10حقائق تكشف أسرار عاصفة الغضب بين عامر وساويرس

مصر لا تحتمل الصـراع الشـخصى

حقائق وأسرار أزمة الأكـــاذيب بين ساويرس وعامر

هزائم إمبراطور المال فى بلاد الله الواسعة.. وديكتاتورية محافظ البنك المركزى!

لماذا رفض طارق عامر التصديق على قرار تعيين هشام رامز نائباً لرئيس مجلس إدارة وعضواً منتدباً للبنك التجارى الدولى رغم مرور شهر تسلمه للقرار

قرارات طارق عامر فى ظاهرها تخدم الاقتصاد لكنها فى الحقيقة تضر المواطن محدود الدخل هذا إلى جانب أنها كشفت ضعف محافظ البنك المركزى

1 بداية الحرب
سنترك كل الزوايا، وسننظر فقط من الزاوية التى يرى منها الجميع الأمر، والتى ترجع تصاعد الخلافات بين رجل الأعمال نجيب ساويرس وطارق عامر محافظ البنك المركزى إلى صفقة استحواذ الأول على بنك الاستثمار سى آى كابيتال التابع للبنك التجارى الدولى، وهى الخلافات التى تصاعدت، بكل أسف، فى وقت تواجه فيه مصر تحديات أمنية وسياسية واقتصادية فى الداخل والخارج، بما فى ذلك الآثار السلبية التى خلفتها تلك التحديات وانعكاساتها على معدلات النمو بالتزامن مع تزايد الأعباء على الحكومة.
اشتباكات وتشابكات لا تليق بالمنصب الذى يُعد المنصب الاقتصادى الأهم فى هرم المناصب الرسمية، ويعد عصب الاقتصاد بقراراته التى تؤثر فى مستويات التضخم، ومستويات الأسعار، والسيولة النقدية، والائتمان، وطباعة النقد، وإدارة مديونيات الدولة، واستقرار الجهاز المصرفى الذى يعد أهم قطاعات الدولة المصرفية الاقتصادية حاليًا!.
ولم أكن متوقعا أن يقحم محافظ البنك المركزى نفسه فى قضية فرعية، ويتجاهل الأزمات الاقتصادية الكبرى التى تكاد تعصف بالدولة!
وما من شك فى أنه لا يجوز لمحافظ البنك المركزى الدخول فى حرب كلامية مع أحد، أو الظهور فى أى وسيلة إعلام، لأن الكلمة التى تخرج منه تؤثر على الجهاز المصرفى بالكامل وعلى البورصة أيضا. ويكفى أن تتابع الصحف ووسائل الإعلام الأجنبية لتعرف الأصداء غير الطيبة للصراع بين رئيس البنك المركزى ورجل الأعمال، الذى خرج من الغرف المغلقة إلى وسائل الإعلام، فهاجم عامر رجل الأعمال، وتهكم على خبرته فى المجال المالى، فكان أن رد نجيب ساويرس بمقال نشرته جريدة الأخبار متهكماً هو الآخر على عامر ومؤهلاته بدوره، ومعلناً أن الأمر أكبر من عامر، الذى اعتبره ساويرس أداة فى يد الأمن القومى الذى يتحفظ على الصفقة!.
كان البنك التجارى الدولى قد وافق فى فبراير على بيع «سى آى كابيتال»، المملوكة للبنك، مقابل 924 مليون جنيه (104.05 مليون دولار) لساويرس من خلال شركته أوراسكوم للاتصالات والإعلام، لكن الصفقة لم تنفذ حتى الآن، فظهر عامر فى برنامج «هنا العاصمة» على فضائية «سى بى سى»، نافياً ما وجّه إليه من اتهامات بتعطيل صفقة الاستحواذ، ومتهماً ساويرس بعدم الخبرة فى الاستثمار المصرفى، فخرج ساويرس فى اليوم التالى بمقال تفصيلى بصحيفة الأخبار بعنوان «الاستثمار وسوء استخدام السلطة»، متسائلاً: «ماذا إذا أساء محافظ البنك المركزى استخدام السلطة المخولة له لنوازع شخصية؟.
ساويرس قال فى المقال إن هناك تعنتاً حكومياً فى صفقة استحواذه على (سى آى كابيتال)، وألمح إلى أنه قد يُخرج استثماراته خارج مصر، قائلاً: «أرض لله واسعة».
وسرد ساويرس وقائع عملية شراء شركة «سى آى كابيتال» من البنك التجارى الدولى، قائلاً: «الموضوع يتلخص فى أن أوراسكوم للاتصالات والإعلام والتكنولوجيا OTMT قدمت عرضاً لشراء شركة سى آى كابيتال من البنك التجارى الدولى، وقد فوجئت بقيام البنك الأهلى، وهو بنك قطاع عام مملوك للدولة بالكامل، بتقديم عرض منافس للشراء بإيعاز من رئيس البنك الأهلى السابق وهو محافظ البنك المركزى الحالى».
ونشير هنا إلى أن البنك الأهلى المصرى أعلن رغبته فى الاستحواذ على «سى آى كابيتال»، لكنه لم يتوصل إلى اتفاق نهائى مع «التجارى الدولى» وانسحب بعدها من الصفقة، وهى الخطوة التى وصفها ساويرس بأنها تعطى «رسالة سلبية ومؤذية لمناخ الاستثمار، مؤداها: «احذروا أيها المستثمرون إذا أردتم الاستثمار فى مصر فستدخل الدولة وتنافسكم بالأموال العامة!». وأكد أنه بعد الشكوى إلى رئيس الحكومة انسحب البنك الأهلى من العرض. وأضاف: «لكن أبداً لم ينتهِ مسلسل الترصد، فقد فوجئنا بانسحاب بنك حكومى من تمويل الشراء بناءً على تعليمات من البنك المركزى.. فذهبنا إلى البنوك الخاصة التى وافقت على التمويل إلى أن جاءتها نفس التعليمات مرة أخرى لكن متأخرة بالانسحاب أيضاً!».
ساويرس كان يرغب فى تمويل الصفقة من خلال قروض من البنوك، إلا أنه أعلن مؤخراً أنه سيتم تمويل الصفقة من الموارد الذاتية، وأن الشراء سيكون من خلال شركته التابعة بلتون المالية.

