ياسر بركات يكتب عن : ترامب يحتفل بسقوط مجلس الشيوخ!

براءة بطعم النبيذ وشرائح اللحم

الرئيس الأمريكى يضع خطة تأديب رومنى ويرفض مصافحة بيلوسى

كما كان متوقعًا لم تشكل نتيجة التصويت أي صدمة لدى الديمقراطيين قبل الرأي العام الأمريكي، بتصويت الديمقراطيين الأعضاء الـ47 في المجلس إلى جانب السيناتور الجمهوري ميت رومني على تهمة إساءة ترامب لاستخدام السلطة، مقابل رفضها من قبل 52 جمهوريًا، في حين صوت الديمقراطيون الـ47 على تهمة عرقلة ترامب لإجراءات الكابيتول هيل مقابل رفض كامل الأعضاء الجمهوريين الـ53 لها، في مشهد أنقذ خلاله الجمهوريون ترامب من العزل قبل بضعة أشهر من انطلاق الجولة النهائية لانتخابات الرئاسة الأمريكية.

أمام حشد من أنصاره في الغرفة الشرقية للبيت الأبيض، احتفل الرئيس الأمريكي بإسقاط مجلس الشيوخ لقضية عزله، وقال إنه ارتكب "أشياء خاطئة" في حياته "لكن هذه هي النتيجة النهائية"، وتحدث ترامب لأنصاره حاملًا نسخة من صحيفة واشنطن بوست الأمريكية كتب عليها عنوان "براءة ترامب"، قبل أن يسلمها لزوجته معربًا عن إمكانية وضع الصحيفة في إطار.

هيل جيرولد نادلر، رئيس اللجنة القضائية في الكابيتول، استبق جلسة تصويت مجلس الشيوخ على عزل ترامب، بإشارته لإمكانية استدعائهم للصقر الجمهوري بولتون للإدلاء بإفادته، وأشار النائب الديمقراطي إلى أنهم لن يطلبوا من بولتون الشهادة بقضية معاملات ترامب مع أوكرانيا فقط، إنما ستشمل شهادته تحقيقات الكابيتول هيل المختلفة التي بدأها ضد الرئيس بتصويت الأغلبية العام الماضي، وهو ما يحتاج لإصدار أمر من المحكمة قد لا يصدر قبل موعد انتخابات الرئاسة، الأمر الذي فضّل تجنبه الديمقراطيون سابقًا.

الكونجرس الأمريكي بدأ منذ يوم أغسطس 2019 فتح تحقيق مبني على شكوى قدمها موظف في البيت الأبيض يبلغ عن إساءة الرئيس ترامب للسلطة، بممارسته ضغوطًا على الرئيس الأوكراني فولدومير زيلينيسكي لإعادة فتح التحقيق في شأن المعاملات التجارية للمرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأمريكية جو بايدن ونجله هانتر، إذا ما أرادت كييف الحصول على المساعدات العسكرية من واشنطن المقدرة بـ391 مليون دولار.

وكان أعضاء مجلس الشيوخ قد وافقوا بالإجماع على بدء إجراءات محاكمة ترامب في منتصف الشهر الماضي، بعد ساعات من تصويت الكابيتول هيل على إحالة تهمتي إساءة استخدام السلطة وعرقلة عمل الكونجرس للمجلس تمهيدًا للشروع بعزل ترامب من منصبه، لكن آمال الديمقراطيين تضاءلت بتصويت غالبية الجمهوريين (51 سيناتورًا) على رفض استدعاء الشهود وجمع الأدلة في وقت سابق من الأسبوع الجاري، باستثناء السيناتور روميت رومني.

ميت رومني، السيناتور عن ولاية يوتا، كان الوحيد من بين الجمهوريين الذين أيدوا خلال الأيام السابقة استدعاء مجلس الشيوخ للشهود للإدلاء بإفادتهم، كما أنه قاد جهودًا داخل المجلس جعلت زعيم الجمهوريين ميتش ماكونيل يوافق على تمديد الوقت المخصص للبيانات الافتتاحية ثلاثة أيام بدلًا من يومين كما حددها في الجلسة الافتتاحية. وتعليقًا على تصويته برفض تهمة عرقلة عمل الكابيتول هيل الموجهة لترامب، قال رومني إن تصويته بالرفض كان بسبب فشل الديمقراطيين في استنفاد خيارتهم القانونية لتأمين الشهادات وباقي الأدلة، رغم إثباتهم التهمة الأولى المرتبطة بإساءة الرئيس استخدام منصبه بممارسة ضغوطًا على كييف للتحقيق مع بايدن الأب لأسباب سياسية.

