خلف أستار 13 أكتوبر1981... أسرار الأيام السبعة التي هزت مصر والعالم
في صباح الثالث عشر من أكتوبر عام 1981، كانت مصر تستيقظ على نبرة حزينة ومُربكة ؛ صمتٌ يلف الشوارع، وجيشٌ ينتشر عند مفارق الطرق، ورجال الأجهزة الأجنبية يراقبون من خلف ستائر السفارات الكبرى في القاهرة كل حركة وسكنة، لم تكن المسألة مجرد استفتاء شعبي ينتهي بنسبة تسعة وتسعين أو ثمانية وتسعين في المائة كما اعتادت أوراق الاقتراع العربية أن تُصاغ؛ بل كانت العملية في جوهرها تثبيتاً لمنظومة سياسية خرج رأسها فجأة من المشهد على منصة العرض العسكري في السادس من أكتوبر، تاركاً إرثاً هائلاً من التناقضات، والتوازنات المعقدة.
في ذلك اليوم، توجّه المصريون إلى صناديق اقتراعٍ كانت نتيجتها محسومة قبل أن تُطبع أوراقها: محمد حسني مبارك رئيساً لجمهورية مصر العربية. غير أن السؤال هنا، والذي لا تفصح عنه بيانات وزارة الداخلية أو المانشيتات الرسمية، هو: كيف صيغت هذه اللحظة في الغرف المغلقة؟ وكيف قرأت استخبارات العالم، من واشنطن إلى لندن، ومن تل أبيب إلى موسكو، صعود هذا الرجل الذي ظل لسنوات طوال يتحرك في مساحة النائب الصامت؟.
حين أُطلقت الرصاصات الأولى على منصة العرض العسكري في المنشية، لم يكن الذهول في القاهرة وحدها، بل كان الاهتزاز أشد
وأعنف داخل أروقة المخابرات المركزية الأمريكية والبريطانية .
تكشف الوثائق البريطانية التي أُحيطت بالسرية لعقود وأُميط عنها اللثام لاحقاً أن الدوائر الغربية كانت تنظر إلى أنور السادات باعتباره ظاهرة فردية. ورجل المخاطرات الكبرى؛ فتح الجبهة مع إسرائيل ثم ذهب إلى القدس، وقطع العلاقات مع العالم العربي، وألقى برهاناته كاملة في السلة الأمريكية.
لكن التقرير الذي رفعه الملحق العسكري الأمريكي بالقاهرة إلى وزارة الدفاع الأمريكية ،
ليلة السادس من أكتوبر 1981 وفق ما نُشر في وثائق الخارجية الأمريكية المفرج عنها كان يحمل نبرة قلق عميق. تساءل التقرير: هل استشهاد السادات يعني انهيار كامب ديفيد؟ ومن هو حسني مبارك بحق؟
تقول البرقيات الدبلوماسية للولايات المتحدة في تلك الليلة إن مبارك بالنسبة لـ واشنطن كان مجرد علامة استفهام كبيرة. قائد للقوات الجوية، نُقل إلى منصب النائب عام 1975، واُحتفظ به في هذا الموقع ليس لأنه يحمل مشروعاً سياسياً، بل بدقة شديدة لأنه لم يكن يبدو أنه يحمل مشروعاً منافساً.
تقول إحدى البرقيات المفرج عنها ،
إن حسني مبارك لم يضع نفسه يوماً في مركز الصدارة؛ كان ممتثلاً تماماً لتوجيهات الرئيس السادات، نادراً ما يدلي بتصريحات أيديولوجية، ويحتفظ بعلاقات متوازنة داخل المؤسسة العسكرية. إنه الرجل الذي لا يُثير حفيظة أحد، وهذا بالضبط ما يجعله خيار الاستقرار المفضل في لحظة الفوضى.
وحين جرى الاستفتاء الشعبي في 13 أكتوبر 1981، كانت مصر تعيش تحت أحكام الطوارئ. كانت الاعتقالات الشهيرة التي شنها السادات في سبتمبر 1981 قد أودت بأغلب رموز الحركة السياسية من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، مروراً بالوفد والإخوان والقيادات الدينية إلى السجون.
في هذه البيئة المشحونة، لم يكن الاستفتاء خياراً بين متعددين، بل كان عملية تفويض سياسي وأمني للمؤسسة العسكرية لإعادة ضبط الإيقاع.