2- طارق عامر يرد
أما طارق عامر فقال فى المقابلة التلفزيونية إنه لم يُصدر تعليمات إلى بنك مصر، وهو البنك الحكومى الذى أشار إليه ساويرس، بالامتناع عن تمويل صفقة الاستحواذ، قائلاً فى ردِّه على هذه النقطة: «أنا مقولتش كده.. إحنا حطينا قواعد.. قولنا مش حانمنع الاستحواذ.. بس حانخلى فيه نسب.. حانخلى المستثمر ييجى بفلوسه».
القواعد التى أشار إليها عامر، هى قرار البنك المركزى، فى بداية مارس، بتعديل قواعد تمويل الاستحواذ على الشركات داخل السوق المحلى من خلال خفض إجمالى التمويل الموجَّه لهذا الغرض إلى 2.5% بدلاً من 5% من إجمالى محفظة القروض للبنك الواحد، وألا يزيد حد تمويل العميل الواحد والأطراف المرتبطة به على 0.5% من إجمالى المحفظة. كما اشترطت التعديلات عدم زيادة إجمالى التمويل المقدم من خلال البنوك العاملة فى مصر بغرض تمويل عملية استحواذ واحدة عن 50% من قيمة العملية.
وبرر عامر إصدار هذا القرار قائلاً: «فى مصر شركة أو فرد يقول أنا عايز أشترى الشركة دى.. ومش معاه فلوس يشترى بيها، يروح للبنك الفلانى ياخد 90٪ أو 80% ويدفع هو وكام شريك معاه 20%.. وخدوا الشركة.. الاقتصاد استفاد إيه؟».
كما نفى عامر أن يكون أصدر تعليمات للبنك الأهلى بالمنافسة على شراء «سى آى كابيتال». وقال عامر: «نفسى أعرف المستحوذ إيه خبرته فى بنوك الاستثمار؟ إيه القيمة اللى هيضفها فى بنوك الاستثمار؟ هل الحكاية حكاية فلوس؟ لأ.. لازم أسأله.. خبرتك إيه..؟».
ورد ساويرس على تصريحات عامر وقال: «أملك دليلاً على تدخل محافظ البنك المركزى لوقف تمويل الصفقة مع بنك مصر، ولن أستطيع نشره حتى لا يكون ذلك إحراجاً لمن قام بتسليمى هذا الدليل».
وقال ساويرس: «طارق عامر طعن فى أهليتى فى شراء الشركة، وقال عنى معنديش خبرة.. لما يبقى عنده خبرة زيى يبقى كويس».
وأضاف: «أنا عملت استحواذات واندماجات بقيمة 68 مليار دولار فى العشرين عاماً الأخيرة.. أنا اشتريت شركة Wind، بنحو 15 مليار يورو كأكبر صفقة فى تاريخ أوروبا».
وأنهى ساويرس مقاله بقوله «أعلم أن مقالتى هذه ستفتح علىّ النار ووقف الحال.. لكنى لم أعهد السكوت على الخطأ خاصة فى حق الوطن! الأمل فى الدستور والبرلمان.. والضمائر الحرة.. أما عنى أنا واستثماراتى فإن أرض لله واسعة!!

