ياسر بركات يكتب عن : سر اتفاقية «الصخيرات» التى تحتفظ مصر بها قبل إعلان الحرب!

بعد اتفاقية العار مع القرد التركى

السراج يواجه تهمة الخيانة العظمى

الليبيون يفتحون ملفات الخونة ويرفضون توقيع اتفاقيات «خيانة» على أراضيهم

الأجواء الليبية تستعد لوقف استعدادات تطبيق الاتفاق المشبوه مع الأتراك

مصر تبصق على الخائن الحقير

الخارجية المصرية تقدم درساً فى تأمين الحدود

وتؤكد أن الخطر يهدد الأمن القومى لدول المتوسط

...

تركيا هى المسئول الأبرز، مع دويلة قطر، عن حالة الفوضى التى عاشتها ليبيا طوال السنوات الماضية، بل إن تركيا تجاهر بدعم ميليشيات الإخوان الإرهابية بالسلاح والعتاد، من مدرّعات «بى إم سى كيربى» إلى الطائرات المسيرة والذخيرة والسلاح، بل حتى بالمقاتلين الأجانب المرتزقة، الفارين من الحرب السورية والعراق. وبالتالى كان طبيعيا أن تتصاعد حالة الرفض لتوقيع فائز السراج، رئيس المجلس الرئاسى، مذكرتى تفاهم مع تركيا، بشأن الحدود البحرية والتعاون الأمنى والعسكرى.

حدث ذلك فى الوقت الذى أعلن فيه المركز الإعلامى لغرفة «عمليات الكرامة»، التابع لـ«الجيش الوطنى»، تقدم قواته للسيطرة على كامل منطقة الهيرة جنوب العاصمة طرابلس، بعد توجيه ضربات جوية وتمهيد نارى. وفى بيان طالب مجلس النواب الليبى الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن الدولى والمجتمع الدولى بوقف التدخل التركى فى ليبيا، الذى اعتبر أنه يصب فى مصلحة الميليشيات المسلحة والمتطرفين، وأعلن استنكاره ورفضه الكامل لاتفاقية التعاون الأمنى المشترك التى وقعتها حكومة الوفاق مع تركيا. وقال المجلس إن حكومة السراج غير الشرعية أبرمت اتفاقاً مع النظام التركى «بالمخالفة للإعلان الدستورى الليبى»، معتبراً أنه «لا يحق لحكومة السراج توقيع أى اتفاقية مع دولة أجنبية دون موافقة واعتماد البرلمان، باعتباره السلطة التشريعية فى البـلاد، وبالمخالفة أيضاً لاتفاق الصخيرات بالمغرب نهاية عام 2015، الذى انبثقت عنه حكومة السراج».

فى المقابل، تجاهلت حكومة السراج التنديد المحلى والغضب الإقليمى، الذى عبرت عنه مصر واليونان، بشأن إبرامها اتفاقاً عسكرياً وأمنياً مثيراً للجدل مع تركيا، حيث استمر فتحى باش أغا، وزير داخليتها فى تأكيد تعاون ليبيا الأمنى مع تركيا.

السراج قال فى بيان صدر إنه تم توقيع مذكرتى تفاهم، إحداهما تخص التعاون الأمنى، والثانية مذكرة تفاهم فى المجال البحرى، وذلك فى ختام محادثاته التى أجراها فى تركيا مع الرئيس رجب طيب أردوغان، الذى جدد دعم بلاده لحكومة السراج، وأكد رفضها للتدخل الخارجى فى الشأن الليبى. وأضاف السراج، الذى رافقه مسئولون أمنيون وعسكريون فى حكومته، أن القوات الموالية لها «قادرة على دحر العدوان»، وزعم أنها تدافع عن مدنية الدولة، وتتصدى لما وصفه بمحاولات العسكر الانقضاض على السلطة.

من جهته، رأى فتحى باش أغا، وزير الداخلية بحكومة السراج، فى تصريحات تلفزيونية أن هذه الاتفاقيات ستعزز قواته فى مواجهة قوات «الجيش الوطنى»، وستساعد حكومته على تحقيق الاستقرار والأمن.