يدرك رومني بأن تصويته على تهمة إساءة الرئيس لاستخدامة السلطة ستجعله "يعاني من تداعيات سياسية"، لا سيما وأن الرئيس ترامب يتوقع أن يحظى بالولاء المطلق من قبل الجمهوريين الأعضاء في مجلسي الكونجرس والشيوخ، وسرعان ما تُرجم حديث رومني الذي نقلته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية إلى أفعال بدعوة دونالد ترامب الابن الحزب الجمهوري لطرد رومني من الحزب. ورأى الإعلامي في قناة فوكس نيوز الأمريكية إريك بولينج أن تصويت رومني على تهمة إساءة السلطة منعت ترامب من القول إن التصويت على براءته في مجلس الشيوخ حظي بموافقة جميع الجمهوريين، مشيرًا إلى وجوب عزله من جميع الأدوار القيادية المكلف بها من قبل الحزب، متأملًا ألا يحظى تصويت رومني في المجلس باهتمام ترامب في إجابته على سؤال مرتبط إن كان سيولي قرار السيناتور الجمهوري اهتمامًا.

لم ينتظر ترامب الكثير من الوقت للرد على إدانة رومني له في مجلس الشيوخ، خصص جزءًا من كلمته التي ألقاها خلال مراسم إفطار يوم الصلاة الوطني لمهاجتمه أمام حشد من النواب والمشرعين من كلا الحزبين، بالإضافة لنخبة رجال الأعمال الأمريكيين وضيوف خاصين من دول أخرى تجري دعوتهم بشكل شخصي لحضور المناسبة التي أصبحت تقام بشكل سنوي كل أول يوم خميس من شهر فبراير منذ عهد الرئيس ديفيد إيزنهاور عام 1953. وقال ترامب خلال الكلمة السنوية مهاجمًا زعيمة الديمقراطيين في الكابيتول هيل نانسي بيلوسي إلى جانب الجمهوري رومني إنه لا يحب "الناس الذين يستغلون معتقداتهم ذريعة للقيام بما يعلمون أنه خطأ"، كما أنه لا يحب "الناس الذين يقولون.. أنا أصلي من أجلك.. بينما تعلم أن هذا غير صحيح"، وهو ما يعتبر أول تصريح علني منذ إعلان براءته أمام مجلس الشيوخ.

تصريحات ترامب جاءت ردًا على حديث رومني بأن تصويته على بند إدانة الرئيس سببه "إيمانه" الذي يفرض عليه ذلك، فيما كانت بيلوسي قد قالت في وقت سابق من العام الماضي إنها "تصلي من أجل ترامب"، وبعد تصريحات ترامب ردت النائبة الديمقراطية على تصريحات الرئيس باعتبارها "غير لائقة"، مشككة بحديثه عن "الإيمان والصلاة" لأنه لا "يعرف عنهما سوى القليل".