3- فشل ساويرس فى الخارج
أرض لله واسعة فعلا، وإمبراطورية «نجيب ساويرس» متمددة فيها لتشمل استثمارات فى بلاد هى بلا مبالغة الأكثر سلطويةً وفسادًا، والأقل استقرارًا وتشمل: كوريا الشمالية، سوريا، الجزائر، أفغانستان، والعراق، وباكستان، وبوروندى، وبنغلادش، وروسيا. بالإضافة إلى خوضه شراكات مع شركات أوروبية للاتصالات فى بلدان تبدو على وشك الإفلاس، وعلى رأسها اليونان وإيطاليا.
وفى غالبية تلك الدول، تلقى من الضربات ما يجعله يحمد لله على نعمة الاستثمار فى مصر!
فى عام 2010، بدأت الشراكة الفعلية بين «نجيب ساويرس» مع الزعيم الكورى الراحل، «كيم جنغ إيل»، حيث نشرت وكالة الأنباء الرسمية لكوريا الشمالية، صورًا للملياردير المصرى، «نجيب ساويرس»، واقفًا إلى جانب الزعيم الكورى الراحل وممسكًا بيده فى ود، احتفالاً بتوقيع شراكة بين شركة أوراسكوم تيلكوم المصرية، والحكومة الكورية الشمالية لإنشاء شبكة المحمول الأولى فى البلاد المحاصرة بالعقوبات الاقتصادية الغربية.
انتهت هذه الشراكة نهاية مؤلمة لـ«ساويرس» فى نهاية المطاف، حيث رفضت كوريا الشمالية قيام الشركة بتحويل مكاسبها بسعر الصرف الرسمى للدولار، وأصرت أن يكون ذلك بأسعار السوق السوداء، لتتقلص مكاسب الشركة من حوالى 450 مليون دولار إلى 8 ملايين فقط، قبل أن تبدأ إجراءات تأميم الشركة المملوكة له.
ومن أوراسكوم نفسها، وتحديداً من التوضيحات الخاصة بقوائمها المالية عن النصف الأول من 2015 عرفنا أن الحكومة الكورية تفرض قيوداً على تبديل عملاتها المحلية بعملات أجنبية. وفى ظل عدم القدرة على تداول العملة الكورية عالمياً، مثل الدولار واليورو، فإن أرباح أوراسكوم من كورويولينك تواجه ما وصفته فى بيانها بـ«قيود حادة طويلة الأجل على تحويلات الأرباح من الشركة التابعة».
وبهذا الشكل واجهت أوراسكوم معضلة لكى تقدم لمساهميها تقديراً لحجم أرباحها من نشاطها الكورى فى مجال المحمول، لأن حكومة كيم جونج تتحكم بشكل قوى فى سعر عملتها «الوون» ما أدى لوجود فارق كبير بين السعرين الرسمى وغير الرسمى.
وبحسب بيان اوراسكوم فإن المعالجة المحاسبية الجديدة لكوريولينك كبدت أوراسكوم خسائر بقيمة 3.1 مليار جنيه أدرجت ضمن خسائر العمليات غير المستمرة، دون أن توضح الشركة فى بيانها تفاصيل أكثر عن المعاملة المحاسبية الجديدة للشركة الكورية وأفق مفاواضاتها مع حكومة كيم جونج للخروج من المأزق الحالى.
هذا عن كوريا الشمالية، أما فى سوريا، فكان نجيب ساويرس قد شارك فى تأسيس شبكة المحمول الأولى فى سوريا، مع رجل الأعمال السورى «رامى مخلوف»، ابن خال الرئيس السورى «بشار الأسد»، والذى ارتبط اسمه بالفساد وأصبح هدفًا للمحتجيّن السوريين، والذى يسمونه فى أروقة الاقتصاد « Mr five percent».
بدأت شراكة «ساويرس» مع «مخلوف» فى سنة 1998، حيث طرحت وزارة المواصلات السورية مناقصة «صورية» لتشغيل قطاع الهاتف الخلوى، ظهر فيها «رامى مخلوف» شريكًا لشركة «أوراسكوم» المصرية.
لكن هذه الشراكة بين الطرفين قد انتهت أيضًا إلى مصادرة أموال الشركة المصرية فى سوريا، حيث وضع عليها حارسان قضائيان هما «إيهاب مخلوف» (شقيق رامى)، و«نادر قلعى» (مدير أعمال رامى)، ما دفع «ساويرس» لخيار التهديد باللجوء إلى التحكيم الدولى قبل أن يتم التوصل إلى «حل ودى» للخلاف فى يوليو/ تموز 2003، حيث باتت شركة «سيرياتل» التى يمتلكها «مخلوف»، إحدى شركتين تشغلان الهاتف المحمول فى سوريا.
وعن الجزائر، فقد أسسس «ساويرس» شركة «جيزى» التى حصدت أرباحًا طائلةً كانت عاملَ إغراء للحكومة الجزائرية فى تأميمها لصالحها، حيث أعلنت الحكومة الجزائرية رسميًّا بيع الشركة إلى مجموعة «فيمبلكوم» بسعر أقل كثيرًا من قيمتها الفعلية، بعد أن تدخلت لعرقلة صفقة بيعها لمجموعة «MTN» فى عام 2010. وقام «ساويرس» بتقديم دعوى للتحكيم الدولى يطالب بتعويضات قيمتها 5 مليارات دولار أمريكى ضد جمهورية الجزائر عن الأضرار التى لحقت به، وقد سُجِلت الدعوى لدى المركز الدولى لتسوية منازعات الاستثمار.

