إنقاذ ترامب.. خطة الحزب الجمهوري للحفاظ على كرسي الحكم في البيت الأبيض

فضيحة ووتر جيت دفعت الجمهوريين لتدشين خطة محكمة لإبقاء ترامب فى منصبه حفاظا على مستقبل الحزب
الجناح اليميني في الولايات المتحدة من تشييد نظام لا يسمح بإجبار أي رئيس جمهوري على التنحي من منصبه بسهولة
-------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
أصبحت قضية عزل ترامب حديث العالم كله لاسيما بعد فضيحة طلب الرئيس الأمريكي من رئيس أوكرانيا التحقيق في تورط نجل منافسه جو بايدن في بعض المعاملات التجارية هناك لاستغلال الأمر خلال انتخابات الرئاسة ، الأمر الذي استغله الديمقراطيون وبدأوا يسعون من خلال مجلس النواب برئاسة نانسي بيلوسي في اتخاذ إجراءات فعلية لعزله، وأصبح السؤال هل يجلس الجمهوريون متفرجون بينما يتم الإطاحة برئيسهم أم يكون لهم ردة فعل قوية، هذا السؤال رد عليه الباحث طارق الشامي في دراسة نشرها في صحيفة الاندبندنت
.الشامى أكد إنه في خضم الجدل الساخن والاتهامات المتبادلة يوميا بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وخصومه الديمقراطيين في شأن إذا ما كان خالف الدستور بما يستوجب عزله، يبدو عدد من قادة الجمهوريين في حالة اطمئنان، ليس لأنهم يعلمون أن ترامب بريء من اتهامات الديمقراطيين، وليس لكونهم يسيطرون على مجلس الشيوخ الذي سيحسم وحده مسألة عزل الرئيس في نهاية المطاف، ولكن لعدة ركائز أخرى نجح الجمهوريون في تشييدها وترسيخها، بعدما تلقوا دروسا لا تنسى من استقالة الرئيس الجمهوري ريتشارد نيكسون عام 1974 تحت تهديد التحقيق معه في اتهامات فضيحة ووترجيت تمهيدا لعزله.
وأضاف الشامي : منذ فضيحة ووترجيت، وعلى مدى عقود من الصبر والحرص والعزيمة، تمكن الجناح اليميني في الولايات المتحدة من تشييد نظام لا يسمح بإجبار أي رئيس جمهوري على التنحي من منصبه بسهولة ومن دون مقاومة، وهو نظام يرتكز على ثلاث أذرع رئيسة في مراكز السلطة المؤثرة ، أولها، خلق بيئة إعلامية مواتية تدافع عن اليمين المحافظ والجمهوريين، وهو ما تمثل في شبكة أخبار فوكس نيوز وعدد من القنوات الأخرى والصحف والمواقع الإخبارية ،ثانيها، تشكيل نخبة مثقفة ومؤثرة عبر تأسيس رابطة من أساتذة الجامعات ذوي الميول اليمينية، وإنشاء مراكز بحوث وتفكير ودراسات تمولها مؤسسات محافظة ،ثالثها، العمل المؤسسي لاختيار فريق من القضاة المخلصين للتيار اليميني وأصحاب الولاء للحزب الجمهوري في المحكمة العليا والمحاكم الفيدرالية.
وأوضح أنه من أجل فهم طبيعة المؤسسة الجمهورية، فإن الأمر يتطلب فهم ما حدث خلال فضيحة ووترجيت ، مشيرا إلى أنه وفقاً للمعايير المثالية، كانت ووترجيت نجاحا للقيم الأمريكية والتوافق بين أصحاب المبادئ في الحزبين الكبيرين الجمهوري والديمقراطي لحماية الدستور، في ظل زخم إعلامي ونخبوي قوي يتفق على أن تورط الرئيس نيكسون في التجسس على مقر حملة الحزب الديمقراطي صيف 1972 في مبنى ووترجيت داخل واشنطن، لا يمكن الدفاع عنه.
