الدكتور محرز غالي يكتب : شبكات التواصل وصناعة الصحافة.. والفرص الضائعة

شبكات التواصل وصناعة الصحافة ... والفرص الضائعة
أكد الدكتور محرز حسين غالي أستاذ الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة أنه لا أحد يستطيع أن ينكر أن ظهورشبكات التواصل الاجتماعي، ونموها وتطورها، يعد أحد أهم العوامل المؤثرة في واقع صناعة الصحافة التقليدية في مصر والعالم، وفي اختلال هياكلها الاقتصادية والتمويلية، بل وفي مستقبلها القريب والمنظور، ذلك أن هذه الشبكات قد استطاعات خلال فترة وجيزة لم تتجاوز العقدين من الزمان، أن تستحوذ على عملاء الصحف ووسائل الإعلام التقليدية الأخرى ؛ من جمهور القراء والمشاهدين ومن المعلنين، نتيجة لما يتوافر لها من إمكانات هائلة وخصائص نوعية، أدت إلى تغيير طبيعة مفهوم الاتصال ونماذجه التقليدية، من نموذج الاتصال الخطي Linear Model ، الذي يتم بمقتضاه نقل الرسالة من الوسيلة إلى الجمهورفي اتجاه واحد، دون وجود فرص حقيقية لمشاركة الجماهير في رسم السياسات وتحديد الأولويات وفي إنتاج المحتوى الإعلامي، إلى نموذج الاتصال الشبكي Networked Model ، الذي تتم بمقتضاه عملية الاتصال بشكل جماعي from many to many، وفيها تلعب الجماهير أدورا واضحة ومؤثرة وقوية في صناعة المحتوى الإعلامي ، وفي تحديد أولوياته ، ومساراته وتوجهاته، وهو الأمر الذي أدى في الجانب الآخر إلى حدوث تغييرات جذرية في طبيعة النماذج الاقتصادية التي كانت تحكم صناعة الصحافة وصناعة الإعلام التقليدي عموما، حيث ظلت صناعة الصحافة وعلى مدار أكثر من قرنين من تاريخ نشأتها تعمل في إطار نموذج اقتصادي اتفق الباحثون على توصيفه بنموذج (70/30)، والذي يرتكز في منطلقاته النظرية والعملية على أن صناعة الصحافة تعمل في إطار سوقين رئيسيين ، تحقق منهما إيراداتها وعائداتها وهوامش الأرباح التي تتطلبها هذه الصناعة، وهما سوقي ( القراء / المعلنين) ، ويفترض هذا النموذج أن السوق الأولى ( سوق القراء : التوزيع والإشتراكات ) تتكفل بتحقيق 30% من إجمالي إيرادات المؤسسات الصحفية، في حين تتكفل سوق الإعلانات بتدبير نسبة الـ 70% المتبقية، واستمرت هذه القاعدة وهذا النموذج الاقتصادي يسود في كتابات أساتذة اقتصاديات المؤسسات الإعلامية، ويشكل قناعة راسخة لدى قيادات هذه المؤسسات والمشروعات الصحفية في معظم دول العالم، وبالفعل فقد استطاع هذا النموذج الاقتصادي التقليدي أن يحقق أهدافه والنتائج المطلوبة منه على مدار عقود طويلة، إلا أنه مع بدايات الستينيات من القرن الماضي، ونتيجة للإرتفاعات المضطردة والهائلة في أسعار ورق طباعة الصحف، وفي تكاليف المواد الخام الأخرى، بدأ هذا النموذج يتراجع في قيمته النظرية والعملية، وبدأت المؤسسات والمشروعات الصحفية في كثير من دول العالم تتراجع في معدلات أرباحها وفوائضها المالية، بل بدأ الكثير منها يحقق خسائرواضحة نتيجة عدم القدرة على منافسة التليفزيون، وقنوات التليفزيون الكابلي في الولايات المتحدة وكندا على سبيل المثال، وبدأ القائمون على شئون صناعة الصحافة، وأساتذة الإدارة واقتصاديات المشروعات الصحفية يناقشون ضرورة العمل على إيجاد نموذج بديل يتم بمقتضاه تجاوز هذا النموذج التقليدي الذي تجاوزه الزمن، فظهرت كثير من النماذج الاقتصادية الجديدة ، مثل نموذج " الشراكة التكاملية" مع الصناعات الأخرى ذات الصلة بالنشاط الصحفي والإعلامي، ونموذج " الاستثمارالتجاري " ونموذج " الصحافة المجانية " وغيرها، وقد بدأت صناعة الصحافة في كثير من دول العالم المتقدم تتبنى هذه النماذج بالفعل، وبدأت في تطوير استراتيجياتها السوقية، ونجحت في أن تعيد هيكلة نفسها من جديد ، وبدأت هذه الصناعة تحقق معدلات استثماروأرباح ضخمة للدرجة التي جعلت كثير من النقاد والمؤسسات المالية تعتبرها واحدة من أقوى خمس صناعات على المستوى العالمي، واستمر هذا الحال حتى ظهرت صحافة الإنترنت، وبدأت هذه الصحافة الجديدة تعمل في إطار مجموعة من النماذج الاقتصادية الجديدة، بدءا من نموذج التجارة الإليكترونية ، ونموذج صناعة المعلومات ، ونموذج الخدمات، وليس انتهاء بنموذج ( واجهات التطبيقات المفتوحة ) PAI ، Programmatic Application Interfaces ، فأصبحت هذه الصحافة ، وصناعة النشر الرقمي عموما ، بما توظفه من نماذج اقتصادية، وبما تتمتع به من إمكانات ضخمة تؤثر بشكل كبير في واقع صناعة الصحافة التقليدية، وتهدد مستقبلها، للدرجة التي جعلت كثيرا من النقاد والباحثين والصحفيين أنفسهم يعلنون وفاة الصحافة المطبوعة، ويعتبرونها صناعة قد باتت الآن في طور الإنقراض بالفعل .