4- مصير صفقة سى أى كابيتال
تلك فقط عينة من أرض لله الواسعة التى هدد نجيب ساويرس بالذهاب إليها لو لم تنته صفقة «سى آى كابيتال» لصالحه، وهى الصفقة التى يحمل مسار الأزمة فيها سيناريوهين: إما الموافقة على الصفقة أو رفضها، وفى كلا السيناريوهين، سيكون سوق المال هو الفائز. ففى الموافقة على الصفقة، فإنه سيكون لشركة أوراسكوم للاتصالات والإعلام والتكنولوجيا القابضة، والمالكة لشركة بلتون المالية حصة لا تقل عن 25% من حجم السوق، لتدير أكبر حصة من الصناديق الأجنبية والمحلية، فـ«سى آى كابيتال» يتبعها 4 من أهم الشركات العاملة فى إدارة الأصول والسمسرة وبنوك الاستثمار، ومن بين الشركات التابعة شركتان للسمسرة فى الأوراق المالية «التجارى الدولى» و«دايناميك».
أما فى حالة عدم الموافقة على الصفقة، فستكون هناك فرصة أمام المؤسسات المالية العاملة فى نفس القطاع، تتمثل فى منحها مزيدا من الوقت لإعادة ترتيب أوراقها. وأول تلك المؤسسات هى «المجموعة المالية هيرمس» المسيطرة على قطاع الخدمات المالية فى الوقت الراهن، والتى تستحوذ أيضا على نصيب الأسد.
السيناريوهان، كما هو واضح، لن ينتج عنهما أية خسائر لسوق المال غير النتائج السلبية التى قد تنتج عن التصريحات «غير المتزنة» التى أدلى بها محافظ البنك المركزى!
ولسنا بالطبع مع أن يقوم نجيب ساويرس بتمويل الصفقة من خلال قروض مصرفية من البنوك، كما تجربته مع «موبينيل» التى تم بيعها لـ«أورانج» مع بقاء مقابل الصفقة خارج مصر، يجعل الحذر واجباً، خاصة إذا ما أضيف إلى ذلك أن تجرية آل ساويرس الاستثمارية فى مصر، لم تضف شيئا وتكفى الإشارة إلى صفقة «لافارج» للأسمنت التى أنشأها ناصف ساويرس، بتمويل بنكى مصرى، وقام ببيعها لأجانب.
كما أن نجيب ساويرس لم يقل الحقيقة بزعمه أن البنك المركزى طلب من البنك الأهلى المنافسة على شراء سى اّى كابيتال، ولا يمكننا فى هذا الشأن أن نصدق غير ما أكده يحيى أبوالفتوح نائب رئيس مجلس إدارة البنك الأهلى المصرى بأن البنك المركزى لم يكن طرفا فى العرض المقدم للشراء، وكذلك لم تتدخل الدولة لإبعاد البنك الأهلى عن الصفقة، كما زعم نجيب ساويرس. وأن شراء سى أى كابيتال «والكلام ما زال لأبوالفتوح» كان مجرد فرصة استثمارية من جانبنا، وعندما لم نستطع الحصول على الوقت الكافى للدراسة ألغينا الفكرة.
الأكثر هو أن نائب رئيس البنك الأهلى تساءل ساخراً: «هو حرام على بنوك مملوكة للدولة وعملت بشكل احترافى أن تنافس على أية فرصة استثمارية فى السوق؟!».