الخلاف بين رومني وترامب الذي يصفه الجمهوريون بأنه "معّقد" ليس الأول من نوعه، فقد هاجم السيناتور الجمهوري في مقال نشره في صحيفة واشنطن بوست الأمريكية في يناير العام الماضي سياسة ترامب في البيت الأبيض، بعدما أشار في مقدمته إلى عدم اختياره لنجم تلفزيون الواقع الأمريكي ليكون مرشح الجمهوريين للرئاسة الأمريكية. وأضاف في مقاله أن أداء ترامب خلال العامين الماضيين (2017 – 2018) لم يكن يرقى للمهام الموكلة إليه في المكتب البيضاوي، وعلى الرغم من تأييده لبعض التغييرات التي أحدثها ترامب في سياسة البيت الأبيض، فإنه عاد ليستدرك ذلك بقوله إن "السياسات والتعيينات ليست سوى جزءًا من الرئاسة"، وأنه يجب على الرئيس أن يبرهن على تمتعه بـ"الصفات الأساسية للصدق والنزاهة"، وأن يكون خطابه الوطني "هادئًا" يقوم على "الاحترام المتبادل"، وهي الصفات غير المتوفرة في شخصية الرئيس ترامب، والتي كان آخر فصولها تبادله الشتائم مع المرشح الديمقراطي مايكل بلومبيرج. وتابع رومني في مقاله مشيرًا إلى أن "كلمات وأفعال ترامب تسببت بإثارة الفزع في جميع أنحاء العالم"، وعلق على ذلك بالقول إن العالم "يحتاج إلى قيادة أمريكية من مصلحة الولايات المتحدة توفيرها"، مؤكدًا على أنه سيستمر بالحديث للصحافة منتقدًا التصريحات المثيرة للجدل، والمرتبطة بالعنصرية، التمييز الجنسي، ومناهضة اللاجئين، وغيرها من القضايا الأمنية أو "المدمرة للمؤسسات الديمقراطية".

خطاب ترامب حول حالة الاتحاد شهد أجواءً مشحونة بعد رفض ترامب مصافحة بيلوسي عندما قدم لها خطابه مطبوعًا، لكن عدسات وسائل الإعلام تحولت مع نهاية الخطاب إلى بيلوسي التي قامت بتمزيق النسختين المطبوعتين من خطاب الرئيس، ووفقًا لما نقل أحد معاوني سجل الملاحظات الديمقراطيين فإن بيلوسي استقبلت بحفاوة بالغة من المشرعين الديمقراطيين في تجمع انتخابي لهم يوم الأربعاء. وعلقت المسئولة الديمقراطية على لقطات تمزيقها القرار بأنها "حاولت العثور على صفحة واحدة لا تحوي كذبة"، مضيفةً بأنها "عندما بلغت ربعها.. فكرت..أتعلمون؟ إنه يبيع مشروع قانون سلع مثل بائع زيت ثعابين.. لا يمكننا السماح بذلك.. لذا.. بدأت في جمع أوراقي بطريقة تجعلها قابلة للتمزيق"، نافيةً أن يكون تمزيقها الخطاب بسبب عدم مصافحة ترامب لها، بسؤالها "من يهتم؟".

وركّز ترامب في خطابه الذي من المتوقع أن يكون الأخير في حال فشل بالفوز بولاية ثانية في انتخابات الرئاسة القادمة، على نمو الاقتصاد خلال فترة ولايته الأولى بتوفيره سبعة ملايين وظيفة على حد ما جاء في خطابه، وتطرق إلى سياسة بلاده الخارجية في الشرق الأوسط بالإشارة لاستهداف موكب قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، وعملية الإنزال الجوي التي قتلت زعيم تنظيم داعش أبي بكر البغدادي داخل الأراضي السورية.

وواجه ترامب العديد من الانتقادات الداخلية عقب استهدافه لموكب سليماني أثناء مغادرته مطار بغداد الدولي مطلع الشهر الماضي، ولم تقتصر الانتقادات على الديمقراطيين، بل شملت كذلك الأمر صحفيين في وسائل إعلام معروفة بولائها للجمهوريين، كما الحال مع مذيع قناة فوكس نيوز الأمريكية تكر كارلسون الذي رأى أن ترامب ناقض ياستهدافه للجنرال الإيراني أحد أهم بنود حملته الانتخابية المتضمن التوقف عن تنفيذ العمليات العسكرية الخارجية، وعودة الجنود الأمريكيين إلى بلادهم.

لكن الأهم من ذلك ما أثاره ترامب عقب الانتهاء من خطاب الاتحاد بتقليده الإذاعي المثير للجدل راش ليمبو لأعلى وسام مدني في الولايات المتحدة، ويعد ليمبو واحدًا من أبرز الأصوات السياسية اليمينية داخل الولايات المتحدة على مدى عقود، بمهاجمته للأصوات الناقدة للأمريكيين البيض الذين كانوا يضطهدون الأمريكيين من البشرة السمراء، كما أنه واحد من الأصوات التي تهاجم بشكل مستمر حقوق المهاجرين والمرأة والتنوعات العرقية ومجتمع LGTB.

