رئيس التحريرياسر بركات
الأربعاء 28 فبراير 2024 04:10 صـ 18 شعبان 1445 هـ
أهم الأخبار

د.محمد جاد الزغبي يكتب.. كيف نفهم (طوفان الأقصى) ..الهدف والتوقيت والقرار

وفق ما تعلمناه من أساتذتنا، فلا يمكن أن نتعرض بالتأريخ لأحدث معاصرة لم تنضج بعد على مسار الحوادث، ويكون التصرف الأصح هو متابعة الحدث نفسه، حيث تكون الأولوية للخبر لا للتحليل.
أما التحليل والتأريخ فيأتي طبيعيا بعد وقوع الحدث والبحث خلف أسراره.

غير أن هذه القاعدة لا تمنع التصدي لتحليل الأسباب الواقفة خلف الحدث، لأن المسببات بطبيعتها تكون تاريخا سابقا لكل حدث كبير.

وعندما بدأت أول موجات طوفان الأقصى في 7 أكتوبر، كانت المفاجأة كبيرة بلا شك، لكن الحيرة كانت أكبر عند من يتابع التطورات السياسية لغزة وقضية فلسطين عموما منذ أواخر عام 1998م، وحتى اليوم
وبمناقشة هذه الأحداث نستطيع أن تقول بأن مبررات ما حدث أصبحت معروفة، وكل ما يحيط بها من ألغاز أصبحت حلوله واضحة.

فالبداية كانت مع وصول بنيامين نتنياهو لرياسة الحكومة الإسرائيلية في المرة الأولى، وما تبعه ذلك من تدمير مبادئ اتفاقية (أوسلو) وما تبعها من (واي ريفر 1 – واي ريفر 2)، وما تبع ذلك أيضا من وصول (شارون) – مع مطلع الألفية – لرياسة الحكومة والذي أكمل ما بدأه نتنياهو ودمر البقية الباقية من اتفاقية أوسلو وحاصر (ياسر عرفات) الذي رفض الهروب حتى تم اغتياله وتنصيب أبو مازن في محله.

في نفس الوقت قامت الحكومة الإسرائيلية بتنفيذ خطتها لاستئناس منظمة (حماس) عن طريق ضرب القيادات التي اختارت خيار المقاومة وحده دون النظر لخيار التفاوض، وهما الشيخ (أحمد ياسين) ونائبه (عبد العزيز الرنتيسي)

ومع الوحشية المطلقة التي تعامل بها نتنياهو وشارون وبينهما إيهود باراك أدرك الفلسطينيون في الصفة وغزة أن اتفاقيات السلام مع إسرائيل عبارة عن (أوهام وأحلام يقظة) – كما وصفها كاتبنا الكبير هيكل- وأن الواقع الوحيد أن المقاومة هي الخيار الذي يضمن نسبة من النجاح والسلامة بعكس خيار السلام –وفق المفهوم الإسرائيلي- الذي لا يجلب إلا القتل البارد وبلا ثمن.

وقد وقع شهداء العامة من فلسطين منذ هذه الفترة وحتى اليوم دون أن ترتفع ضد إسرائيل مقاومة فعلية أو يدفعون –ولو جزءا بسيطا- من ثمن وحشيتهم.

فالضفة وحكومة الحكم الذاتي الفلسطيني مدجنة بالكامل تحت رياسة أبي مازن، وحماس في بعد قيادتها نجحت إسرائيل في إدخالها لدوامة الانتخابات والتفاوض أيضا، ولهذا رأينا الأحداث منذ عام 2004 وهي تسري من جانب واحد.

عمليات مقاومة محدودة جدا، في مقابل عمليات اجتياح عسكري مبالغ فيه من إسرائيل.

وسقط مئات الشهداء أيضا دون أن تعاني من رد فعل موجع ضدها يجبرها على عدم ممارسة ذلك التوحش.
وأصبح من قبيل الأخبار المعتادة أن يقوم الطيران الإسرائيلي كل فترة بضرب غزة، أو تقوم قواتهم بضرب الضفة وانتهاك الأقصى.

ثم كان ختام الجبروت الأمريكي الإسرائيلي في قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، واجتياح سياسة التطبيع لدول المنطقة

كل هذا كان معتادا حتى جاءت حرب أوكرانيا، والتي أعلنت أن ما بدأه (بوتين) في أول القرن سيبدأ التنفيذ الآن.

لأن بوتين كانت سياسته واضحة وهي إعادة التوازن للعالم بعد أن اختل هذا التوازن وانتهى بسقوط السوفيات وانفراد الولايات المتحدة بمقدرات العالم أجمع.

وكانت الظروف مواتية للتنفيذ بعد أن سقطت الولايات المتحدة تحت وطأة سقف ديون تاريخي يهدد اقتصادها، كما ابتلعت الحروب الخارجية ميزانيات وقدرات كبرى.

هنا لاحت فرصة، أو نصف فرصة.

فرصة أو نصف فرصة أمام المقاومة الفلسطينية بكافة فصائلها – لا حماس وحدها- وهذه النصف فرصة هي إمكانية انتزاع جزء من النصر من بين فكي الهزيمة الكاملة.

لأن الوضع الفلسطيني بعد حرب أوكرانيا أصبح في حكم المنتهي، لأنه بعد نقل السفارة الأمريكية وبعد فرض التطبيع وفي ظل وجود حكومة متطرفة، أصبح تهويد القدس ومد المستوطنات هو ترجمة عملية لاجتياح كامل وتهجير لمناطق الكثافة الفلسطينية.

