لعبة "تكسير العظام" في البحار
خلينا النهاردة نتكلم بالبلدى بما أن العالم النهاردة بيمر بلحظة من أغرب اللحظات التاريخية؛ لحظة تحس فيها إن الخريطة اللي اترسمت من عقود بتتمسح وتترسم من جديد.
لو بصيت على المشهد في الشرق الأوسط ومضيق هرمز، هتلاقي حالة من التخبط الغريب في الموقف الأمريكي، وكأن العم سام فقد بوصلته ومبقاش عارف يسيطر على خيوط اللعبة اللي كان هو اللي بيحركها لوحده.
البداية كانت بتهديد إيراني صريح ومباشر: مضيق هرمز، اللي هو شريان الحياة الاقتصادية للعالم، هيتقفل في وش أي دولة ليها علاقة بإسرائيل أو بتدعم العدوان الأمريكي. الكلام ده في البداية قوبل باستهزاء في واشنطن، وتصريحات أمريكية متضاربة؛ شوية يقولوا "إيران بتهدد الملاحة الدولية وهندفع بتعزيزات عسكرية"، وشوية تلاقي مسؤولين تانيين بيقولوا "إحنا بنراقب الوضع ومش عايزين تصعيد".
التضارب ده مش صدفة، ده دليل على إن الإدارة الأمريكية واقفة في حقل ألغام ومش عارفة تدوس فين من غير ما الدنيا تنفجر في وشها.
الغريب والمثير للدهشة، إن "القفل" الإيراني للمضيق مش ماشي على الكل بنفس المسطرة. النهاردة، العالم كله شاف ناقلة نفط تركية وأخرى إسبانية وهما بيعدوا من المضيق بسلام، وسط تأمين إيراني ملحوظ، هنا الرسالة كانت واضحة زي الشمس: إيران مش بتعادي العالم كله، هي بتعادي الحلف اللي بيحاربها. تركيا وإسبانيا، بمواقفهم السياسية اللي فيها قدر من التوازن أو على الأقل مش في خندق العداء المباشر مع طهران، لقوا طريقهم مفتوح دي دبلوماسية المضائق؛ إيران بتستخدم الممر المائي كـ "جمرك سياسي"، بتسمح للي هي عايزاه، وبتحرم اللي هي شايفاه عدو.
هذا الموقف الإيراني خلق نوع من الارتباك عند دول العالم. الكل بدأ يفكر: إحنا فين من الخناقة دي؟. وبدأنا نشوف موجة غير مسبوقة من الدول اللي قررت تخفض تمثيلها الدبلوماسي مع إسرائيل، مش بس الدول الأفريقية، ده حتى دول كانت علاقتها بتل أبيب قوية بدأت تحسبها بالورقة والقلم ليه؟ لأن أمن الطاقة بقى مرتبط بموقف الدولة السياسي لو عايز بترول يوصلك وتضمن اقتصادك ميهزش، ابعد عن خندق "المغامرة الإسرائيلية"، إسرائيل اللي كانت زمان بتتقدم على إنها "المركز" اللي الكل بيدور في فلكه، بدأت النهاردة تتحول لـ "عبء" على أي دولة ترتبط بيها.
لكن الصدمة اللي مكنش حد يتوقعها، هي اللي حصلت جوا عرين الأسد نفسه، جوه حاملة الطائرات جيرالد فورد التقارير اللي اتسربت عن محاولة بعض الجنود الأمريكيين إضرام النار في الحاملة دي، هي مؤشر خطر لا يقل أهمية عن الصواريخ اللي بتطير في الجو، حاملة الطائرات دي هي رمز الهيبة الأمريكية، وهي القوة اللي بتتحرك في البحار عشان تفرض السيطرة لما يوصل الحال إن الجندي الأمريكي نفسه، اللي هو الترس في آلة الحرب، يحاول يحرق سلاحه، ده معناه إن فيه تآكل في الروح المعنوية، وإن قناعة الجنود بجدوى الحروب دي بدأت تتهز، ده مش مجرد حادث تخريبي، ده صرخة جوه المؤسسة العسكرية الأمريكية بتقول إن الناس بدأت تزهق من دور "شرطي العالم" اللي بيدفعوا تمنه من أعصابهم وحياتهم، وياريت حتى في مبرر أخلاقي للثمن دا.
أمريكا النهاردة، بتصريحاتها المتضاربة، بتحاول تمسك العصاية من النص: تظهر بمظهر القوي اللي بيحمي حلفاءه، وفي نفس الوقت بتتحاشى مواجهة شاملة مع إيران لأنها عارفة إن الخسارة هتكون أكبر بكتير من أي مكسب، الحقيقة المرة اللي واشنطن بتحاول تداريها، إن زمن الاستفراد خلص، إيران قدرت بذكاء شديد إنها تحول مضيق هرمز من مجرد ممر مائي لنقطة ضغط بتلعب فيها بالورقة السياسية والاقتصادية زي ما هي عايزة.
المشهد ده بيدينا درس كبير: السياسة في المنطقة مبقتش بالضرورة مين يملك صواريخ أكتر، بقت مين اللي يقدر يدير الأزمة بشكل يخلي الطرف التاني هو اللي يغلط. إيران بتلعب شطرنج، وأمريكا بتبان وكأنها بتلعب بوكر ومستنية تشوف ورقها هيطلع إيه.
في النهاية، إحنا قدام واقع جديد: خريطة تحالفات بتتشكل، ودول بتغير ولاءاتها عشان تحمي مصالحها، وأمريكا اللي كانت الحارس للممرات البحرية، بقت واقفة تتفرج وهي مش قادرة تفتح طريق لناقلة تابعة لحليف إلا بموافقة الطرف اللي هي بتصنفه عدو. ده بحد ذاته اعتراف ضمني بهزيمة استراتيجية لم تكن في الحسبان.
عالمنا النهارده بيثبت إن الاستقواء مش دائم، وإن الشعوب والدول اللي قررت تقول "لأ"، بدأت فعلاً في تغيير موازين القوى والسنوات الجاية، أو حتى الشهور الجاية، هتكشف لنا إن الهيبة اللي كانت بتخوف العالم من الحاملات والمدمرات، مكنتش إلا وهماً انكسر بمجرد ما قرر صاحب الأرض إنه يغلق بوابته، ويقول للجميع: "اللي عايز يعدي، لازم يحترم قواعدي".