ولم تتوافر تفاصيل بشأن الاتفاق البحرى، الذى يمكن أن يعقد النزاعات المتعلقة باستغلال الطاقة فى شرق المتوسط، ذلك أن عمليات التنقيب التى تقوم بها تركيا تغضب القبارصة اليونانيين، واليونان والاتحاد الأوروبى. لكن محمد سيالة، وزير الخارجية بحكومة السراج، قال إنه يأتى «تتويجا لمباحثات مطولة مع الجانب التركى لتحديد مجالات الصلاحية البحرية فى البحر المتوسط»، موضحا أن الاتفاق معنى بحماية ما أسماه بـ«الحقوق المشروعة للطرفين فى المنطقة الاقتصادية لكل منهما، وذلك فى ضوء اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1981».

وبعدما أكدت رفضها القاطع والتام لمثل هذه الاتفاقيات غير الشرعية «لكونها مبرمة من غير ذى صفة بموجب أحكام القانون والمحاكم الليبية»، قالت الحكومة الموازية، التى يترأسها عبدالله الثنى، إن هذه الاتفاقية «تستهدف فقط تحقيق مآرب الرئيس التركى رجب طيب أردوغان الاستعمارية، ومساعدته فى تحقيق حلمه فى إقامة إمبراطورية عثمانية ثانية، من خلال الحصول لها على موطئ قدم فى ليبيا».

بدورها، اتهمت لجنة الشئون الخارجية بمجلس النواب الليبى حكومة السراج بـ«الخيانة العظمى»، عبر تحالفها مع تركيا، وقالت فى بيان لها إن «تركيا سيكون بمقدورها استخدام الأجواء الليبية، وكذلك البرية، والدخول للمياه الإقليمية دون إذن، وإنشاء قواعد عسكرية فى ليبيا». معتبرة أن الاتفاق «يمثل تهديداً حقيقيا وانتهاكا صارخا للأمن والسيادة الليبية»، وأنه «لا يعد تهديداً فقط للأمن القومى الليبى بشكل خاص فقط، بل أيضا تهديد للأمن القومى العربى وللأمن والسلم فى البحر الأبيض المتوسط بشكل عام».

فى أول رد فعل على هذا الاتفاق، أدانت مصر التوقيع على مذكرتى التفاهم فى مجالى التعاون الأمنى، والمناطق البحرية، مشيرة إلى أن مثل هذه المذكرات «معدومة الأثر القانونى». وقالت الخارجية المصرية فى بيان، إن مجلس رئاسة الوزراء الليبى «منقوص العضوية بشكل بَيّن، ويعانى حالياً من خلل جسيم فى تمثيل المناطق الليبية»، لافتة إلى أن «دور رئيس مجلس الوزراء محدود الصلاحية فى تسيير أعمال المجلس، وكل ما يتم من مساعٍ لبناء مراكز قانونية مع أى دولة أخرى يعد خرقاً جسيماً لاتفاق (الصخيرات)». كما شددت مصر على أن التوقيع، وفقاً لما تم إعلانه «غير شرعى، ومن ثم لا يلزم ولا يؤثر على مصالح وحقوق أى أطراف ثالثة، ولا يترتب عليه أى تأثير على حقوق الدول المشاطئة للبحر المتوسط، ولا أثر له على منظومة تعيين الحدود البحرية فى منطقة شرق المتوسط».

تتحرك تركيا داخل الساحة الليبية فى خطوط متوازية، فهى تقدم دعماً لافتاً للكتائب المسلحة، وتدعم العناصر الموالية لها، وتستقطب القيادات التى تقبل التعاون معها، حتى لو كانت لا تحمل مواقف أيديولوجية واضحة ومؤيدة لها، ولعل تصريح المتحدث باسم الجيش الوطنى الليبى أحمد المسمارى فى 13 أبريل 2019، بأن هناك خطوطاً مفتوحة بين تركيا ومالطا جواً وبحراً لتقديم الدعم العسكرى للمجموعات العسكرية فى طرابلس، وأضاف المسمارى بأن هناك رحلات جوية مباشرة من تركيا إلى مصراتة تنقل مسلحين من جبهة النصرة فى سوريا، خاصة بعد ملاحظة تزايد أعداد المقاتلين الأجانب، ومن ثم كانت هذه الإشكاليات بمنزلة الدافع الأول لإعادة النظر من جديد حول جدلية، وحدود وطبيعة الدور التركى فى ليبيا.