وفوق هذا كله.

جاءت حرب أوكرانيا لتمنح وقودا أكثر لعملية التهويد، لأن أوكرانيا واحدة من معاقل اليهود والصهيونية في أوربا الشرقية، ومعظم قيادات إسرائيل منها ومن بولندا.

وعندما وقعت الحرب نزح عدد كبير جدا من اليهود للخارج، وكانت فرصة استثمارية هائلة لإسرائيل، فأعلنت الحكومة الإسرائيلية استعدادها لاستقبال عشرين ألف لاجئ أوكراني يهودي شهريا ومنحهم الجنسية الإسرائيلية.

وفي ظل هذا السواد المعتم، أين كان يمكن أن نجد الفرصة.
الفرصة كانت موجودة بالفعل والذي أوضحها المفكر الكويتي الكبير (عبد الله النفيسي)، وهو واحد من ألمع المحللين السياسيين العرب، ومسار حياته العملية كله كان في صف المساندة السياسية لكل حركات المقاومة الفلسطينية.

وقد خرج قبل عدة أشهر من طوفان الأقصى، بمحاضرة خطيرة له عن نتائج حرب أوكرانيا وشرح الوضع كله، ثم توجه برسالة للمقاومة الفلسطينية على اختلاف أطيافها.

أن الوقت الحالي هو الوقت المناسب لتنفيذ ضربة تربك كافة حسابات العدو.

أولا: لأن إسرائيل خسرت تحالفها مع بوتين بعد أن أعلنت دعمها لأوكرانيا، فأصبح الطريق مفتوحا لإمكانية إنشاء قناة اتصال مع روسيا

ثانيا: روسيا نفسها تدرك تماما صعوبة المأزق الأوكراني بعد أن احتشد الغرب ضدها بالسلاح والتمويل والمرتزقة وأصبحت الخسائر الروسية كبيرة.

ثالثا: بوتين لديه عقل مفكر هو مستشاره (ألكسندر دوجان)، وهذا الرجل هو صاحب مشروع إعادة بث القوة الروسية والأهم أنه ينظر للعرب على أنهم حليف محتمل ضد الغرب

رابعا: روسيا لم تعد بعيدة كما كانت في الماضي لوجود قواعدها الحديثة في سوريا.

والذي أجزم به، هو أن رسالة (عبد الله النفيسي) وصلت كاملة للمقاومة، وفي الوقت المناسب أيضا.
والوقت المناسب الذي أعنيه أن وجه المقاومة قد تغير في حماس منذ سنوات قليلة برحيل القادة السياسيين لقطر ووجود (يحيي السنوار) على رأس القيادة الفعلية في غزة.

ويحيي السنوار وشقيقه محمد من المدرسة القديمة التي ترفض الطريقة الإيرانية في المقاومة والطريقة الإيرانية هي التي تم فرضها على حماس من إيران وتقتصر على عمليات بسيطة ومحدودة جدا مثل خطف جندي أو ضرب عدة صواريخ بلا تأثير فعلي.

لذلك قلنا منذ بداية أحداث طوفان الأقصى أنها معركة جرت بعيدة عن التنسيق مع إيران أو حتى التنسيق مع القيادات السياسية لحماس.

فحجم الضربة من النوع الذي لا تقبل به إيران أو حزب الله مطلقا، فضلا على أن سريتها المطلقة والمفاجأة الإسرائيلية أمامها، وكذلك التشويش على الأقمار الصناعية الذي حجب الهجوم الفلسطيني عن الشاشات الإسرائيلية، والخطة العسكرية الغير تقليدية التي تم وضعها للاقتحام وتنفيذ أهدافه في ساعات معدودة.
كل هذه التفاصيل كانت تشي باتفاق استراتيجي مع قوة كبرى يعيد لأذهاننا تاريخا مجيدا من العلاقات الروسية العربية في النصف الثاني من القرن العشرين.

والإنجاز الحقيقي للمقاومة لا يتمثل فقط في ضخامة العملية ونجاحها بل يتمثل في التخطيط السياسي المذهل الذي وضع إسرائيل الآن في أكبر أزمة وجودية تواجهها منذ حرب 48.

فقد هاجر خارج إسرائيل أكثر من مليون شخص، فضلا على أن جحافل اليهود التي انتوت الرحيل لإسرائيل أعلنت تراجعها، كما خسرت إسرائيل المعركة الإعلامية العالمية لأول مرة في تاريخها، وتعدت خسائر اقتصادها 56 مليار دولار.

بخلاف أن أوكرانيا خسرت كل تقدمها في الحرب بسبب تكثيف أمريكا وأوربا مساعدتهم لإسرائيل.
كل هذه المنجزات لم تتحقق يوما للجانب الفلسطيني على مدى صراعه التاريخي مع إسرائيل، وأصبحت الساحة مجهزة الآن لمفاوضات حقيقية لا لمهازل مثل مهزلة أوسلو.
ولو صح توقعي بأن المقاومة خططت ونفذت بناء على نصيحة النفيسي، فسيكون هذا إنجازا تاريخيا للرجل.
خاصة وأنني أتساءل بشدة.

أين اختفى عبد الله النفيسي منذ بداية طوفان الأقصى وحتى اليوم مع أنه كان يملأ الشاشات بتحليلاته لأحداث أهون من هذا بكثير؟!