لكن الحقيقة التي تتحدث عنها بعض الصحف الأمريكية هي أن الحزب الجمهوري آنذاك لا يختلف كثيرا عن الحزب الجمهوري في الوقت الراهن، إذ كان يمكن أن تسير الأمور في اتجاه آخر، وخصوصا أن كثيرين من قادة الحزب الجمهوري في السبعينيات اعتقدوا أن نيكسون كان ضحية ظلم متوحش يجب ألا يتكرر مرة أخرى.
ووفقا لما يراه بعض المراقبين، فإن ما حدث مع نيكسون شبيه بما يجري الآن مع تغيير بعض الأسماء، إذ فشلت المحاولات الأولى للتحقيق داخل الكونجرس في قضية ووترجيت، وتساءل قادة جمهوريون عما يعرفه الرئيس ومتى علم به سعيا لحمايته، كما وصف المتحدث الصحفي باسم البيت الأبيض تقرير "واشنطن بوست" الذي تحدث عن أن نيكسون تآمر ضد الديمقراطيين بأنها صحافة رديئة مخادعة وسياسية الدوافع، بل ومنسقة مع المرشح الديموقراطي جورج مكجوفيرن.
وتابع الشامي : بعد انتخابات 1972، فسر السيناتور جيسي هيلمز عن ولاية نورث كارولينا تحقيقات الكونجرس ضد نيكسون بأنها كانت محاولة من الديمقراطيين للانقلاب على اختيار الشعب الأمريكي للمحافظين في الانتخابات، فقد كان الديمقراطيون حسب هيلمز هم الأشرار الذين ارتكبوا جرائم تبدو معها فضيحة ووترجيت أشبه بنزهة مدرسية.
لم يكن نيكسون من وجهة نظر الجمهوريين ومنهم رونالد ريجان الذي كان حينذاك حاكما لولاية كاليفورنيا يستحق الإدانة والعزل، كما واصل مناصروه تأييده حتى في نيويورك معقل الديمقراطيين، لكن بحلول يوليو 1974، وعلى الرغم من موافقة اللجنة القضائية في مجلس النواب على ثلاث فقرات اتهام ضد الرئيس، كان نيكسون قادراً على تحدي الاتهامات، خصوصاً أن ثلث الأعضاء الجمهوريين فقط في اللجنة القضائية، صوتوا لمصلحة الاتهامات.
وعلى الرغم من أن الديمقراطيين سيطروا على مجلسي النواب والشيوخ في هذا الوقت، فإن عزل الرئيس كان يتطلب موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ أي 67 عضواً بينما كان للديمقراطيين 55 عضوا فقط.
وأشار الشامي إلى أن ما أنهى رئاسة نيكسون بالفعل حسب وصف المجلس الدستوري الوطني في الولايات المتحدة هو حكم المحكمة العليا الذي صدر بالإجماع وأجبر نيكسون على تسليم شرائط تسجيل محادثات أجراها من المكتب البيضاوي إلى اللجنة القضائية في مجلس النواب، وكشفت إحداها أنه ناقش خططا لعرقلة تحقيق أجراه مكتب التحقيقات الفيدرالي إف بي آي، في واقعة اقتحام مكتب حملة الحزب الديمقراطي في مبنى ووترجيت للتجسس عليه وسرقة وثائق منه.
حينذاك، أصبح من المستحيل سياسيا حماية نيكسون، فذهب عدد من الأعضاء الجمهوريين في مجلسي الشيوخ والنواب إلى البيت الأبيض لمطالبة الرئيس بالاستقالة وهو ما تم بالفعل في اليوم التالي مباشرة.
ولهذا، لم يتم اتهام الرئيس نيكسون في مجلس النواب، ولم تحدث إدانته في مجلس الشيوخ، لكن ما أجبره على الاستقالة هو تخلي الجمهوريين عنه.
بعدما حدث، ظلت رقعة واسعة من النخبة الجمهورية تعتقد أنه ما كان ينبغي على النواب الجمهوريين في الكونجرس التخلي عن الرئيس باعتباره آثما، إذ ارتكبت ضده آثام عدة، فقد كتب وليام سيمون وزير خزانة نيكسون كتابا عام 1978 تحت عنوان لحظة الحقيقة، قال فيه إن ما فعله نيكسون يعد أمرا تافها ووصف استقالته بأنها مصيبة ضربت الأمة الأمريكية.