5- حروب طارق عامر
غير أن ما يؤسف هو أن مزاعم نجيب ساويرس تزامنت مع تخبط فى قرارات محافظ البنك المركزى، والتى كان أغربها قراره الصادر فى 23 مارس بإنهاء خدمة الرؤساء التنفيذيين للبنوك التجارية الخاصة إذا مضى على أى منهم فى منصبه تسع سنوات أو أكثر سواء كانت سنوات خدمته فى البنك متصلة أو منفصلة. وهو القرار الذى يستوجب إنهاء خدمة 25% من رؤساء البنوك الحاليين وهى للأسف البنوك الأكثر نجاحاً ونمواً وتطوراً كـ«البنك العربى الأفريقى» و«البنك التجارى الدولى» و«بنك فيصل الإسلامى» و«بنك الكويت الوطنى» و«بنك عودة» و«بنك التعمير والإسكان».
هناك شبه إجماع (إن لم يكن الإجماع كاملاً) بأن قرار البنك المركزى مخالف للقانون. والقانون واضح تماماً فى هذا الشأن ويحدد صلاحيات البنك المركزى فى تعيين رؤساء البنوك أو عزلهم، فى المادة رقم 43 من قانون البنوك رقم 88 لسنة 2003، التى تنص على «دون الإخلال بسلطة الجمعية العامة للبنك يتم أخذ رأى محافظ البنك المركزى عند تعيين رؤساء وأعضاء مجالس إدارة البنوك وكذلك المديرين التنفيذيين المسئولين عن الائتمان والاستثمار وإدارة المحافظ والمعاملات الخارجية بما فيها المبادلات والتفتيش الداخلى، ويكون أخذ الرأى على قائمة بالمرشحين تقدمها الجهات صاحبة الشأن للعرض على مجلس إدارة البنك المركزى، ولمحافظ البنك المركزى بعد العرض على مجلس الإدارة أن يطلب تنحية واحد أو أكثر من المنصوص عليهم فى هذه المادة إذا ثبت خلال التفتيش على البنوك مخالفتهم لقواعد سلامة أموال المودعين وأصول البنك فإذا لم تتم التنحية كان للمحافظ أن يصدر قرارًا مسببًا باستبعاد أى منهم من عمله، ولصاحب الشأن التظلم إلى مجلس إدارة البنك المركزى من قرار استبعاده خلال 60 يومًا من تاريخ إبلاغه بالقرار، وتسرى أحكام هذه المادة على فروع البنوك الأجنبية فى جمهورية مصر العربية».
والمعنى الواضح هو أن الجمعيات العمومية للبنوك وما تمثله من حملة الأسهم والملاك للمؤسسة المالية، هى صاحبة الكلمة الأهم فى تعيين الرؤساء التنفيذيين والأعضاء المنتدبين للبنوك الخاصة، وهى ما تتيح تعيين واستمرار القيادات المصرفية من عدمه.

6- مخالفة الاعراف المصرفية
وغير مخالفة القرار الصارخة للقانون، فهو أيضا ضار جداً من ناحية الملاءمة ولا سوابق له فى الأعراف المصرفية.. وتكفى الإشارة هنا إلى أن «جيمى دايمون»، الرئيس التنفيذى لبنك «جى بى مورجان»، أكبر البنوك الأمريكية، يتولى المنصب منذ نحو 11 عامًا، وقرار استمراره من عدمه هو حق أصيل للجمعية العمومية وهى وحدها التى تقرر استمرار المسئول المصرفى التنفيذى فى موقعه من عدمه، بعد تقييم دقيق لأدائه الوظيفى ونتائج الأعمال التى حققها ومستهدفات الأرباح ونمو الأعمال المصرفية التى أنجزها.
أما السابقة الوحيدة، لقرار محافظ البنك المركزى، فهى تلك التى حدثت فى نيجيريا سنة 2010 وكان مبررها التخلص من رؤساء بنوك فاسدين، بما يعنى أن القياس يضرب سمعة جهازنا المصرفى فى مقتل!
وبعيداً عن كثير من الأسئلة المنطقية واجبة الطرح، عن صاحب المصلحة فى استبعاد أصحاب كفاءات وتراكمات يحتاجها الجهاز المصرفى بشدة فى هذا التوقيت بالذات، فإن المعضلة الأساسية تتمثل فى محاولة رئيس البنك المركزى التدخل فى قرارات المساهمين بدون نص تشريعى!
ولأن القرارات المربكة لم تكن مبررة، ظهر الحديث عن شبهة خلط بين العام والخاص وعن وجود ظلال لخلافات شخصية!
لم نكن نتصور أن البنك المركزى سيقحم نفسه فى أمر يضر بالجهاز المصرفى ويؤثر بصورة سلبية على صورة الاقتصاد المصرى، خاصة فى هذا التوقيت الصعب، بل وشديد الصعوبة! وبسبب تلك القرارات والتصريحات الكثيرة والمحتدمة أصبح صانعاً للأزمات، بقراراته المتتالية التى أضرت الاقتصاد القومى، وتحمل فاتورتها تلك المواطن البسيط أو محدود الدخل.
وفى ذات السياق أثارت تصريحات محافظ البنك المركزى بأنه «لن تستطيع شركة الخروج من مصر نظراً لتحقيق كل الشركات متعددة الجنسيات أرباحاً طائلة خلال الفترة الماضية»، حفيظة المستثمرين الأجانب، فى الوقت الذى أكد فيه وزير الاستثمار مراراً وتكراراً ضرورة تسهيل إجراءات التخارج بما يمنح المستثمرين حرية التحرك.

