ياسر بركات يكتب عن : كورونا زلزال كوكب الأرض الصامت

مصر تقود ثورة إفريقيا ضد جشع أوروبا
السيسى يدعو لتخفيف ديون القارة السوداء
ـ رؤساء جنوب أفريقيا وكينيا والكونغو ومالى يعلنون التعاون مع مصر لوضع ميثاق جديد فى زمن الكورونا
ـ وتوافق نهائى على انشاء صندوق لمواجهة خطر الفيروس

في مؤتمر محدود أو قمة مصغرة، عبر الفيديو كونفرانس، تباحث عدد من قادة وزعماء الدول الأفريقية، بشأن تداعيات فيروس كورونا المستجد على دول القارة، ومناقشة سبل التعامل مع الأزمة بالتعاون مع الشركاء الدوليين. وتوافق الزعماء على إنشاء صندوق لتوفير الموارد اللازمة لدعم جهود مكافحة الفيروس في أفريقيا، ومجابهة التبعات الاقتصادية المتوقعة على الدول الأفريقية، وذلك على غرار الجهود الأفريقية السابقة لمكافحة انتشار وباء (الإيبولا) بعدد من الدول الأفريقية.

الأرقام في دول القارة لا تزال متواضعة، لكن أعداد المصابين بفيروس كورونا تتزايد يوما بعد يوم، بينما لا تتوفر لدى غالبية دول القارة السمراء أنظمة صحية قادرة على مواجهة هذا الوباء الفتاك. وللتقليل من مخاطر انتشاره. وبالتالي أكد القادة والرؤساء الأفارقة على أهمية تعزيز الجهود والتنسيق في هذا الخصوص ما بين أجهزة الاتحاد الأفريقي ومختلف التجمعات الاقتصادية الإقليمية الأفريقية، وأن يتم تشكيل مجموعة عمل مكونة من وزراء النقل الأفارقة لتنسيق نقل المعدات الطبية وأدوات المكافحة، ولضمان سهولة وصولها وتداولها ما بين الدول الأفريقية.

القمة شارك فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي، إلى جانب القادة والزعماء الأفارقة أعضاء هيئة مكتب الاتحاد الأفريقي، وعلى رأسهم الرئيس سيريل رامافوزا رئيس جنوب أفريقيا، الرئيس الحالي للاتحاد، والرئيس الكيني أوهورو كينياتا، والرئيس المالي إبراهيم أبو بكر كيتا، والرئيس فيلكس تشيسيكيدي رئيس الكونغو الديمقراطية، إلى جانب موسى فقيه رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي. وانطلاقا من حرص مصر على تقديم الدعم المالي المناسب لإنشاء الصندوق تعزيزاً للجهود الأفريقية المشتركة، وأيضاً تقديم دعم مالي للمركز الأفريقي لمكافحة الأمراض، والذي من المقرر أن تستضيف مصر المقر الإقليمي له.

كما تم الاتفاق على تشكيل مجموعة عمل تحت مظلة الاتحاد الأفريقي، وبالتنسيق والتعاون بين جميع الدول الأفريقية، بحيث تكون مهمتها تبادل الخبرات والمعلومات في مجال مكافحة كورونا، وكذا مخاطبة الرأي العام الأفريقي بالمستجدات والتطورات في هذا الشأن. وتم التوافق كذلك حول أهمية التركيز خلال الفترة المقبلة على تعظيم الإنتاج المحلي للمواد والمحاليل والمطهرات الكيميائية في مختلف الدول الأفريقية، إضافة إلى صياغة حملات توعية للشعوب الأفريقية بشأن كيفية مكافحة فيروس (كورونا)، وسبل الوقاية الفعالة، بما فيها تقليل الاختلاط والحركة والاهتمام بالسلوك الوقائي الشخصي اليومي.

صمدت القارة الأفريقية طويلا أمام انتشار الفيروس، لكنه نجح في اختراقها على الرغم من الحظر على التجمعات وإغلاق المدارس والحانات والمطاعم والقيود المفروضة على التنقل والسفر الجوي، وصار الفيروس موجودا في أكثر من 40 دولة أفريقية، بحسب ما ذكر فرع القارة الأفريقية في منظمة الصحة العالمية مؤخرا. وفي ظل التداعيات الحتمية على اقتصاديات الدول الأفريقية بسبب الأزمة، تقدم الرئيس عبدالفتاح السيسي بمبادرة وجهها إلى دول مجموعة العشرين، لدراسة تخفيف أعباء الديون المستحقة على الدول الأفريقية، سواء بإعادة الجدولة أو التأجيل أو الإعفاء، وذلك بالتنسيق مع المؤسسات المالية الإقليمية والدولية، كالبنك الإسلامي للتنمية والبنك الأفريقي للتنمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إلى جانب المانحين من الدول الصناعية الكبرى.