وقد زاد من حدة هذه الأزمة وتداعياتها، أن شبكات التواصل الاجتماعي قد دخلت طرفا فيها ، فأصبحت بفضل إمكانياتها وقدراتها – التي سبق الإشارة إليها - أحد أهم العوامل التي تشكل تحديا كبيرا أمام صناعة الصحافة التقليدية، بل والرقمية أيضا، حيث بدأت هذه الشبكات في جذب المعلنين إليها، وفي استقطاب شرائح واسعة من القراء، ومن جماهير وسائل الإعلام التقليدية إليها ، وبدأت صناعة الصحافة في كل دول العالم تواجه تحديا كبيرا، يفوق في جوهره ومضمونه تلك التحديات المالية والسوقية التي كانت تواجهها صناعة الصحافة في إطار منافستها مع الوسائل الإعلامية الأخرى، أو نتيجة الظروف والأزمات الاقتصادية التي يمر بها المجتمع، حيث أصبح التحدي الجديد الذي فرضته التطورات التكنولوجية، وتطور صحافة الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، تحديا وجوديا في الأساس، أي أن صناعة الصحافة أصبحت أمام خيارين لا ثالث لهما : إما البقاء والقدرة على الصمود والاستمرارية والمنافسة، وإما " إعلان الوفاة" والدخول إلى متحف التاريخ .
والحقيقة أن صناعة الصحافة – كما تشير نتائج الكثير من الدراسات وتقارير المؤسسات والروابط المهنية- قد بدأت خلال الفترة من 2004 إلى 2012 - كنتيجة لهذه التحديات والضغوط ، تتراجع كثيرا من حيث مكانتها السوقية، ومن حيث عائداتها وأرباحها، حيث تشير الدراسات والتقارير إلى انخافض أرقام وعائدات توزيع الصحف في كثير من دول العالم ، خلال هذه الفترة بنسبة تصل إلى حوالي 60% ، وكذلك انخافض عائداتها وإيراداتها المتحققة من الإعلانات بنسبة تتراوح ما بين 30% إلى 53% ، إضافة إلى انخفاض معدلات الاستثمار في هذه الصناعة، وتراجع أعداد العاملين بها بنسب ومعدلات كبيرة، وهي التحديات التي فرضت على إدارات المؤسسات والمشروعات الصحفية ضرورة إعادة النظر في أوضاع هذه الصناعة مرة أخرى ، والبحث عن نموذج اقتصادي جديد يمكنها من إعادة هيكلة نفسها، ومن القدرة على البقاء والإستمرارية في ظل أسواق المنافسة والأوضاع السائدة ، فبدأت كثير من المؤسسات والمشروعات الصحفية الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية وفي أوروبا وشرق آسيا، بل وفي أمريكا اللاتينية وأفريقيا، في تبني النماذج الاقتصادية الجديدة التي فرضتها الإنترنت، بدءا من نموذج ( التحول ) media convergence، وتبني نموذج تعددية المنصات cross media ، ومرورا بالنماذج الاقتصادية الجديدة الأخرى مثل نموذج الرعاية التمويلية، ونموذج ريادة الأعمال، وليس انتهاء بنموذج صناعة الخدمات والمعلومات ، فتحولت كثير من المؤسسات والمشروعات الصحفية بمقتضى تطبيق هذه النماذج، من مجرد مؤسسات تصدر الصحف، إلى مؤسسات منتجة للمعلومات ، فبدأت كثير من الصحف في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا واليابان والصين والهند، وكينيا وجنوب أفريقيا والبرازيل وغيرها تستعيد مكانتها السوقية من جديد ، من خلال تطبيق هذه النماذج الاقتصادية، ومن خلال تعظيم الإستفادة من التطورات التكنولوجية ومن شبكات التواصل الاجتماعي في تطوير استراتيجياتها السوقية، وفي تدعيم ارتباطها مع جمهور القراء والمعلنين، فبدأت هذه المؤسسات في تطبيق نموذج " الدفع في مقابل الحصول على الخدمات " pay per view ، وفي تطوير أنظمة الإشتراكات وتوصيل الخدمات والمعلومات ، وبدات الكثير من المشروعات الصحفية المطبوعة تستغل علامتها التجارية في إنشاء مواقع وحسابات على الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي تقدم من خلالها خدمات أخرى، تستهدف من خلالها الوصول إلى شرائح جديدة ومختلفة من