7- معركة جنرال موتورز مصر
والملاحظ هو أن قرارات طارق عامر فى ظاهرها تخدم الاقتصاد لكنها فى الحقيقة تضر المواطن محدود الدخل، هذا إلى جانب أنها كشفت ضعف محافظ البنك المركزى فى إدارة السياسة النقدية. وربما كان سبب ذلك هو أن عامر يسعى إلى تحقيق مجد شخصى حتى لو كان ذلك بقرارات غير مدروسة يتم اتخاذها بشكل منفرد!
فكم كان غريباً، مثلاً، أن نقرأ تصريحات طائشة بل وفى منتهى الطيش منسوبة لمحافظ االبنك المركزى تتضمن هجوماً على «جنرال موتورز مصر» بسبب شائعات زعمت أن الشركة تنوى الانسحاب من السوق المصرية، بينما ما حدث هو أن الشركة قررت فقط أن تتوقف لمدة أسبوع حددته باليوم!
عن طارق عامر نقلت «بوابة الأهرام» فى 10 فبراير 2016 تصريحات قال فيها إن محاولة الشوشرة على الاقتصاد المصرى فى هذه الظروف أمر غير مفهوم تماماً، لافتاً إلى أن إعلان شركة جنرال موتورز، الانسحاب من السوق المصرية أمر مثير للدهشة، لاسيما وأن البنوك فى مصر وفرت للشركة 150 مليون دولار خلال العام الماضى، بسعر الصرف الرسمى.
وأضاف أن إجمالى التسهيلات التى حصلت عليها الشركة من البنوك فى مصر 1.6 مليار جنيه، فى حين لم تجذب قروضاً بالعملة الصعبة من البنوك الخارجية، وإجمالى تسهيلات البضاعة التى حصلت عليها من الشركة الأم لم يتجاوز 60 مليون دولار طوال السنوات الماضية منذ بداية النشاط فى السوق المصرية.
وشدد عامر على أن تهديد انسحاب الشركة من السوق المصرية، لن يستفيد منه إلا الشركات المنافسة الكورية والآسيوية والأوروبية، حيث إن جميع انتاجها له بديل منافس، وأن الخاسر الوحيد هو الشركات التى تضحى بسوق ضخمة كالسوق المصرية، لاسيما وأن الاقتصاد قادر على عبور هذه المرحلة، بما يتمتع به من تنوع وإمكانات كبيرة.
وأضاف عامر، فى تصريحات لـ «بوابة الأهرام»، السوق المصرية تمنح أعلى عائد للاستثمار للشركات العاملة بها، لافتا إلى أن «جنرال موتورز» حققت عام 2014 ضعف رأسمالها المدفوع، حيث بلغت أرباحها 420 مليون جنيه مقارنة برأسمالها المدفوع 200 مليون جنيه فقط، كما قفزت مبيعاتها إلى 8.8 مليار جنيه فى 2015، وهو ما يعنى أن أرباحها ستقفز بنحو 30% على الأقل، إلى ما يزيد على 500 مليون جنيه.
وتساءل محافظ البنك المركزى، كيف كان رد فعل الشركة فى السوق التركية عندما تعرضت عملتها لتدهور وانخفاضات مستمرة تجاوز 80% واستمر الوضع على مدى 15 سنة تقريباً دون أى رد فعل من هذه الشركة؟ حيث استمرت فى نشاطها، وشدد محافظ البنك المركزى على أنه لا داعى للتهديد والشوشرة من قبل أى من الشركات العاملة بالسوق المصرية، لأن الجميع يعلم قدرة وإمكانات السوق، والعائد المجزى من الاستثمار فيها.
تلك كانت تصريحات رئيس البنك المركزى غير المتزنة!
«غير متزنة»، لأنها مبنية على افتراض أن جنرال موتورز مصر أحد فروع جنرال موتورز الأمريكية، وهذا ليس صحيحاً. وغير متزنة لأنها تفترض أن منتجات «جنرال موتورز مصر» تنافس منتجات آسيوية أوروبية وهذا ليس صحيحا، لأن غالبية انتاج الشركة لصالح توكيلات كورية وألمانية!
كما أن حصة المستثمرين المصريين من أسهم الشركة أكبر من حصة جنرال موتورز الأمريكية (33% مقابل 31%) وبقية الأسهم موزعة بين سعوديين (16%) ويابانيين (20%)!
والأهم من ذلك كله هو أن «جنرال موتورز مصر» لم تهدد أو تلوح بالانسحاب من السوق المصرى وإنما أعلنت وقف إنتاجها لمدة أسبوع واحد فقط بدأ يوم الأحد 7 فبراير 2016 وانتهى (أى استأنفت الشركة نشاطها) يوم الأحد 14 فبراير 2016 ببيان أعلنت فيه الشركة أنها تعزز «ثقتها فى الاقتصاد المصرى الواعد الذى طالما آمنت بقدراته بداية من عام 1983 حيث كانت من أوائل الشركات التى قامت بإنشاء مصنع لها بالمنطقة الصناعية بالسادس من أكتوبر، مروراً بالعديد من الاستثمارات التى مثلت حجر زاوية ليس فقط فى تاريخ الشركة ولكن فى صناعة السيارات المصرية والاقتصاد المصرى ككل».
وفى البيان توجهت الشركة بالشكر «لجميع مسئولى الحكومة المصرية والقائمين على القطاع المصرفى للمجهودات التى تُبذل لنتخطى معا هذه المرحلة، كما تؤكد جنرال موتورز مصر حرصها كل الحرص على استمرارها فى السوق المصرية».
وعودة إلى الأسئلة المنطقية واجبة الطرح، بشأن قرار رئيس البنك المركزى باستبعاد أصحاب الكفاءات والتراكمات التى يحتاجها الجهاز المصرفى بشدة فى هذا التوقيت بالذات..
عودة إلى القرار المربك الذى لم يكن مبررا، وبالتالى ظهر الحديث عن شبهة خلط بين العام والخاص وعن وجود ظلال لخلافات شخصية!