وصفت وكالة رويترز الفصول الأخيرة من محاكمة ترامب بأنها "نهاية كاذبة"، مثل تلك النهايات التي يطلقها "العاملون في صناعة السينما الهوليوودية عندما يبدو أن القصة على وشك الانتهاء رغم ذلك تواصل الأحداث"، إلا أن نهاية القصة بشكل كامل لن تكون إلا عندما يتوجه الناخبون الأمريكيون إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم لاختيار رئيس جديد للولايات المتحدة في نوفمبر القادم.

وفي اللحظة التي عقد مجلس الشيوخ جلسته لتبرئة الرئيس من التهم الموجهة إليه، كان ترامب على بعد ميل واحد يجتمع مع أسرته وفريق الدفاع ومجموعة من الجمهوريين والإعلاميين ورجال الأعمال المؤيدين له، ضمن أجواء مليئة بشرائح اللحم وكؤوس النبيذ، وصفتها نيويورك تايمز بأنها لحظة من لحظات "الحفاظ على أمريكا العظمى"، أحد الشعارات المرفوعة في حملة ترامب الانتخابية، وتشير التقارير إلى دفع اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري ما يزيد على 440 ألف دولار للفندق منذ انتخاب ترامب رئيسًا للولايات المتحدة.

كان ترامب قد قضى الساعات التي استبقت جلسة مجلس الشيوخ مع أعضاء إدارته، قبل أن يتناول وجبة الغذاء مع وزير الدفاع مارك إسبر، ثم التقى بعد ذلك بزعيم المعارضة الفنزويلية خوان جايدو، غير أنه ألغى ظهوره العلني إلى جانب جايدو بشكل مفاجئ دون أي تفسير، لينتقل بعدها للاجتماع من الدائرة المقربة منه في فندق ترامب الدولي للاحتفال بتبرئة مجلس الشيوخ سجله من التهم التي واجهها. وعلى الرغم من براءة ترامب بعد أقل من ستة أشهر على بدء تحقيق الكابيتول هيل، فإن التحقيق ساهم برفع الغطاء عن الفوضى التي سببتها إدارة ترامب في السياسة الخارجية لواشنطن، إلا أنه عمل بشكل أو بآخر على ارتفاع نسبة شعبيته إلى 49%، وهي أعلى نسبة يحصل عليها منذ توليه منصبه رسميًا في يناير 2017. وبينما استمرت نسبة المنادين بعزل الرئيس مستقرة رغم جميع التحولات المثيرة التي رافقت تحقيقات المساءلة خلال الأشهر الماضية، فإن الدعم لكلا الحزبين بقي مستقرًا إلى حد كبير كما هو مظهرًا انقسامًا حزبيًا واضحًا، في حين توافق الناخبون من كلا الحزبين بشكل قوي على تقديم المزيد من الشهود والوثائق والأدلة لجلسات المساءلة التي عقدها مجلس الشيوخ.

في استطلاع آخر للرأي أجرته رويترز يومي الثالث والرابع من الشهر الجاري، وافق 42% على أداء ترامب مقابل استنكار 53% لأدائه، وهي ذات النسبة التقريبية لاستطلاع مماثل أجري في سبتمبر الماضي، بعدما أظهر موافقة 43% على أداء ترامب مقابل استنكار 52% لأدائه، ورأى مدير مركز الدراسات السياسية بجامعة فرجينيا لاري ساباتو أن المحاكمة "حققت أمرًا واحدًا طيبًا للديمقراطيين" من خلال إيقاظها "لبعض الناشطين على مدى واقعية احتمال فوز ترامب بولاية ثانية". ومع نهاية الأحداث الدرامية التي وقعت خلال الأشهر الماضية في مسلسل مساءلة ترامب تمهيدًا لعزله، فإن جميع الوقائع تشير إلى أن هذه النهاية أذنت ببداية حقبة جديدة من الصراع الحزبي في المشهد السياسي الداخلي للولايات المتحدة، وأكد عليها تكرار الجمهوريين وصفهم للمحاكمة بأنها قائمة على أساس حزبي لاستخدامها "كسلاح سياسي" في سباق الانتخابات الرئاسية، بينما جدد الديمقراطيون اتهامهم للجمهوريين بأنهم تخلوا عن "واجباتهم الدستورية" بدعمهم السياسي لترامب.