الجمهور والمستخدمين ، وكذلك بدأت هذه المشروعات تستفيد من هذه الشبكات في تعزيز مشاركة الجماهير في إنتاج المحتوى، وفي تحديد أجندة الأولويات والاهتمامات ، وهي السياسات والاستراتيجيات التي أدت إلى عودة القراء إلى الصحف المطبوعة مرة أخرى، أو إلى الإشتراك في مواقعها الإلكترونية ، الأمر الذي ساهم بدرجة كبيرة في إعادة إحياء الأمل لدى الصحفيين والقائمين على شئون هذه المشروعات ومديريها من جديد ، فبدأت تسود الأوساط الأكاديمية والمهنية نبرات جديدة يتلخص فحواها أن صناعة الصحافة مازالت قادرة على البقاء والاستمرارية، حتى وإن اختلف الشكل أو الوسيط الذي تقدم من خلاله، وأن شبكات التواصل الاجتماعي التي يعتبرها البعض أحد أكبر عوامل التهديد لاستمرار هذه الصناعة، يمكن أن تصبح أحد أهم الفرص المتاحة أهمها لتوظيفها واستغلال إمكاناتها في الوصول إلى الجماهير والمعلنين، وفي تسويق خدماتها ، والتعرف على ردود أفعال عملائها ، وهي مؤشرات ونتائج قد ثبتت بالدليل العملي في سياق كثير من التجارب العالمية .
وإذا ما انتقلنا إلى الحديث عن مصر وأحوال صناعة الصحافة التقليدية بها ، وكذلك أوضاع صناعة النشر الرقمي، فإننا لا نجافي الحقيقة إذا ما قلنا أن أوضاع تلك الصناعة بشقيها التقليدي والرقمي تشير إلى أنها تمر بأزمة وجودية طاحنة، وأن هذه الصناعة قد باتت قاب قوسين أو أدنى من الزوال والإنقراض، نتيجة تزايد معدلات خسائر المؤسسات الصحفية، وإفلاس الكثير من المشروعات، نظرا للتراجع الحاد في عائدات المؤسسات من الإعلانات ومن التسويق، نتيجة لانصراف القراء والمعلنين عنها لصالح شبكات التواصل الاجتماعي في الأساس، وتزداد حدة هذه المشكلة إذا ما أدركنا أنه بالرغم من وجود كثير من تجارب الاصلاح الإعلامي، وتجارب إعادة هيكلة المؤسسات والمشروعات الصحفية، التي حققت نجاحا ملحوظا ونتائج واقعية ملموسة في الكثير من دول العالم – كما سبق الإشارة- إلا أن القائمين على شئون إدارة هذه المؤسسات، والهيئات المعنية بتنظيم شئون الصناعة، مازالت بعيدة كل البعد عن الإستفادة من هذه التجارب، ومن تطبيقات النماذج الاقتصادية والإدارية الجديدة، ورغم إيماننا أن صناعة الصحافة في مصر، خاصة المؤسسات والمشروعات الصحفية القومية تحمل على كاهلها إرثا تاريخيا من الديون والفشل الاقتصادي والإداري، إلا أننا في الجانب الأخر نؤمن أن ما يبذل من جهود ومحاولات للاصلاح والنهوض بأوضاع هذه المؤسسات لم يصل إلى الدرجة التي نتمناها ، في الوقت الذي مازلنا ننظر إلى هذه المؤسسات باعتبارها إحدى أهم وسائل التنشئة الاجتماعية، وأحد أهم مصادر القوى الناعمة لمصر، وأحد أهم وسائل الدبلوماسية العامة، بل وأحد أهم مقتضيات الأمن القومي، في ظل عالم مفتوح، تنتقل فيه المعلومات؛ الصادق منها والزائف، كالنار في الهشيم ، وصناعة الصحافة والإعلام في مجتمعنا أصبحت بلا حول ولا قوة، فهل هذا هو الذي نريده لإعلامنا ، ولصحافتنا التي يسبق تاريخها تاريخ الكثير من الدول المهمة المحيطة بنا ؟
في تقديري أن الفرصة مازالت سانحة تماما لإعادة النظر في أوضاع صناعة الصحافة، وفي إنقاذها من الإنهيار والزوال، شريطة أن تقف الدولة والهيئات المسئولة عن تنظيم شئون هذه الصناعة وقفة جادة مع النفس وتطرح على نفسها السؤال التالي : هل وجود صناعة الصحافة وصناعة الإعلام عموما مسألة ضرورية للحفاظ على كيان الدولة نفسه، أم أنها ترفا يمكن الإستغناء عنه؟ وأي إعلام يمكن أن يسهم في تحقيق ذلك ؟ عند الإجابة على هذا التساؤل بشفافية، في تقديري أن عملية إصلاح أوضاع هذه الصناعة لن تستغرق الكثير من الوقت والجهد .


التعليقات