كان الموقف التركى حاضراً وبقوة منذ اندلاع الأزمة الليبية ولكن من أجل الحرص على المصالح التركية الاقتصادية فى ليبيا التى تقدر بنحو 15 مليار دولار، كما تشكل السوق الليبية أبرز أهم النشاطات التركية ويوجد نحو 120 شركة تركية. وبعد سقوط النظام الليبى بقيادة الرئيس معمر القذافى اتجهت سياسة تركيا تجاه تقديم الدعم للتنظيمات المسلحة الممثلة فى حزب العدالة والبناء المنتمى لجماعة الإخوان المسلمين، وميليشيات مدينة مصراتة فى الغرب الليبى، ومن قبل قدمت أنقرة الدعم للجماعات المسلحة فى تحالف فجر ليبيا فى مواجهة عملية الكرامة التى أطلقها الجيش الوطنى الليبى فى مايو 2014، بقيادة “خليفة حفتر”، وهو ما تسبب فى توتر علاقاتها مع الشرق الليبى، حيث وجه قائد الجيش الليبى فى الشرق “خليفة حفتر” اتهامات لتركيا بدعم “الإرهاب” فى ليبيا، وأصدرت حكومة الشرق الليبى قراراً بإيقاف التعامل مع جميع الشركات التركية فى ليبيا رداً على سياساتها الداعمة لتحالف “فجر ليبيا”.

لا تخفى تركيا سياساتها الداعمة للجماعات الإسلامية فى العالم العربى، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، خاصة فى ظل سياسة حزب العدالة والتنمية التركى الحاكم الحريص على تقديم نفسه كحزب إسلامى، ومنذ وصوله إلى الحكم فى عام 2002، أضحت سياسة تركيا الخارجية تنحاز إلى هذه الجماعات فى تحركاتها ضد الدول الحاضنة لها، بالنسبة لليبيا قدمت تركيا الدعم للجماعات الإسلامية بعد سقوط الرئيس الليبى السابق معمر القذافى، مروراً بدعم جماعة الإخوان المسلمين فى مصر، والجماعات المسلحة فى سوريا، وعليه فإن السياسة التركية ترتسم فى اتجاه واضح وهو تبنى التحالفات مع الجماعات الإسلامية فى الوطن العربى.

بالنسبة لليبيا؛ تحاول تركيا استغلال الجماعات الإسلامية من خلال الدعم الدائم والمتواصل فى تحقيق العديد من السياسات الاقتصادية التى من شأنها توفير المشاريع الاقتصادية مثل عمليات إعادة الإعمار، وفتح الموانئ أمام السلع، ومجالاً للنفوذ فى بلد يعتبر من أكثر البلدان اهمية واستراتيجية فى البحر المتوسّط، فى ظل السياسة الهادفة للتوسع فى الأسواق الخارجية من خلال التجارة، وفتح أسواق جديدة. وفى هذا الإطار يمكن القول بأن الأهداف التركية لا تقتصر فقط على تحقيق التوغل الاقتصادى فى العديد من دول العالم الثالث؛ وليس أيضاً مجرد تمكين تلك الجماعات المتطرفة من زعزعة استقرار ليبيا، بل تقويض دول الجوار الجغرافى خاصة مصر التى بعد الإطاحة بحكم الإخوان الذين تدعمهم أنقرة، ومن ثم يتمثل الهدف الأساسى فى تحقيق مزيد من حالة عدم الاستقرار التى من شأنها تنفيذ أجندتها الخاصة بالتوسع تحت مظلة العثمانية الجديدة.

هناك العديد من الدلالات على التورط التركى فى تمويل الجماعات الإرهابية المسلحة، وهو ما أثار ردود الفعل الإقليمية والدولية حول القلق من تدفق هذه الشحنات من الأسلحة؛ حيث ضبطت السلطات الليبية فى ميناء الخمس البحرى غرب ليبيا فى 17 ديسمبر 2018، شحنتى أسلحة، ضخمتين وذخائر وحمولات قادمة من ميناء مرسين التركى، وحسب بيان الجيش الليبى فإن عدد الذخائر الواردة فى هاتين الشحنتين بلغ 4,2 مليون رصاصة، بما يكفى لقتل قرابة 80% من الشعب الليبى، إضافة إلى الآلاف من المسدسات والبنادق.