إجراءات العزل انتهت وبدأت تصفية الحسابات، وكان مستشار مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض الكولونيل ألكسندر فيندمان أول الضحايا مباشرة بعد احتفال ترامب بتبرئته. وعلى ما يبدو فسوف يتم إبلاغ فيندمان رسمياً بإنهاء خدماته في البيت الأبيض ونقله إلى وزارة الدفاع. وكان الرجل سبق وأبلغ المسئولين في مجلس الأمن القومي حيث يعمل بأنه سيغادر منصبه نهاية الشهر الجاري، لكن ترامب قرر طرده من منصبه الحالي قبل أن يتمكن من الاستقالة ليكون عبرة لمن اعتبر. ولم يخف ترامب يوماً نزعاته الانتقامية ونيته في معاقبة المسئولين عن عزله، وهو كان واضحاً عندما أعلن أنه سيجعل من ملف عزله جزءاً أساسياً من حملته الانتخابية وسيركز غضبه على الزعماء الديمقراطيين الذين سعوا لعزله وعلى الجمهوريين الذين عارضوه أو لم يدعموه بما فيه الكفاية.

فيندمان قد لا يكون آخر الضحايا. فالكولونيل كان من الموظفين القلائل في البيت الأبيض الذين وافقوا على الإدلاء بإفادتهم علناً أمام مجلس النواب، والحديث عما وصفوه بممارسات ترامب المثيرة للجدل في الملف الأوكراني. وهو لن يكون الموظف الوحيد الذي سيغادر البيت الأبيض. فقد سبقته مستشارة نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس، جينيفر ويليامز، التي تحدثت هي أيضاً مع لجان الكونجرس ووصفت جهود ترامب في الضغط على أوكرانيا بغير اللائقة. وقد استقالت ويليامز من منصبها قبل تبرئة الرئيس رسمياً بداية الشهر الجاري. كما أعلنت ماري يوفانوفيتش، السفيرة الأمريكية السابقة بأوكرانيا عن استقالتها مبكراً من وزارة الخارجية. ويوفانوفيتش هي من وجوه العزل الأساسية التي ركّز عليها الديمقراطيون في ادعائهم، بعد أن طردها ترامب من منصبها بناء على نصيحة محاميه الخاص رودي جولياني. وغادر الدبلوماسي الأمريكي ويليام تايلور لمنصبه في أوكرانيا بداية يناير، بعد أن قدم إفادته العلنية أمام لجنة الكونجرس في قضية العزل.

مسئولون في الإدارة الأمريكية يتوقعون أن تكرّ سبحة الاستقالات والإقالات بعد تبرئة ترامب، وينظر مساعدو الرئيس في لائحة طويلة من أسماء الموظفين الذين ساعدوا المحققين في مجلس النواب، بهدف إقالتهم أو إعادة تعيينهم في مناصب خارج البيت الأبيض. وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض ستيفاني جريشام إن سبب عقد ترامب للحدث الاحتفالي يوم الخميس في البيت الأبيض بعد تبرئته هو لتذكير بعض الأشخاص بأنهم سيدفعون ثمن تصرفاتهم. هذا فيما يتعلق بموظفي الإدارة الأمريكية، الذين يتمتع البيت الأبيض بصلاحية طردهم أو إعادة تعيينهم، لكن الهدف الأكبر والأصعب لترامب هو القيادات الديمقراطية التي سعت لعزله. وسوف يعتمد الرئيس الأمريكي في استراتيجيته الانتقامية على سياسة الأرض المحروقة مع الديمقراطيين، وتحدث أحد المستشارين السابقين لترامب جايسون ميلر قائلاً: "إن ترامب يعلم جيداً أن الديمقراطيين يسعون لأمر واحد فقط: تدميره شخصياً كل يوم حتى انتخابات نوفمبر". وسوف يستهدف ترامب عدداً من الديمقراطيين، وتتصدر هذه اللائحة رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي. وتقضي استراتيجية البيت الأبيض بالتركيز على سياسات بيلوسي الداخلية في ولايتها كاليفورنيا، بهدف التأثير سلباً على حظوظها بالفوز في الانتخابات التشريعية المقبلة. لكن قاعدة بيلوسي قوية للغاية، وخسارتها أمر مستبعد، ولعلّ نقطة الضعف الوحيدة التي يمكن لترامب استغلالها هي تململ حزبها من قيادتها لمجلس النواب. وهناك شبه إجماع في صفوف الحزب الديمقراطي أن يكون هذا هو العام الأخير الذي تستلم فيه بيلوسي قيادة الحزب.