8- عائلة محافظ المركزى
غير أن الدخول إلى تلك المنطقة، يتطلب أن نقف قليلاً عند ملمح مهم وضرورى فى شخصية طارق عامر، وهو الملمح الخاص باعتزازه بأصله وبعائلته، وهو ما لا يمكن لأحد أن يأخذه عليه، إلا إذا كان ذلك فى غير سياقه!
أنت حققت إنجازا فى موقع.. ما علاقة هذا الإنجاز بعائلتك؟!
ولماذا تتعمد إقحام سيرتهم فى أى مناسبة بدون أى مناسبة؟!
فى 28 أكتوبر 2015 فوجئنا ​أن طارق عامر يكتب لـ«الأخبار» مقالاً طويلاً عنوانه «علشان بلدى»، امتلأ بحكايات وذكريات قال إنها «مستمدة من المشهد السياسى الراهن»!
تذكر عمه عبدالمنعم عامر عندما كان يجلس فى أرضه الزراعية ويقرأ كتب البحوث الزراعية والبستانية ليتعلم والفلاحين فى الأرض يتندرون عليه أنه يتعلم الزراعة من الكتب.
استدعت ذاكرته أيضاً بعض المشاهد العائلية، فهذا نموذج شركة الحديد والصلب المصرية الذى قال إن أباه، رحمه لله، كان من مؤسسيها..
وإلى والده، أرجع الرؤية التى وضعها لتطوير البنك الأهلى!
فكتب ما نصه: «رؤيتى تأثرت بوالدى المهندس حسن عامر رحمه لله... كان لديه دائماً رؤية واسعة وبعيدة المدى وكفاءة كبيرة فى تحويل رؤيته إلى واقع ملموس بكفاءته الإدارية الهائلة والمنضبطة... أتذكر عندما كان مسئولا عن قطاع النقل البحرى عامين فقط (فقد عمله بعدهما لوقوفه بحسم ضد صفقة كبيرة كان المستفيدون فيها أعلى رؤوس فى الدولة فى ذلك ليحال إلى المعاش للمرة الثالثة ولم يكن تجاوز 50 عاماً)... كان يقول لى سوف أبنى أُسطولاً لمصر أكبر من أُسطول «أوناسيس» الملياردير اليونانى وقتها.
وأضاف: «بدأ بالفعل إصلاح الهياكل المالية لهذه الشركات لإنقاذها من الخسائر التى استمرت سنوات طويلة... حققت الملاحة البحرية المصرية بعد عامين فقط من توليه أرباحاً بعد خسائر كبيرة باستخدامه العلم وبحوث العمليات Operational Research فى إعادة رسم الخطوط الملاحية وتخطيطها... قام بتدبير تمويل من البنوك الدولية لشراء سفن جديدة للصيد فى أعالى البحار وسفن شحن وأول حوض عائم فى ترسانة الإسكندرية لإصلاح السفن... لم يمهله الحظ لاستكمال بناء أسطول تجارى متكامل لمصر... كنت متأكداً أنه سينجح... بعد نجاحه فى قيادة قطاع البترول واكتشاف أكبر حقول مصر التى لازالت تنتج إلى الآن وأول من عقد اتفاقية تنمية مع الجانب الأمريكى ووضع الأساس لاتفاقيات البحث والامتياز التى لا زالت سارية إلى الآن... كما قاد التصنيع فى الستينيات مع جيله من الوزراء والمهندسين والعلماء وأنشئ مصانع الإسمنت التى صدرت فائض الإنتاج ونحن نبنى السد العالى ونشيد مئات المصانع والمدارس وآلاف المساكن والطرق والكبارى والجسور والمستشفيات والوحدات الصحية».
ليس ذلك فحسب، بل استطرد مؤكدا أنه عندما أقرأ عشرات الملفات عن الصناعات الحربية المتقدمة التى قال إن والده كان أحد 5 أعضاء لمجلس إدارتها وكان اسمها «الهيئة المصرية العامة للطيران»، رأى عمل مذهل فشلت مصر ما قبل الثورة فى مضاهاته إلى اليوم، حيث قاموا الفترة من 1960إلى 1967 بتصنيع 38 طائرة مقاتلة والصواريخ الطويلة المدى والعابرة.
وأضاف شارحاً: «حين درست تلك الملفات جيداً.. اكتشفت أنهم استعانوا بأكثر من 350 خبيراً أجنبياً فى الطيران والتصنيع الحربى على رأسهم العالم الألمانى Messer Schmidt الذى سميت أشهر طائرة ألمانية فى الحرب العالمية الثانية باسمه وتم تصنيع أكثر من 35 ألف طائرة منها فى العالم... كانت ميزانية تلك الهيئة 35 مليون جنيه وقتها فى العام توازى عشرات المليارات اليوم».
وزاد على ذلك فأضاف: «وجدت فى هذه الملفات الجهد العلمى الكبير والفكر البعيد المدى والكفاءة المنقطعة النظير فى التنفيذ وكانت هذه رؤية والدى وعمى المشير عبدالحكيم عامر رحمه لله... للأسف تم تدمير الـمصانع الحربية الثلاثة للطائرات والصواريخ بعد المأساة التى أطاحت بعائلتنا كلها فى 1967 بل ومصر أيضاً».
ما علاقة ما تحقق (إن كان قد تحقق) فى البنك الأهلى بعائلته؟!
ولماذا يتعمد إقحام سيرتهم فى أى مناسبة، بدون أى مناسبة؟!
هل يريد التأكيد على أنه سليل عائلة قدمت لمصر ما لم يقدمه غيرها؟!
أم يريد التأكيد على أنهم يستحقون بمعيار ما قدموه، أكثر مما يستحقه غيرهم؟!
لا معنى لذلك غير أنه يريد إثبات التمايز.. وأنه لم يتبوأ موقعاً أو يتقلد منصباً إلا بالصيغة التى كانت تتناقل بها «العمودية» من جيل لآخر، فى عائلة بعينها!