أما أليكسندر هيج، رئيس هيئة موظفي البيت الأبيض في عهد نيكسون، الذي شغل منصب وزير خارجية الرئيس ريجان، فقد تملكه شعور بأن الأمر كله لم يكن شرعيا لأن الديمقراطيين انطلقوا لاعتقال الجميع سعيا لمكاسب حزبية.
ووفقا لكاتب خطابات نيكسون باتريك بوكانان، الذي رشح نفسه للرئاسة بعد ذلك، كانت ووترجيت انقلابا سياسيا ضد أكبر اكتساح انتخابي في التاريخ الأمريكي بهدف تدمير رئيس أهان المؤسسة الليبرالية بعدما فاز نيكسون في 49 ولاية أمريكية.
تولد لدى الجمهوريين مشاعر حزينة بأن الأمور سارت في الطريق الخطأ بسبب المؤسسة الليبرالية المتمثلة في الإعلام الليبرالي وأساتذة الجامعات الليبراليين والقضاة الليبراليين. فجميعهم طعنوا نيكسون.
كان التأثير الليبرالي طاغيا، لدرجة أن الحزب الجمهوري لم يكن يثق في قضاته بعدما صوت خمسة من قضاة المحكمة العليا الذين عينهم رؤساء جمهوريون ضد الرئيس نيكسون، منهم ثلاثة عينهم نيكسون نفسه.
ولهذا كان الرد الجمهوري هو العمل على تحقيق رؤية نيكسون نفسه، الذي قال عام 1973 لرئيس موظفي البيت الأبيض إن الجمهوريين في حاجة إلى خلق مؤسسة جديدة تبدأ بإنشاء قنوات إخبارية كي تنخرط في هجوم شرس ضد المعارضة.
وبالفعل، طالبت إدارة نيكسون من مؤيدين خارجيين شراء شبكة تلفزيونية، وهو ما وصفه البعض بأنه فكرة ممتازة ومنهم مستشار نيكسون روجر آيلس، الذي أصبح مديرا للأخبار في مؤسسة تي إن آي الإخبارية بتمويل من قطب المال المحافظ جوزيف كورز، الذي أسس بعد ذلك شبكة أخبار فوكس نيوز الشهيرة مع روبرت مردوخ.
أما الجانب القضائي، فقد نشر المحامي لويس باول، الذي رشحه نيكسون للمحكمة العليا عام 1971 بيانا قبل تعيينه يؤكد فيه أن القضاء هو أكثر أداة مهمة لإحداث تغيير سياسي واقتصادي واجتماعي، كما كتب جون إرلشمان مستشار نيكسون مقالا عام 1982، جاء فيه أن نيكسون أراد أن يملأ المحاكم بقضاة صغار السن ليدافعوا عن الاتجاهات الجمهورية.
وأوضح الشامي أنه بعد استقالة نيكسون، تولى وزير خزانته وليام سيمون رئاسة مؤسسة أولن المحافظة من عام 1977 وحتى وفاته في 2000، حيث حصل على تمويل من أثرياء المحافظين والمؤسسات اليمينية الغنية لدعم الباحثين وعلماء الاجتماع والكتاب والصحفيين بهدف مقاومة التيار الليبرالي القوي في المجتمع الأمريكي، حيث قال إن الأمر الوحيد الذي يستطيع إنقاذ الحزب الجمهوري هو خلق نُخبة مضادة. ما جعل مجلة ناشيونال ريفيو تصف مؤسسة أولن بأنها مصدر رأس المال الرئيس لمؤامرة يمينية واسعة على حد قولها.
وهكذا ساعدت مؤسسة أولن في قفز أسماء يمينية إلى الشهرة دفاعا عن تيار اليمين، كما دعمت العديد من أساتذة الجامعات ومراكز بحوث وتفكير مثل مؤسسة هيرتاج ومعهد مانهاتن.