ومن قبل أوقفت السلطات اليونانية سفينة أسلحة تركية فى يناير من العام نفسه كانت فى طريقها إلى ليبيا، وأشارت وسائل الإعلام اليونانية أن خفر السواحل اليونانى تمكن من ضبط سفينة محملة بمواد تستخدم لصنع متفجرات وهى فى طريقها إلى الأراضى الليبية،. ورغم أن السفينة كانت تحمل علم تنزانيا إلا أنها أخذت حمولتها من مينائى مرسين والإسكندرونة التركيين، وعثرت السلطات اليونانية على ما يقارب 29 حاوية تحتوى على مواد تستخدم لصناعة المتفجرات. ويتعارض ذلك مع سياسات الاتحاد الأوروبى والأمم المتحدة اللذين فرضا حظراً على بيع ونقل وتوريد الأسلحة إلى ليبيا منذ 2011.

دور تركيا كان واضحاً فى دعم الجماعات المتطرفة فى ليبيا منذ ثورة 17 فبراير، وتحديداً جماعة الإخوان والجماعة الليبية المقاتلة التى يقودها الإرهابى عبدالحكيم بلحاج، فمن ناحيه قدمت لهم الدعم غير المحدود لبسط سيطرتها على عدد من المناطق الليبية، من ناحية أخرى كان الداعم الأول للإرهابى على الصلابى ليكون المسئول الأول عن توجيه الدعم التركى والقطرى إلى الجماعات المتطرفة فى ليبيا، كما أن عمليات تهريب الأسلحة والصواريخ إلى ليبيا لاستهداف قوات الجيش الليبى، ومعالجة الإرهابيين المصابين فى معارك مع القوات المسلحة الليبية كان من أهم الأدوار المؤثرة لتركيا فى الملف الليبى لتوفير لهم الدعم المالى واللوجيستى لقدرة الجماعات التابعة للإخوان على البقاء على الساحة سياسياً وعسكرياً.

بجانب الدور العسكرى الذى تقوم به تركيا فى دعم الجماعات الإرهابية، فقد التزمت الصمت بشأن المبادرات الفرنسية والإيطالية التى دعمت جهود مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة، غير أنها حاولت إيجاد مكان لها فى مؤتمر باليرمو الذى انعقد فى صقلية، وكذلك سعت للمشاركة فى جميع الترتيبات السياسية الإقليمية والدولية، وعلى خلفية الدور التركى المثير للقلق بالنسبة للجيش الوطنى الليبى أعلن المشير خليفة حفتر لأول مرة أنه سيقاطع المؤتمر لتجنب الجلوس على الطاولة نفسها مع تركيا وقطر.

وسط كل هذه التخبطات، أكدت شعبة الإعلام الحربى التابعة للجيش الليبى أن القوات الجوية والبرية والبحرية فى كامل جاهزيتها وفى أعلى معنوياتها بعد أن تلقت تدريباتها على أكمل وجه، ما جعلها على أهبة الاستعداد للتقدم بخطى ثابتة نحو قلب طرابلس بكفاءة ودقة. وقامت وحدات الاستطلاع الجوى والأرضى التابعة للجيش الليبى بمتابعة ومراقبة الميليشيات المسلحة والإرهابية، موضحة أنه تم استهدافهم جنوب أوبارى فى مشروع مكنوسة الزراعى بغارات جوية، أفضت إلى تدمير عدد 25 آلية مسلحة ومقتل العشرات من العناصر الإرهابية التخريبية، وتدمير كميات من الذخائر.

بالفعل، تقدمت الوحدات العسكرية التابعة للجيش الليبى وقامت بتمشيط مواقع عديدة، وصادرت آليات مسلحة تابعة لميليشيات الوفاق. وأوضحت القيادة العامة للجيش الليبى أنها قادرة على حماية كل الأراضى الليبية، وأنها لن تتهاون فى ردع المخربين الإرهابيين، وكل من تسول له نفسه المساس بمقدرات الشعب الليبى، خاصة قطاع الغاز والنفط، وحماية مصالح الشركات الأجنبية الشريكة التى تمثل دولاً صديقة ومصالح مشتركة.


التعليقات