9- لغز شقيقه عامر
فهل كان لذلك علاقة مباشرة أو غير مباشرة برد فعله أو استقباله لأخبار نزاع شقيقته مع «البنك التجارى الدولى»؟!
هل كان ذلك هو السبب الذى جعله يتخذ موقفاً عدائياً من البنك الذى رفض يوماً ما طلباً لسليلة «آل عامر»؟!
أمامى الآن، ما يشير إلى أن أزمة البنك التجارى الدولى مع طارق عامر أو العكس، قد يكون لها بعد شخصى، سببه مشكلات ونزاعات سابقة بين منى حسن عامر، شقيقة محافظ البنك المركزى، والبنك بدأت باستقالتها فى 31 ديسمبر 2007 ولم تنته بإقامتها دعوى قضائية ضد البنك، صدر فيها حكم أول وثانى درجة فى غير صالحها، وهو الأمر الذى نرجئ تناول تفاصيله إلى وقت لاحق!

10- قضية هشام رامز
ولأن الشىء بالشىء يُذكر، نشير إلى أنه يوم 28 فبراير الماضى، أرسل البنك التجارى الدولى إلى البنك المركزى، قرارا بتعيين هشام رامز، نائباً لرئيس مجلس الإدارة وعضواً منتدباً للبنك التجارى الدولى، للتصديق عليه. وبعد مرور شهر كامل لم تتم الموافقة على هذا القرار حتى الآن!
رغم أن هشام رامز، بشهادة الجميع، كفاءة مصرفية يصعب تكرارها، ويكفى أنه شغل لمدة 7 سنوات موقعى محافظ ونائب محافظ البنك المركزى فى فترة من أصعب الظروف الاقتصادية فى تاريخ البلاد. وللحديث بقية


موضوعات ذات صله

التعليقات