشاهداته الشخصية لإبادة الأرمن على يد الأتراك. وقد أتيحت له من خلال رحلاته بين الصحراء السورية وشمال العراق فرصة تتبع المصير المحزن للأرمن فى معسكرات النفى الجحيمية، خاصة فى دير الزور، التى كان المفترض أن تكون المستقر الأخير لهم.

رحلة إيتان بين معسكرات النفى قام بها بالمشاركة مع شخص صهيونى آخر هو "جيكوب بيكر"، إضافة إلى أرمنى يدعى "شرينيان". يقول إيتان: "فى اليوم الثانى من رحلتنا، شاهد الجثث تطفو فوق مياه الفرات. وعندما سألنا الجندى (التركى) المرافق لنا، أكد أنها تنتمى للأرمن. وأعلمنا أنه يقع على الضفة الأخرى من النهر معسكر نفى أرمنى. هنا امتقع وجه صديقنا الأرمنى شرينيان، وطلب منا العبور إلى المعسكر". ويتابع: "فى المعسكر، وجدنا عدة مئات من الأرمن يسكنون خياما مصنوعة بالأيدى. المنطقة كانت نظيفة. والخيام كانت مبنية على خط واحد. عبرنا بين الخيام ونظرنا داخل البعض منها، فرأينا نساء وأطفالا. وفى واحدة من الخيام، عثر شيرينيان على واحدة من عماته، أخبرته أن كل الرجال قد قتلوا وأن النساء والأطفال هم الذين بقوا". ويضيف: "شيرينيان كان مصدوما، ولا يعلم ما الذى حدث لأمته، وأخذ يبكى على كتف عمته. ولكن جيكوب بيكر وأنا أخبرناه بأنه يجب علينا أن نكمل المسير، فاستجاب لنا. وطوال الطريق، كانت الجثث الطافية فوق سطح الفرات يزداد عددها".

وصل إيتان بعد ذلك إلى دير الزور. يقول: "وبعد ستة أيام، وصلنا إلى دير الزور، وهى مدينة مهمة فى المنطقة. قمنا بزيارة القائد العسكرى للمدينة الكولونيل الشركسى "أحمد بك". قدمنا أوراقنا الرسمية وشرحنا أغراضنا من الرحلة. أعطى جيكوب بيكر تصريحا، بينما قبض على أنا وشيرينيان. وبعد فترة، زارنا بيكر مؤكدا أن سبب القبض علينا هو الاشتباه فى كوننا من الأرمن. خاصة أن القائد قرأ اسمى إيتيان وليس إيتان، فظن أننى أرمنى". ويضيف: "زارنا بيكر لاحقا. وأخبرنا أنه حاول التأكيد لأحمد بك أن رفيقيه ليسا من الأرمن، ولكن دون جدوى. وهو ما دفعه إلى إرسال تليجرام إلى القائد العام فى دمشق. وجاء الرد بالفعل بإطلاق سراحى. ولا أعلم ما الذى حدث لصديقنا شرينيان". ثم يصف دير الزور: "دير الزور كانت مركزا عسكريا، وكان بها مشفى عسكرى يترأسه طبيب يهودى يدعى الدكتور فور، وصيدلانى يهودى يدعى أرتو. وهناك علمنا أن أحمد بك كان مسئولا عن نفى اليهود من فلسطين إلى حيفا. ودعانا الطبيبان اليهوديان للمكوث معهما فى منزلهما. وقد أخبرونا أن كل رجال الأرمن تم قتلهم فى الطريق من الأناضول، وأن النساء والفتيات الجميلات قد تركن تحت رحمة البدو".