الرئيس السيسي أكد أيضا خلال "القمة المصغرة" أن جهود مكافحة الإرهاب في القارة الأفريقية ستمثل عبئاً إضافياً خلال الفترة المقبلة في ظل مكافحة انتشار كورونا في الدول الأفريقية، ما قد يؤثر سلباً على الجهود القارية في هذا الخصوص، ومن ثم يتعين توفير دعم دولي، خاصة من قبل مجموعة العشرين، لمساندة دول الساحل الأفريقي وقوتها المعنية بمكافحة الإرهاب على وجه التحديد، للحيلولة دون تطور تهديد الإرهاب في تلك المنطقة والقارة بأكملها.

عدم انتشار كورونا في أفريقيا بالشكل الذي انتشر به في قارات أخرى، يمثل لغزا لدى البعض، وبينهم من حاولوا التقليل من أهمية الإجراءات التي اتخذتها حكومات العديد من الدول الأفريقية، ووصلت إلى حد عزل المسافرين من الدول الموبوءة منذ الأيام الأولى، في حين عمدت دول أخرى إلى الاستعانة بطواقم طبية من طلاب الجامعات الشباب عند المعابر الجوية والبرية والبحرية، بعد أن ثبت عالمياً أن فئة الشباب لا تعاني كثيراً من أعراض الفيروس، وإن أصيبت به، ولكن نظرية أكاديمية فرنسية تشير إلى أن طبيعة التنقل في أفريقيا قد تكون السبب في عدم انتشار الفيروس بشكل وبائي.

كذلك، يؤدي عامل العمر دوراً مهماً في تفسير سبب مناعة أفريقيا، إذ إنّ معدل الأعمار في معظم الدول الأفريقية أقل بكثير من معدّل الأعمار في أوروبا أو الصين. وعلى سبيل المثال، يبلغ معدل أعمار السكان في بريطانيا 40 عاماً، بينما يبلغ 18 عاماً في نيجيريا؛ أكثر بلدان أفريقيا كثافة سكانيةً. وهناك نظريات كثيرة معقولة، لكنها لا تقدم إجابات وافية، خصوصاً أنّ الوباء لم يبلغ ذروته عالمياً، ولا نزال في المرحلة الأولى لانتشاره في أغلب دول العالم، باستثناء الصين وكوريا الجنوبية، اللتين شهدتا أرقاماً إيجابية في الأيام الأخيرة.

مع ذلك، تظل المخاطر كبيرة، فإذا وصل المرض إلى المناطق الأشد فقرا في القارة، فإن عوامل كالظروف المعيشية البائسة والازدحام قد تجعله ينتشر بسرعة البرق، خصوصا وأن المستشفيات في أنحاء القارة مثقلة بالفعل بحالات الحصبة والملاريا وغيرهما من الأمراض المعدية، ناهيك عن تأثير الصراعات التي أدت إلى نزوح مئات الآلاف ودمرت البنية التحتية. ويمكن إدراك مدى خطورة الوضع في العديد من الدول الأفريقية من خلال تصريح مدير حوادث التفشي في وزارة الصحة بجنوب السودان أنجوك جوردون كول الذي قال إنه "لا يوجد لدى الحكومة سوى 24 سريرا لعزل المرضى". وإلى جانب ذلك، فإن كثير من الناس في القارة السمراء لا يمتلكون مياه نظيفة، ناهيك عن النقص في الموارد للتعامل مع تفشي الفيروس وعدم وجود ما يكفي من العمالة المدربة في قطاع الصحة.

ربما تكون معاناة الأنظمة الصحية في العديد من الدول الأوروبية، مثل إيطاليا وإسبانيا على وجه الخصوص، واضحة تماما لكثير من الناس على الرغم من أنها دول متقدمة. وفي المقابل، من المعروف، من خلال مراقبة حالات لتفشي أوبئة سابقا مثل إيبولا، أن الأنظمة الصحية في أفريقيا تتسم بالهشاشة، كما تعاني من نقص شديد في الموارد. وبالتالي فإن انتشار الوباء في أفريقيا قد يكون وبالا على الدول وشعوبها عموما، وعلى الأنظمة الصحية بشكل خاص، ومن ثم على اقتصادياتها، وتحديدا في الدول الأشد فقرا في القارة. لكن ما قد يطمئن قليلا هو أن مصر تتعاون مع المراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، التي أنشأها الاتحاد الأفريقي، وتتعاون أيضا مع منظمة الصحة العالمية لتعزيز التنسيق في مواجهة الطوارئ وتحسين الفحص والمراقبة وتجهيز مراكز العلاج، على أمل تجاوز هذه المحنة الخطيرة.


التعليقات