غير أن أهم ما فعلته مؤسسة أولن، كان مساهمتها القوية في تأسيس ودعم الجمعية الفيدرالية التي خرجت من رحم مؤتمر لأساتذة القانون وطلبته عقد عام 1982، فمثلما تعد شبكة فوكس نيوز مؤسسة إخبارية محافظة قوية وسط شبكات الأخبار، تعد الجمعية الفيدرالية كذلك بالنسبة إلى نقابة المحامين الأمريكية حيث أصبحت عضوية هذه الجمعية أشبه بأحد شروط اختيار الرؤساء الجمهوريين للقضاة المحافظين الذين يدافعون عن مواقف الجمهوريين ولا يتحولون عنها بعد توليهم منصب قاض حسب صحيفة بوليتيكو الأمريكية.
والدليل على ذلك وفقا للشامي أن خمسة من القضاة التسعة في المحكمة العليا الأمريكية بمن فيهما نيل جورسيتش و بريت كافانو اللذّين عينهما ترامب كانا وما زالا أعضاء في الجمعية الفيدرالية. وينطبق الأمر ذاته على 25 من بين 30 قاضيا فيدراليا عينهم ترامب في محاكم الاستئناف.
كما لفت الشامي إلى أن قوة المؤسسة الجمهورية التي رسم طريقها نيكسون في البداية، كانت فعالة جدا حتى خلال مراحلها الأولى، فخلال ما سمى بفضيحة إيران - كونترا في نهاية الثمانينيات، كان واضحا أن الرئيس ريجان ارتكب جرما قد يستوجب إدانته وعزله، حيث انخرط في بيع السلاح سرا لإيران بهدف تمويل متمردي الكونترا ضد الحكومة اليسارية في نيكاراجوا وضمان الإفراج عن معتقلين غربيين خطفتهم عناصر موالية لإيران.
لكن المحقق الخاص الذي تم تعيينه للتحقيق في القضية كان جمهوريا ومحافظا، كما لعب الإعلام اليميني مثل صحيفة واشنطن تايمز دورا مهما لتشجيع السياسيين الجمهوريين على مواجهة الليبراليين الساعين لاتهام ريجان وعزله. وبالرغم من إدانة المحقق الخاص مسئولين في إدارة ريجان، فإن ثلاثة قضاة في محكمة استئناف العاصمة واشنطن عينهم ريجان وكانوا أعضاء في الجمعية الفيدرالية، أسقطوا هذه الإدانة.
ومثلما حدث مع ريجان، لن يكون من السهل أن يتخلى الجمهوريون حاليا عن الرئيس ترامب في معركته ضد الديمقراطيين، فالإعلام المحافظ اليميني النزعة يدافع عنه ويصف اتهامات الديمقراطيين بأنها أكاذيب، كما يرى مراقبون أن الناخبين المحافظين لا يتابعون سوى الإعلام المحافظ اليميني الذي يصدقون كل ما يقوله لهم باعتباره الحقيقة الكاملة، وبالتالي لن يتأثر سوى قطاع محدود من قاعدة المحافظين المؤيدين للرئيس ترامب.
وحيث أن إدارة ترامب لا ترغب في التعاون مع مطالبات لجان مجلس النواب بتقديم وثائق لها حول المحادثة الهاتفية مع الرئيس الأوكراني، فقد يتحول الأمر إلى القضاء الذي قد يكرر سيناريو ريجان في فضيحة إيران– كونترا.
أما داخل الكونجرس، فلم يوجه سوى نائبين انتقادات علنية للرئيس ترامب، بينما امتنع الآخرون، وهو ما يعطي انطباعاً بأنه لو نجح الديمقراطيون في اتهام ترامب في مجلس النواب حيث يتمتعون بالأغلبية، فإن الأمر سيختلف في مجلس الشيوخ حيث سيكون من الصعب انضمام 20 عضواً من الجمهوريين إلى جانب الديمقراطيين خلال الأشهر المقبلة وتحقيق شرط توفير 67 صوتا تدعم عزل ترامب ما لم تحدث مفاجآت مدوية وتظهر أدلة لا يمكن الدفاع عنها.
مع ذلك،
يتفق كثيرون على أن ما حدث مع نيكسون قبل 45 عاماً لن يتكرر مرة أخرى. خسر نيكسون الرئاسة، لكن رؤيته التي أصبحت حقيقة نجحت بعد رحيله وأصبحت ووترجيت درسا لا ينسى.


موضوعات ذات صله

التعليقات