يتابع إيتان: "وبمجرد أن وجدنا خيولا للركوب، وجنودا لمرافقتنا. قام جيكوب بيكر بالتوجه نحو الموصل، بينما توجهت أنا إلى المنطقة المبعوث إليها على طول نهر الخابور. فى الليل استمعنا لصرخات النساء من المعسكر الأرمنى الواقع على بعد كيلومتر من منازلنا. وعندما سألنا عن أسباب الصرخات، قيل لنا إن الأطفال يؤخذون من أمهاتهن للتسكين فى مدارس داخلية ليكملوا تعليمهم. ولكن فى الصباح عندما قمنا بعبور جسر فوق الفرات، صدمت بجثث الأطفال منزوعة الرأس تطفو فوق الفرات".

وصل بعد ذلك إلى بلدة آرام نهاريان. وعنها يقول: "بعد ثلاثة أيام، وصلت إلى آرام نهاريان حيث كنت شاهدا على مأساة فظيعة. كان هناك معسكران متقابلان، الأول أرمنى والثانى شركسى. كان الأخير مشغولا بالقضاء على الأرمن. كما كان هناك شيوخ من البدو يختارون الأرمنيات الجميلات كزوجات لهم. وقد قامت فتاتان بإعطائى صورا لهن وطلبن منى أن أعطيها إلى عائلاتهن فى حلب. وطلبت المرأة أن أرسل تحياتى لأى من أجده من أسرتها هناك". ويضيف: "عندما رآنى الضابط الشركسى أتحدث مع نساء الأرمن، أمرنى بالمغادرة، ولكننى بقيت لأعلم ما الذى سيحدث للأرمن بالمعسكر. الضابط الشركسى أمر الأرمن بجمع الحشائش الجافة من المكان وصناعة هرم طويل منها. ثم أمر بربط كل الأرمن الذين كانوا موجودين هناك، وكانوا نحو 5000 شخص. أياديهم مربوطة بعضها ببعض فى دائرة تحيط بهرم الحشائش الجافة الذى أشعلت فيه النار. ولم تكن سوى لحظات حتى تصاعد الدخان سريعا إلى السماء، ومعها تصاعدت صرخات المحترقين حتى الموت. هربت من المكان بأسرع ما أمكن. وبعد ساعتين من الجنون، كنت ما أزال قادرا على الاستماع لصرخات الضحايا المساكين حتى فاضت أرواحهم. وبعد يومين، عدت إلى المكان، وعاينت آلاف الأجساد المحترقة".

انتقل إيتان بعد ذلك إلى جبل سنجار شمال العراق حيث كانت خاتمة مذكراته حول إبادة الأرمن. يقول: "وصلت بعد ذلك إلى جبل سنجار حيث مساكن الإيزيديين. وعند قدم الجبل، فى الطريق المؤدى إلى مدينة أورفة فى الشمال، كنت شاهدا على عدة مذابح للأرمن قادت الأخيرين إلى الجنون. وقد شاهدت امرأة أرمنية فى واحدة من المنازل تطبخ ابنها الصغير فى قدر. وكانت كل الطرق ممتلئة بجثث الأرمن".

وفقاً لأرقام نشرتها جريدة واشنطن بوست، تلقت شركة الضغط التى أسسها زعيم المؤتمر الديمقراطى السابق ديك جيفهارت وحدها ثمانية ملايين دولار من حكومة حزب العدالة والتنمية لمنع قرارات الإبادة الجماعية للأرمن فى الفترة من 2008 إلى 2015. وعمل رئيس المؤتمر الجمهورى السابق دينيس هاسترت بعقد شهرى قدره 35 ألف دولار. وتم دفع عشرات الملايين من الدولارات للعديد من شركات الضغط الأخرى. والنتيجة النهائية هى الفشل التام. وبموجب حزمة العقوبات التى تمت الموافقة عليها فى التاسع والعشرين من أكتوبر، بقيادة رئيس لجنة الشئون الخارجية إليوت إنجل وأكبر عضو جمهورى فى اللجنة مايك ماكول، دعت الولايات المتحدة إلى محاسبة تركيا على "ارتكاب مذابح بحق الأكراد"، بحسب إنجل.


التعليقات