تكشف أوراق الخارجية البريطانية عن تقرير أعده السفير البريطاني بالقاهرة آنذاك، السير سيريل تاونسند، كتب فيه تحليلاً لمشهد 13 أكتوبر:
لم يذهب المصريون إلى الصناديق لبناء عهد جديد بقدر ما ذهبوا للبحث عن الأمان. لقد أدرك الشارع أن البديل عن مبارك في هذه اللحظة ليس الديمقراطية، بل هو الفوضى الشاملة أو الصراع المسلح مع الجماعات الإسلامية الراديكالية التي أظهرت قدرتها على تصفية رأس الدولة في قلب العرض العسكري.
كانت النتيجة المعتمدة رسمياً: 98.46%. وهي نسبة لم تُفاجئ أحداً في الغرب، الذى كان يرى أن السلطة في القاهرة لم تكن بحاجة حتى للتزوير الفاضح؛ لأن النخبة والرأي العام العريض كانا في حالة صدمة. يرغبان معها في أي وجه يمثل الامتداد الشرعي للمؤسسة.
هنا نصل إلى النقطة الأكثر إثارة للجدل، هل كان حسني مبارك هو الخيار الإجباري الحتمي؟
الوثائق الدبلوماسية الأجنبية والمذكرات التي كُشفت لاحقاً تثبت أن كواليس المؤسسة العسكرية والأمنية في مصر بين 6 و13 أكتوبر شهدت مناقشات مكتومة ومكتومة جداً.
كان عبد الحليم أبو غزالة، وزير الدفاع آنذاك، يتمتع بكاريزما عالية وشعبية جارفة داخل صفوف القوات المسلحة. بل إن تقارير المخابرات المركزية الأمريكية في الأسابيع الأولى لرحيل السادات كانت تشير إلى أن أبو غزالة هو الرجل القوي الذي قد يحرك الأحداث من خلف الستار. لكن أبو غزالة نفسه حسم الأمر إدراكاً منه لخطورة الشقاق داخل الجيش، وفضل الالتزام بالشرعية الدستورية التي تجعل النائب هو الخيار الطبيعي لمنع أي انقسام.
كانت إسرائيل، بقيادة مناحم بيجن، تعيش حالة من الرعب المكتوم. فالانسحاب الإسرائيلي الكامل من سيناء كان مقرراً له أبريل 1982 (أي بعد ستة أشهر فقط من مقتل السادات). وكانت تل أبيب تخشى أن يأتي رئيس مصري جديد يعلن بطلان اتفاقية السلام.
هنا دخلت واشنطن بثقلها. تكشف أوراق وزارة الخارجية الأمريكية أن الإدارة الأمريكية تلقت تعهدات صريحة ومباشرة من حسني مبارك في الثماني وأربعين ساعة التي تلت الحادث، تؤكد أنه يلتزم بنسق السادات في السياسة الخارجية حرفياً حتى استعادة سيناء. هذا التعهد كان السر الحقيقي وراء الدعم الغربي مطلق السراح لاستفتاء 13 أكتوبر.
كان مبارك الخيار الأمثل لمرحلة انتقالية تُجنب مصر الحرب الأهلية وتضمن استعادة الأرض المحتلة. كان يتسم بحذر شديد، وقدرة على الاستماع، وبُعدٍ تام عن الشطحات الإيديولوجية. لكن الخطيئة الكبرى كما تبين للجميع لاحقاً هي أن هذه الميزات الاقتصادية والأمنية المؤقتة تحولت على يديه إلى فلسفة حكم دائم.
لقد استمر منطق 13 أكتوبر 1981 منطق الطوارئ، والاستفتاء الأوحد، وحظر السياسة باسم الاستقرار ثلاثين عاماً كاملة! تحول الحذر إلى جمود، واستُبدلت إدارة الأزمة بإدارة الركود، حتى انفجر المشهد كله في يناير 2011
إن قراءة وثائق 13 أكتوبر 1981 تكشف لنا أن التاريخ لا يصنعه المصادفة، بل تصنعه التوازنات الحاكمة.
جاء حسني مبارك إلى سدة الحكم بقرار استفتائي في ظاهر الأمر، لكنه في جوهره كان توافقاً حذراً بين القوات المسلحة المصرية، والأجهزة الأمنية، وضمانات دولية وإقليمية أتاحت لمصر أن تتجاوزوتتخطى أزمة أمنية حادة هى الأكثر خطورة في تاريخها الحديث.
لقد توقف الزمن عند تلك اللحظة؛ ظن البعض أن الاستفتاء كان نهاية القصة وميلاد استقرار دائم، بينما كان في واقع الأمر بداية لتأجيل كل الأسئلة الكبرى حول مستقبل الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة في مصر... وهي الأسئلة التي ظلت معلقة في الفضاء المصري حتى دفعت مصر ثمنها من مستقبلها لاحقاً.