الهدف الثاني بعد بيلوسي هو رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب آدم شيف. وقد تحدث ترامب بغضب عن كل من شيف وبيلوسي في حدث يوم الخميس وقال: "هما خبيثان، غاية في الخبث". وقد وظف ترامب عدداً من الجمهوريين في الكونجرس للنظر في استراتيجية الهجوم على شيف. ويشجع الجمهوريون هذه الاستراتيجية، بل ويفضلونها على أي استراتيجية أخرى قد تشمل مهاجمة السيناتور ميت رومني، الجمهوري الوحيد الذي صوت لصالح إدانة ترامب. إذ يتخوف الحزب الجمهوري من أن يؤدي غضب ترامب العارم من رومني إلى تشتيت انتباهه عن مهاجمة الديمقراطيين. وهم يسعون إلى إقناع الرئيس بوجوب البدء باستهداف المرشحين الديمقراطيين للرئاسة كبيرني ساندرز وجو بايدن. وقد اعتبر عدد من الجمهوريين أن معاقبة رومني ستأتي على أيدي الناخبين في ولاية يوتا، وقالوا إنهم لا يرغبون في مهاجمة أي جمهوري في الموسم الانتخابي. كما أعرب مسئولون في اللجنة الجمهورية الانتخابية عن سعادتهم بعدم وجود خطة معينة للانتقام من رومني. وقال النائب الجمهوري كريس ستيوارت: "هناك مشاعر غضب عارم تجاه رومني. لكن هذه المشاعر ستتشتت قريباً". واقترح بعض حلفاء ترامب أن يتخذ الرئيس الأمريكي إجازة صغيرة في ولاية فلوريدا، لممارسة رياضة الجولف المفضلة لديه وتصفية أفكاره، قبل أن يعود للتركيز على مهاجمة المرشحين الديمقراطيين للرئاسة.

وينوي ترامب التركيز في استراتيجيته لمهاجمة بايدن على نجله هنتر وعلاقته بشركة باريزما الأوكرانية. وهو دوماً ما يذكر هنتر بايدن ويتحدث عن طرده من سلاح البحرية الأمريكية بسبب تعاطيه للمخدرات، بحسب قول ترامب. وقد أشار الرئيس الأمريكي مراراً وتكراراَ إلى أن محاميه الخاص رودي جولياني لديه معلومات قيمة ضد بايدن سوف يعلن عنها في الوقت المناسب. ولن ينتهي موضوع بايدن في أي وقت قريب، إذ يسعى الجمهوريون في مجلس الشيوخ إلى جمع معلومات حول ممارسات هنتر بايدن في أوكرانيا والنظر في تزامنها مع تسلم والده لمنصب نائب الرئيس. وكتب السيناتور الجمهوري تشاك جراسلي وزميله رون جونسون رسالة إلى رئيس فريق المرافقة السرية للرئيس تقول: "نحن ننظر في احتمال وجود تضارب في المصالح بين أنشطة هنتر بايدن وشركائه خلال عهد أوباما، تحديداً فيما يتعلق بأنشطة شركاته في أوكرانيا والصين". وكان ترامب أعرب عن غضبه العارم من المسئولين عن عزله في الحدث الذي عقده يوم الخميس في البيت الأبيض بحضور الجمهوريين وأعضاء من إدارته وعائلته. فوصف بيلوسي بالشخص الكريه ورومني بالجمهوري من دون مبادئ. وقال: "لقد عانيت من تصرفاتهم لأكثر من 3 أعوام. لقد كانت تصرفات شريرة وفاسدة، شارك فيها مسربون وكاذبون، وهذا يجب ألا يحصل أبداً، أبداً، لأي رئيس آخر".


التعليقات